روابط مصاحف م الكتاب الاسلامي

 روابط مصاحف م الكتاب الاسلامي/ / / / / / / /

الأربعاء، 10 أغسطس 2022

ج4. تفسير الشوكاني

 

"""""" صفحة رقم 3 """"""

 جزء4.
ع24
تفسير
سورة النور
هي مدنية وآياتها أربع وستون آية
حول السورة
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير قالا أنزلت سورة النور بالمدينة وأخرج الحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عائشة مرفوعا لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة يعنى النساء وعلموهن الغزل وسورة النور وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) علموا رجالكم سورة المائدة وعلموا نساءكم سورة النور وهو مرسل وأخرج أبو عبيد في فضائله عن حارثة بن مضرب قال كتب إلينا عمر بن الخطاب أن تعلموا سورة النساء والأحزاب والنور
النور ( 1 3 )
النور : ( 1 ) سورة أنزلناها وفرضناها . . . . .
السورة في اللغة اسم للمنزلة الشريفة ولذلك سميت السورة من القرآن سورة ومنه قوله زهير ألم تر أن الله أعطاك سورة
ترى كل ملك دونها يتذبذب
أي منزلة قرأ الجمهور سورة بالرفع وفيه وجهان أحدهما أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف أي هذه سورة ورجحه الزجاج والفراء والمبرد قالوا لأنها نكرة ولا يبتدأ بالنكرة في كل موضع والوجه الثاني أن يكون مبتدأ


"""""" صفحة رقم 4 """"""
وجاز الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة بقوله ) أنزلناها ( والخبر ) الزانية والزاني ( ويكون المعنى السورة المنزلة المفروضة كذا وكذا إذ السورة عبارة عن آيات مسرودة لها مبدأ ومختم وهذا معنى صحيح ولا وجه لما قاله الأولون من تعليل المنع من الابتداء بها كونها نكرة فهي نكرة مخصصة بالصفة وهو مجمع على جواز الابتداء بها وقيل هي مبتدأ محذوف الخبر على تقدير فيما أوحينا إليك سورة ورد بأن مقتضى المقام ببيان شأن هذه السورة الكريمة لا بيان أن في جملة ما أوحى إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) سورة شأنها كذا وكذا وقرأ الحسن بن عبد العزيز وعيسى الثقفي وعيسى الكوفي ومجاهد وأبو حيوة وطلحة بن مصرف بالنصب وفيه أوجه الأول أنها منصوبة بفعل مقدر غير مفسر بما بعده تقديره اتل سورة أو اقرأ سورة والثاني أنها منصوبة بفعل مضمر يفسره ما بعده على ما قيل في باب اشتغال الفعل عن الفاعل بضميره أي أنزلنا سورة أنزلناها فلا محل لأنزلناها ها هنا لأنها جملة مفسرة بخلاف الوجه الذي قبله فإنها في محل نصب على أنها صفة لسورة الوجه الثالث أنها منصوبة على الإغراء أي دونك سورة قاله صاحب الكشاف ورده أبو حيان بأنه لا يجوز حذف أداة الإغراء الرابع أنها منصوبة على الحال من ضمير أنزلناها قال الفراء هي حال من الهاء والألف والحال من المكنى يجوز أن تتقدم عليه وعلى هذا فالضمير في أنزلناها ليس عائدا على سورة بل على الأحكام كأنه قيل أنزلنا الأحكام حال كونها سورة من سور القرآن قرأ ابن كثير وأبو عمرو وفرضناها بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف قال أبو عمرو فرضناها بالتشديد أي قطعناها في الإنزال نجما نجما والفرض القطع ويجوز أن يكون التشديد للتكثير أو للمبالغة ومعنى التخفيف أوجبناها وجعلناها مقطوعا بها وقيل ألزمناكم العمل بها وقيل قدرنا ما فيها من الحدود والفرض التقدير ومنه ) إن الذي فرض عليك القرآن ( وأنزلنا فيها آيات بينات أى أنزلنا في غضونها وتضاعيفها ومعنى كونها بينات أنها واضحة الدلالة على مدلولها وتكرير أنزلنا لكمال العناية بإنزال هذه السورة لما اشتملت عليه من الأحكام
النور : ( 2 ) الزانية والزاني فاجلدوا . . . . .
) الزانية والزاني ( هذا شروع في تفصيل ما أجمل من الآيات البينات والارتفاع على الابتداء والخبر ) فاجلدوا كل واحد منهما ( أو على الخبرية لسورة كما تقدم والزنا هو وطء الرجل للمرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح وقيل هو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا والزانية هي المرأة المطاوعة للزنا الممكنة منه كما تنبىء عنه الصيغة لا المكرهة وكذلك الزاني ودخول الفاء في الخبر لتضمن المبتدإ معنى الشرط على مذهب الأخفش وأما على مذهب سيبويه فالخبر محذوف والتقدير فيما يتلى عليكم حكم الزانية ثم بين ذلك بقوله ) فاجلدوا ( والجلد الضرب يقال جلده إذا ضرب جلده مثل بطنه إذا ضرب بطنه ورأسه إذا ضرب رأسه وقوله ) مائة جلدة ( هو حد الزاني الحر البالغ البكر وكذلك الزانية وثبت بالستة زيادة على هذا الجلد وهي تغريب عام وأما المملوك والمملوكة فجلد كل واحد منهما خمسون جلدة لقوله سبحانه ) فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ( وهذا نص في الإماء وألحق بهن العبيد لعدم الفارق وأما من كان محصنا من الأحرار فعليه الرجم بالسنة الصحيحة المتواترة وبإجماع أهل العلم بل وبالقرآن المتسوخ لفظه الباقي حكمه وهو الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة وزاد جماعة من أهل العلم مع الرجم جلد مائة وقد أوضحنا ما هو الحق في ذلك شرحنا للمنتقى وقد مضى الكلام في حد الزنا مستوفى وهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء وقرأ عيسى بن عمر الثقفي ويحيى بن يعمر وأبو جعفر وأبو شيبة ) الزانية والزاني ( بالنصب قيل وهو القياس عند سيبويه لأنه عنده كقولك زيدا اضرب وأما الفراء والمبرد والزجاج فالرفع عندهم أوجه وبه قرأ الجمهور ووجه تقديم الزانية على الزاني ها هنا أن


"""""" صفحة رقم 5 """"""
الزنا في ذلك الزمان كان في النساء أكثر حتى كان لهن رايات تنصب على أبوابهن ليعرفهن من أراد الفاحشة منهن وقيل وجه التقديم أن المرأة هي الأصل في الفعل وقيل لأن الشهوة فيها أكثر وعليها أغلب وقيل لأن العار فيهن أكثر إذ موضوعهن الحجبة والصيانة فقدم ذكر الزانية تغليظا واهتماما والخطاب في هذه الآية للأئمة ومن قام مقامهم وقيل للمسلمين أجمعين لأن إقامة الحدود واجبة عليهم جميعا والإمام ينوب عنهم إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود ) ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ( يقال رأف يرأف رأفة على وزن فعلة ورآفة على وزن فعالة مثل النشأة والنشاءة وكلاهما بمعنى الرقة والرحمة وقيل هي أرق الرحمة وقرأ الجمهور رأفة بسكون الهمزة وقرأ ابن كثير بفتحها وقرأ ابن جريج رآفة بالمد كفعالة ومعنى في دين الله في طاعته وحكمه كما في قوله ) ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ( ثم قال مثبتا للمأمورين ومهيجا لهم ) إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ( كما تقول للرجل تحضه على أمر إن كنت رجلا فافعل كذا أي إن كنتم تصدقون بالتوحيد والبعث الذي فيه جزاء الأعمال فلا تعطلوا الحدود ) وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ( أي ليحضره زيادة في التنكيل بهما وشيوع العار عليهما وإشهار فضيحتهما والطائفة الفرقة التي تكون حافة حول الشيء من الطوف وأقل الطائفة ثلاثة وقيل إثنان وقيل واحد وقيل أربعة وقيل عشرة
النور : ( 3 ) الزاني لا ينكح . . . . .
ثم ذكر سبحانه شيئا يختص بالزاني والزانية فقال ) الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة (
قد اختلف أهل العلم في معنى هذه الآية على أقوال الأول أن المقصود منها تشنيع الزنا وتشنيع أهله وأنه محرم على المؤمنين ويكون معنى الزاني لا ينكح الوطء لا العقد أي الزاني لا يزني إلا بزانية والزانية لا تزني إلا بزان وزاد ذكر المشركة والمشرك لكون الشرك أعم في المعاصي من الزنا ورد هذا الزجاج وقال لا يعرف النكاح في كتاب الله إلا بمعنى التزويج ويرد هذا الرد بأن النكاح بمعنى الوطء ثابت في كتاب الله سبحانه ومنه قوله ) حتى تنكح زوجا غيره ( فقد بينه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بأن المراد به الوطء ومن جملة القائلين بأن معنى الزاني لا ينكح إلا زانية الزاني لا يزني إلا بزانية سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة كما حكاه ابن جرير عنهم وحكاه الخطابي عن ابن عباس القول الثاني أن الآية هذه نزلت في امرأة خاصة كما سيأتي بيانه فتكون خاصة بها كما قاله الخطابي القول الثالث أنها نزلت في رجل من المسلمين فتكون خاصة به قاله مجاهد الرابع أنها نزلت في أهل الصفة فتكون خاصة بهم قاله أبو صالح الخامس أن المراد بالزاني والزانية المحدودان حكاه الزجاج وغيره عن الحسن قال وهذا حكم من الله فلا يجوز لزان محدود أن يتزوج إلا محدودة وروى نحوه عن إبراهيم النخعي وبه قال بعض أصحاب الشافعي قال ابن العربي وهذا معنى لا يصح نظرا كما لم يثبت نقلا السادس أن الآية هذه منسوخة بقوله سبحانه ) وأنكحوا الأيامى منكم ( قال النحاس وهذا القول عليه أكثر العلماء القول السابع أن هذا الحكم مؤسس على الغالب والمعنى أن غالب الزناة لا يرغب إلا في الزواج بزانية مثله وغالب الزواني لا يرغبن إلا في الزواج بزان مثلهن والمقصود زجر المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزنا وهذا أرجح الأقوال وسبب النزول يشهد له كما سيأتي
وقد اختلف في جواز تزوج الرجل بامرأة قد زنى هو بها فقال الشافعي وأبو حنيفة بجواز ذلك وروي عن ابن عباس وروي عن عمر وابن مسعود وجابر أنه لا يجوز قال ابن مسعود إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبدا وبه قال مالك ومعنى ) وحرم ذلك على المؤمنين ( أي نكاح الزواني لما فيه من


"""""" صفحة رقم 6 """"""
التشبه بالفسقة والتعرض للتهمة والطعن في النسب وقيل هو مكروه فقط وعبر بالتحريم عن كراهة التنزيه مبالغة في الزجر
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس في قوله ) سورة أنزلناها وفرضناها ( قال بيناها وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن جارية لابن عمر زنت فضرب رجليها وظهرها فقلت ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله قال يا بنى ورأيتني أخذتنى بها رأفة إن الله لم يأمرني أن أقتلها ولا أن أجلد رأسها وقد أوجعت حيث ضربت وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس ) وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ( قال الطائفة الرجل فما فوقه وأخرج عبد الرزاق والفريابى وسعيد بن منصور وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى في سننه والضياء المقدسي في المختارة من طريق سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله ) الزاني لا ينكح ( قال ليس هذا بالنكاح ولكن الجماع لا يزنى بها حين يزنى إلا زان أو مشرك ) وحرم ذلك على المؤمنين ( يعنى الزنا وأخرج ابن أبى شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله ) الزاني لا ينكح إلا زانية ( قال كن نساء في الجاهلية بغيات فكانت منهن امرأة جميلة تدعى أم جميل فكان الرجل من المسلمين يتزوج إحداهن لتنفق عليه من كسبها فنهى الله سبحانه أن يتزوجهن أحد من المسلمين وهو مرسل وأخرج عبد بن حميد عن سليمان بن يسار نحوه مختصرا وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء عن ابن عباس قال كانت بغايا في الجاهلية بغايا آل فلان وبغايا آل فلان فقال الله ) الزاني لا ينكح إلا زانية ( الآية فأحكم الله ذلك في أمر الجاهلية وروى نحو هذا عن جماعة من التابعين وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الضحاك في الآية قال إنما عنى بذلك الزنا ولم يعن به التزويج وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير نحوه وأخرج ابن أبى شيبة عن عكرمة نحوه وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى عن ابن عباس في هذه الآية قال الزاني من أهل القبلة لا يزنى إلا بزانية مثله من أهل القبلة أو مشركة من غير أهل القبلة والزانية من أهل القبلة لا تزنى إلا بزان مثلها من أهل القبلة أو مشرك من غير أهل القبلة وحرم الزنا على المؤمنين وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقى في سننه عن عبد الله بن عمرو قال كانت امرأة يقال لها أم مهزول وكانت تسافح وتشترط أن تنفق عليه فأراد رجل من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يتزوجها فأنزل الله ) والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ( وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان رجل يقال له مرثد يحمل الأسارى من مكة حتى يأتى بهم المدينة وكانت امرأة بغى بمكة يقال لها عناق وكانت صديقة له وذكر قصة وفيها فأتيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقلت يا رسول الله أنكح عناقا فلم يرد على شيئا حتى نزلت ) الزاني لا ينكح إلا زانية ( الآية فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يا مرثد الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين فلا تنكحها وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن عمرو في الآية قال كن نساء معلومات فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه فنهاهم الله عن ذلك وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر والبيهقى عن ابن عباس أنها نزلت في بغايا معلنات كن في الجاهلية وكن زوانى مشركات فحرم الله


"""""" صفحة رقم 7 """"""
نكاحهن على المؤمنين وأخرج ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه من طريق شعبة مولى ابن عباس قال كنت مع ابن عباس فأتاه رجل فقال إنى كنت أتبع امرأة فأصبت منها ما حرم الله على وقد رزقنى الله منها توبة فأردت أن أتزوجها فقال الناس الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة فقال ابن عباس ليس هذا موضع هذه الآية إنما كن نساء بغايا متعالنات يجعلن على أبوابهن رايات يأتيهن الناس يعرفن بذلك فأنزل الله هذه الآية تزوجها فما كان فيها من إثم فعلى وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن عدى وابن مردويه والحاكم عن أبى هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن على بن أبى طالب أن رجلا تزوج امرأة ثم إنه زنى فأقيم عليه الحد فجاءوا به إلى على ففرق بينه وبين امرأته وقال لا تتزوج إلا مجلودة مثلك
سورة النور ( 4 10 )
النور : ( 4 ) والذين يرمون المحصنات . . . . .
قوله ) والذين يرمون ( استعار الرمى للشتم بفاحشة الزنا لكونه جناية بالقول كما قال النابغة وجرح اللسان كجرح اليد
وقال آخر
رمانى بأمر كنت عنه ووالدى بريا ومن أجل الطوى رمانى
ويسمى هذا الشتم بهذه الفاحشة الخاصة قذفا والمراد بالمحصنات النساء وخصهن بالذكر لأن قذفهن أشنع والعار فيهن أعظم ويلحق الرجال بالنساء في هذا الحكم بلا خلاف بين علماء هذه الأمة وقد جمعنا في ذلك رسالة رددنا بها على بعض المتأخرين من علماء القرن الحادى عشر لما نازع في ذلك وقيل إن الآية تعم الرجال والنساء والتقدير والأنفس المحصنات ويؤيد هذا قوله تعالى في آية أخرى ) والمحصنات من النساء ( فإن البيان بكونهن من النساء يشعر بأن لفظ المحصنات يشمل غير النساء وإلا لم يكن للبيان كثير معنى وقيل أراد بالمحصنات الفروج كما قال ) والتي أحصنت فرجها ( فتتناول الآية الرجال والنساء وقيل إن لفظ المحصنات وإن كان للنساء لكنه ها هنا يشمل النساء والرجال تغليبا وفيه أن تغليب النساء على الرجال غير معروف في لغة العرب والمراد بالمحصنات هنا العفائف وقد مضى في سورة النساء ذكر الإحصان وما يحتمله من المعانى وللعلماء في الشروط المعتبرة في المقذوف والقاذف أبحاث مطولة مستوفاة في كتب الفقه منها ما هو مأخوذ من دليل ومنها


"""""" صفحة رقم 8 """"""
ما هو مجرد رأى بحت قرأ الجمهور ) والمحصنات ( بفتح الصاد وقرأ يحيى بن وثاب بكسرها وذهب الجمهور من العلماء أنه لا حد على من قذف كافرا أو كافرة وقال الزهرى وسعيد بن المسيب وابن أبى ليلى إنه يجب عليه الحد وذهب الجمهور أيضا أن العبد يجلد أربعين جلدة وقال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وقبيصة يجلد ثمانين قال القرطبي وأجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى عليه لتباين مرتبتهما وقد ثبت في الصحيح عنه ( صلى الله عليه وسلم ) أن من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال ثم ذكر سبحانه شرطا لإقامة الحد على من قذف المحصنات فقال ) ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ( أي يشهدون عليهن بوقوع الزنا منهن ولفظ ثم يدل على أنه يجوز أن تكون شهادة الشهود في غير مجلس القذف وبه قال الجمهور وخالف في ذلك مالك وظاهر الآية أنه يجوز أن يكون الشهود مجتمعين ومفترقين وخالف في ذلك الحسن ومالك وإذا لم تكمل الشهود أربعة كانوا قذفة يحدون حد القذف وقال الحسن والشعبى إنه لا حد على الشهود ولا على المشهود عليه وبه قال أحمد وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن ويرد ذلك ما وقع في خلافة عمر رضى الله عنه من جلده للثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنا ولم يخالف في ذلك أحد من الصحابة رضى الله عنه قرأ الجمهور بأربعة شهداء بإضافة أربعة إلى شهداء وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وأبو زرعة بن عمرو بتنوين أربعة
وقد اختلف في إعراب شهداء على هذه القراءة فقيل هو تمييز ورد بأن المميز من ثلاثة إلى عشرة يضاف إليه العدد كما هو مقرر في علم النحو وقيل إنه في محل نصب على الحال ورد بأن الحال لا يجىء من النكرة التي لم تخصص وقيل إن شهداء في محل جر نعتا لأربعة ولما كان فيه ألف التأنيث لم ينصرف وقال النحاس يجوز أن يكون شهداء في موضع نصب على المفعولية أى ثم لم يحضروا أربعة شهداء وقد قوى ابن جنى هذه القراءة ويدفع ذلك قول سيبويه إن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في الشعر ثم بين سبحانه ما يجب على القاذف فقال ) فاجلدوهم ثمانين جلدة ( الجلد الضرب كما تقدم والمجالدة المضاربة في الجلود أو بالجلود ثم استعير للضرب بالعصى والسيف وغيرهما ومنه قول قيس بن الخطيم أجالدهم يوم الحديقة حاسرا
كأن يدى بالسيف مخراق لاعب
وقد تقدم بيان الجلد قريبا وانتصاب ثمانين كانتصاب المصادر وجلدة منتصبة على التمييز وجملة ) ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ( معطوفة على اجلدوا أى فاجمعوا لهم بين الأمرين الجلد وترك قبول الشهادة لأنهم قد صاروا بالقذف غير عدول بل فسقة كما حكم الله به عليهم في آخر هذه الآية واللام في لهم متعقلة بمحذوف هو حال من شهادة ولو تأخرت عليها لكانت صفة لها ومعنى أبدا ماداموا في الحياة ثم بين سبحانه حكمهم بعد صدور القذف منهم وإصرارهم عليه وعدم رجوعهم إلى التوبة فقال ) وأولئك هم الفاسقون ( وهذه جملة مستأنفة مقررة لما قبلها والفسق هو الخروج عن الطاعة ومجاوزة الحد بالمعصية وجوز أبو البقاء أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال
النور : ( 5 ) إلا الذين تابوا . . . . .
ثم بين سبحانه أن هذا التأييد لعدم قبول شهادتهم هو مع عدم التوبة فقال ) إلا الذين تابوا ( وهذه الجملة في محل نصب على الاستثناء لأنه من موجب وقيل يجوز أن يكون في موضع خفض على البدل ومعنى التوبة قد تقدم تحقيقه ومعنى ) من بعد ذلك ( من بعد اقترافهم لذنب القذف ومعنى ) وأصلحوا ( إصلاح أعمالهم التي من جملتها ذنب القذف ومداركة ذلك بالتوبة والانقياد للحد


"""""" صفحة رقم 9 """"""
فوائد
وقد اختلف أهل العلم في هذا الاستثناء هل يرجع إلى الجملتين قبله وهي جملة عدم قبول الشهادة وجملة الحكم عليهم بالفسق أم إلى الجملة الأخيرة وهذا الاختلاف بعد اتفاقهم على أنه لا يعود إلى جملة الجلد بل يجلد التائب كالمصر وبعد إجماعهم أيضا على أن هذا الاستثناء يرجع إلى جملة الحكم بالفسق فمحل الخلاف هل يرجع إلى جملة عدم قبول الشهادة أم لا فقال الجمهور إن هذا الاستثناء يرجع إلى الجملتين فإذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه الفسق لأن سبب ردها هو ما كان متصفا به من الفسق بسبب القذف فإذا زال بالتوبة بالإجماع كان الشهادة مقبولة وقال القاضى شريح وإبراهيم النخعى والحسن البصرى وسعيد بن جبير ومكحول وعبد الرحمن بن زيد وسفيان الثورى وأبو حنيفة إن هذا الاستثناء يعود إلى جملة الحكم بالفسق لا إلى جملة عدم قبول الشهادة فيرتفع بالتوبة عن القاذف وصف الفسق ولا تقبل شهادته أبدا وذهب الشعبى والضحاك إلى التفصيل فقالا لا تقبل شهادته وإن تاب إلا أن يعترف على نفسه بأنه قد قال البهتان فحينئذ تقبل شهادته وقول الجمهور هو الحق لأن تخصيص التقييد بالجملة الأخيرة دون ماقبلها مع كون الكلام واحدا في واقعة شرعية من متكلم واحد خلاف ما تقتضيه لغة العرب وأولوية الجملة الأخيرة المتصلة بالقيد بكونه قيدا لها لا تنفى كونه قيدا لما قبلها غاية الأمر أن تقييد الأخيرة بالقيد المتصل بها أظهر من تقييد ما قبلها به ولهذا كان مجمعا عليه وكونه أظهر لا ينافى قوله فيما قبلها ظاهرا وقد أطال أهل الأصول الكلام في القيد الواقع بعد جمل بما هو معروف عند من يعرف ذلك الفن والحق هو هذا والاحتجاج بما وقع تارة من القيود عائدا إلى جميع الجمل التي قبله وتارة إلى بعضها لا تقوم به حجة ولا يصلح للاستدلال فإنه قد يكون ذلك لدليل كما وقع هنا من الإجماع على عدم رجوع هذا الاستثناء إلى جملة الجلد ومما يؤيد ما قررناه ويقويه أن المانع من قبول الشهادة وهو الفسق المتسبب عن القذف قد زال فلم يبق ما يوجب الرد للشهادة
واختلف العلماء في صورة توبة القاذف فقال عمر بن الخطاب والشعبى والضحاك وأهل المدينة إن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذى وقع منه وأقيم عليه الحد بسببه وقال فرقة منهم مالك وغيره إن توتبه تكون بأن يحسن حاله ويصلح عمله ويندم على ما فرط منه ويستغفر الله من ذلك ويعزم على ترك العود إلى مثله وإن لم يكذب نفسه ولا رجع عن قوله ويؤيد هذا الآيات والأحاديث الواردة في التوبة فإنها مطلقة غير مقيدة بمثل هذا القيد
وقد أجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الذنب ولو كان كفرا فتمحو ما هو دون الكفر بالأولى هكذا حكى الإجماع القرطبى قال أبو عبيد الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة وليس من رمى غيره بالزنا بأعظم جرما من مرتكب الزنا والزانى إذا تاب قبلت شهادته لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن منها قوله ) إنما جزاء الذين يحاربون الله ( إلى قوله ) إلا الذين تابوا ( ولا شك أن هذا الاستثناء يرجع إلى الجميع قال الزجاج وليس القاذف بأشد جرما من الكافر فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته قال وقوله ) أبدا ( أي ما دام قاذفا كما يقال لا تقبل شهادة الكافر أبدا فإن معناه ما دام كافرا انتهى وجملة ) فإن الله غفور رحيم ( تعليل لما تضمنه الاستثناء من عدم المؤاخذة للقاذف بعد التوبة وصيرورته مغفورا له مرحوما من الرحمن الرحيم غير فاسق ولا مردود الشهادة ولا مرفوع العدالة ثم ذكر سبحانه بعد ذكره لحكم القذف على العموم حكم نوع من أنواع القذف وهو قذف الزوج للمرأة التي
النور : ( 6 ) والذين يرمون أزواجهم . . . . .
تحته بعقد النكاح فقال ) والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم (


"""""" صفحة رقم 10 """"""
أي لم يكن لهم شهداء يشهدون بما رموهن به من الزنا إلا أنفسهم بالرفع على البدل من شهداء قيل ويجوز النصب على خبر يكن قال الزجاج أو على الاستثناء على الوجه المرجوح ) فشهادة أحدهم أربع شهادات ( قرأ الكوفيون برفع أربع على أنها خبر لقوله ) فشهادة أحدهم ( أى فشهادة أحدهم التي تزيل عنه حد القذف أربع شهادات وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو أربع بالنصب على المصدر ويكون ) فشهادة أحدهم ( خبر مبتدأ محذوف أى فالواجب شهادة أحدهم أو مبتدأ محذوف الخبر أى فشهادة أحدهم واجبة وقيل إن أربع منصوب بتقدير فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات وقوله ) بالله ( متعلق بشهادة أو بشهادات وجملة ) إنه لمن الصادقين ( هي المشهود به وأصله على أنه فحذف الجار وكسرت إن وعلق العامل عنها
النور : ( 7 ) والخامسة أن لعنة . . . . .
) والخامسة ( قرأ السبعة وغيرهم الخامسة بالرفع على الابتداء وخبرها ) أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ( وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة وعاصم في رواية حفص والخامسة بالنصب على معنى وتشهد الشهادة الخامسة ومعنى ) إن كان من الكاذبين ( أي فيما رماها به من الزنا قرأ الجمهور بتشديد أن من قوله ) أن لعنة الله ( وقرأ نافع بتخفيفها فعلى قراءة نافع يكون اسم أن ضمير الشأن ولعنة الله مبتدأ وعليه خبره والجملة خبر أن وعلى قراءة الجمهور تكون لعنة الله اسم أن قال سيبويه لا تخفف أن في الكلام وبعدها الأسماء إلا وأنت تريد الثقيلة وقال الأخفش لا أعلم الثقيلة إلا أجود في العربية
النور : ( 8 ) ويدرأ عنها العذاب . . . . .
) ويدرأ عنها العذاب ( أى عن المرأة والمراد بالعذاب الدنيوى وهو الحد وفاعل يدرأ قوله ) أن تشهد أربع شهادات بالله ( والمعنى أنه يدفع عن المرأة الحد شهادتها أربع شهادات بالله أن الزوج ) لمن الكاذبين )
النور : ( 9 ) والخامسة أن غضب . . . . .
(والخامسة ( بالنصب عطفا على أربع أى وتشهد الخامسة كذلك قرأ حفص والحسن والسلمى وطلحة والأعمش وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء وخبره ) أن غضب الله عليها إن كان ( الزوج ) من الصادقين ( فيما رماها به من الزنا وتخصيص الغضب بالمرأة للتغليظ عليها لكونها أصل الفجور ومادته ولأن النساء يكثرن اللعن في العادة ومع استكثارهن منه لا يكون له في قلوبهن كبير موقع بخلاف الغضب
النور : ( 10 ) ولولا فضل الله . . . . .
) ولولا فضل الله عليكم ورحمته ( جواب لولا محذوف قال الزجاج المعنى ولولا فضل الله لنال الكاذب منهما عذاب عظيم ثم بين سبحانه كثير توبته على من تاب وعظيم حكمته البالغة فقال ) وأن الله تواب حكيم ( أى يعود على من تاب إليه ورجع عن معاصيه بالتوبة عليه والمغفرة له حكيم فيما شرع لعباده من اللعان وفرض عليهم من الحدود
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ) إلا الذين تابوا ( قال تاب الله عليهم من الفسوق وأما الشهادة فلا تجوز وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن عمر بن الخطاب أنه قال لأبى بكرة إن تبت قبلت شهادتك وأخرج ابن مردويه عنه قال توبتهم إكذابهم أنفسهم فإن أكذبوا أنفسهم قبلت شهادتهم وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقى في سننه عن ابن عباس قال من تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل وفي الباب روايات عن التابعين وقصة قذف المغيرة في خلافة عمر مروية من طرق معروفة وأخرج البخارى والترمذى وابن ماجه عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بشريك بن سحماء فقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) البينة وإلا حد في ظهرك فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة فجعل رسول الله صلى عليه وآله وسلم يقول البينة وإلا حد في ظهرك فقال هلال والذي بعثك بالحق إنى لصادق ولينزلن الله ما يبرىء ظهرى من الحد ونزل جبريل فأنزل عليه ) والذين يرمون أزواجهم ( حتى بلغ ) إن كان من الصادقين ( فانصرف النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فأرسل إليهما فجاء هلال فشهد والنبى ( صلى الله عليه وسلم ) يقول الله يعلم أن أحدكما كاذب


"""""" صفحة رقم 11 """"""
فهل منكما تائب ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا إنها موجبة فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت لا أفضح قومى سائر اليوم فمضت فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لولا ما مضى من كتاب الله لكان لى ولها شأن وأخرج هذه القصة أبو داود الطيالسي وعبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه عن ابن عباس مطولة وأخرجها البخاري ومسلم وغيرهما ولم يسموا الرجل ولا المرأة وفي آخر القصة أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال له اذهب فلا سبيل لك عليها فقال يا رسول الله مالى قال لا مالك لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها وأخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد قال جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال سل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله أيقتل به أم كيف يصنع فسأل عاصم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فعاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المسائل فقال عويمر والله لآتين رسوا الله ( صلى الله عليه وسلم ) لأسألنه فأتاه فوجده قد أنزل عليه فدعا بهما فلاعن بينهما قال عويمر إن انطلقت بها يا رسول الله لقد كذبت عليها ففارقها قبل أن يأمره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فصارت سنة للمتلاعنين فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أبصروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذبا فجاءت به مثل النعت المكروه وفي الباب أحاديث كثيرة وفيما ذكرنا كفاية وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود قالوا لا يجتمع المتلاعنان أبدا
سورة النور ( 11 21 )


"""""" صفحة رقم 12 """"""
النور : ( 11 ) إن الذين جاؤوا . . . . .
خبر إن من قوله ) إن الذين جاؤوا بالإفك ( هو عصبة و منكم صفة لعصبة وقيل هو ) لا تحسبوه شرا لكم ( ويكون عصبة بدلا من فاعل جاءوا قال ابن عطية وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أن يكون الخبر عصبة وجملة لا تحسبوه وإن كانت طلبية فجعلها خبرا يصح بتقدير كما في نظائر ذلك والإفك أسوأ الكذب وأقبحه وهو مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه فالإفك هو حديث المقلوب وقيل هو البهتان وأجمع المسلمون على أن المراد بما في الآية ما وقع من الإفك على عائشة أم المؤمنين وإنما وصفه الله بأنه إفك لأن المعروف من حالها رضى الله عنها خلاف ذلك قال الواحدي ومعنى القلب في هذا الحديث الذي جاء به أولئك النفر أن عائشة رضي الله عنها كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الحصانة وشرف النسب والسبب لا القذف فالذين رموها بالسوء قلبوا الأمر عن وجهه فهو إفك قبيح وكذب ظاهر والعصبة هم الجماعة من العشرة إلى الأربعين والمراد بهم هنا عبد الله بن أبي رأس المنافقين وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم وقيل العصبة من الثلاثة إلى العشرة وقيل من عشرة إلى خمسة عشر وأصلها في اللغة الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض وجملة ) لا تحسبوه شرا لكم ( إن كانت خبرا لإن فظاهر وإن كان الخبر عصبة كما تقدم فهي مستأنفة خوطب بها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وعائشة وصفوان بن المعطل الذى قذف مع أم المؤمنين وتسلية لهم والشر مازاد ضره على نفعه والخير ما زاد نفعه على ضره وأما الخير الذي لا 2 شر فيه فهو الجنة والشر الذي لا خير فيه فهو النار ووجه كونه خيرا لهم أنه يحصل لهم به الثواب العظيم مع بيان براءة أم المؤمنين وصيرورة قصتها هذه شرعا عاما ) لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ( أى بسبب تكلمه بالإفك ) والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ( قرأ الحسن والزهري وأبو رجاء وحميد الأعرج ويعقوب وابن أبى علية ومجاهد وعمرة بنت عبد الرحمن بضم الكاف قال الفراء وهو وجه جيد لأن العرب تقول فلان تولى عظيم كذا وكذا أى أكبره وقرأ الباقون بكسرها قيل هما لغتان وقيل هو بالضم معظم الإفك وبالكسر البداءة به وقيل هو بالكسر الإثم فالمعنى إن الذى تولى معظم الإفك من العصبة له عذاب عظيم في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما
واختلف في هذا الذي تولى كبره من عصبة الإفك من هو منهم فقيل هو عبدالله بن أبي وقيل هو حسان والأول هو الصحيح وقد روى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) جلد في الإفك رجلين وامرأة وهم مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وقيل جلد عبد الله بن أبي وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ولم يجلد مسطحا لأنه لم يصرح بالقذف ولكن كان يسمع ويشيع من غير تصريح وقيل لم يجلد أحدا منهم قال القرطبي المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الذين حدوا حسان ومسطح وحمنة ولم يسمع بحد لعبد الله بن أبي ويؤيد هذا ما في سنن أبى داود عن عائشة قالت لما نزل عذرى قام


"""""" صفحة رقم 13 """"""
النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم وسماهم حسان ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش
واختلفوا في وجه تركه ( صلى الله عليه وسلم ) لجلد عبد الله بن أبى فقيل لتوفير العذاب العظيم له في الآخرة وحد من عداه ليكون ذلك تكفيرا لذنبهم كما ثبت عنه ( صلى الله عليه وسلم ) في الحدود أنه قال إنها كفارة لمن أقيمت عليه وقيل ترك حده تألفا لقومه واحتراما لابنه فإنه كان من صالحى المؤمنين وإطفاء لنائرة الفتنة فقد كانت ظهرت مباديها من سعد بن عبادة ومن معه كما في صحيح مسلم
النور : ( 12 ) لولا إذ سمعتموه . . . . .
ثم صرف سبحانه الخطاب عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومن معه إلى المؤمنين بطريق الالتفات فقال لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا لولا هذه هي التحضيضية تأكيدا للتوبيخ والتقريع ومبالغة في معاتبتهم أي كان ينبغي للمؤمنين حين سمعوا مقالة أهل الإفك أن يقيسوا ذلك على أنفسهم فإن كان ذلك يبعد فيهم فهو في أم المؤمنين أبعد قال الحسن معنى بأنفسهم بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة ألا ترى إلى قوله ولا تقتلوا أنفسكم قال الزجاج ولذلك يقال للقوم الذين يقتل بعضهم بعضا إنهم يقتلون أنفسهم قال المبرد ومثله قوله سبحانه ) فاقتلوا أنفسكم ( قال النحاس بأنفسهم بإخوانهم فأوجب الله سبحانه على المسلمين إذا سمعوا رجلا يقذف أحدا ويذكره بقبيح لا يعرفونه به أن ينكروا عليه ويكذبوه قال العلماء إن في الآية دليلا على أن درجة الإيمان والعفاف لا يزيلها الخبر المحتمل وإن شاع ) وقالوا هذا إفك مبين ( أى قال المؤمنون عند سماع الإفك هذا إفك ظاهر مكشوف
النور : ( 13 ) لولا جاؤوا عليه . . . . .
وجملة ) لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء ( من تمام ما يقوله المؤمنون أى وقالوا هلا جاء الخائضون بأربعة شهداء يشهدون على ما قالوا ) فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك ( أى الخائض ونفي الإفك ) عند الله هم الكاذبون ( أى فى حكم الله تعالى هم الكاذبون الكاملون في الكذب
النور : ( 14 ) ولولا فضل الله . . . . .
) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة ( هذا خطاب للسامعين وفيه زجر عظيم ولولا هذه هي لامتناع الشيء لوجود غيره ) لمسكم فيما أفضتم فيه ( أى بسبب ما خضتم فيه من حديث الإفك يقال أفاض في الحديث واندفع وخاض والمعنى لولا أنى قضيت عليكم بالفضل في الدنيا بالنعم التي من جملتها الإمهال والرحمة في الآخرة بالعفو لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك وقيل المعنى لولا فضل الله عليكم لمسكم العذاب في الدنيا والآخرة معا ولكن برحمته ستر عليكم في الدنيا ويرحم والآخرة من أتاه تائبا
النور : ( 15 ) إذ تلقونه بألسنتكم . . . . .
) إذ تلقونه بألسنتكم ( الظرف منصوب بمسكم أو بأفضتم قرأ الجمهور إذ تلقونه من التلقى والأصل تتلقونه فحذف إحدى التاءين قال مقاتل ومجاهد المعنى يرويه بعضكم عن بعض قال الكلبي وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول بلغني كذا وكذا ويتلقونه تلقيا قال الزجاج معناه يلقيه بعضكم إلى بعض وقرأ محمد بن السميفع بضم التاء وسكون اللام وضم القاف من الإلقاء ومعنى هذه القراءة واضح وقرأ أبي مسعود تتلقونه من التلقي وهي كقراءة الجمهور وقرأ ابن عباس وعائشة وعيسى بن عمر ويحيى بن يعمر وزيد بن علي بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف وهذه القراءة مأخوذة من قول العرب ولق يلق ولقا إذا كذب قال ابن سيده جاءوا بالمتعدى شاهدا على غير المتعدى قال ابن عطية وعندى أنه أراد يلقون فيه فحذف حرف الجر فاتصل الضمير قال الخليل وأبو عمرو أصل الولق الإسراع يقال جاءت الإبل تلق أى تسرع ومنه قول الشاعر لما رأوا جيشا عليهم قد طرق
جاءوا بأسراب من الشام ولق
وقال الآخر جاءت به عيسى من الشام تلق
قال أبو البقاء أي يسرعون فيه قال ابن جرير


"""""" صفحة رقم 14 """"""
وهذه اللفظة أى تلقونه على القراءة الأخيرة مأخوذة من الولق وهو الإسراع بالشيء بعد الشيء كعدد في إثر عدد وكلام في إثر كلام وقرأ زيد بن أسلم وأبو جعفر تألقونه بفتح التاء وهمزة ساكنة ولام مكسورة وقاف مضمومة من الألق وهو الكذب وقرأ يعقوب تيلقونه بكسر التاء من فوق بعدها ياء تحتية ساكنة ولام مفتوحة وقاف مضمومة وهو مضارع ولق بكسر اللام ومعنى ) وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ( أن قولهم هذا مختص بالأفواه من غير أن يكون واقعا في الخارج معتقدا في القلوب وقيل إن ذكر الأفواه للتأكيد كما في قوله يطير بجناحيه ونحوه والضمير في تحسبونه راجع إلى الحديث الذي وقع الخوض فيه والإذاعة له ) وتحسبونه هينا ( أي شيئا يسيرا لا يلحقكم فيه إثم وجملة ) وهو عند الله عظيم ( في محل نصب على الحال أى عظيم ذنبه وعقابه
النور : ( 16 ) ولولا إذ سمعتموه . . . . .
) ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ( هذا عتاب لجميع المؤمنين أي هلا إذ سمعتم حديث الإفك قلتم تكذيبا للخائضين فيه المفترين له ما ينبغي لنا ولا يمكننا أن نتكلم بهذا الحديث ولا يصدر ذلك منا بوجه من الوجوه ومعنى قوله ) سبحانك هذا بهتان عظيم ( التعجب من أولئك الذين جاءوا بالإفك وأصله التنزيه لله سبحانه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه والبهتان هو أن يقال في الإنسان ما ليس فيه أى هذا كذب عظيم لكونه قيل في أم المؤمنين رضي الله عنها وصدوره مستحيل شرعا من مثلها
النور : ( 17 ) يعظكم الله أن . . . . .
ثم وعظ سبحانه الذين خاضوا في الإفك فقال ) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ( أى ينصحكم الله أو يحرم عليكم أو ينهاكم كراهة أن تعودوا أو من أن تعودوا لمثل هذا القذف مدة حياتكم إن كنتم مؤمنين فإن الإيمان يقتضى عدم الوقوع في مثله مادمتم وفيه تهييج عظيم وتقريع بالغ
النور : ( 18 ) ويبين الله لكم . . . . .
) ويبين الله لكم الآيات ( في الأمر والنهى لتعملوا بذلك وتتأدبوا بآداب الله وتنزجروا عن الوقوع في محارمه والله عليم بما تبدونه وتخفونه حكيم في تدبيراته لخلقه
النور : ( 19 ) إن الذين يحبون . . . . .
ثم هدد سبحانه القاذفين ومن أراد أن يتسامع الناس بعيوب المؤمنين وذنوبهم فقال ) إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ( أي يحبون أن تفشو الفاحشة وتنتشر ومن قولهم شاع الشىء يشيع شيوعا وشيعا وشيعانا إذا ظهر وانتشر والمراد بالذين آمنوا المحصنون العفيفون أو كل من اتصف بصفة الإيمان والفاحشة هي فاحشة الزنا أو القول السىء ) لهم عذاب أليم في الدنيا ( بإقامة الحد عليهم والاخرة بعذاب النار والله يعلم جميع المعلومات وأنتم لا تعلمون إلا ما علمكم به وكشفه لكم ومن جملة ما يعلمه الله عظم ذنب القذف وعقوبة فاعله
النور : ( 20 ) ولولا فضل الله . . . . .
) ولولا فضل الله عليكم ورحمته ( هو تكرير لما تقدم تذكيرا للمنة منه سبحانه على عبادة بترك المعاجلة لهم ) وأن الله رؤوف رحيم ( ومن رأفته بعباده لا يعاجلهم بذنوبهم ومن رحمته لهم أن يتقدم إليهم بمثل هذا الإعذار والإنذار وجملة ) فإن الله غفور رحيم ( معطوفة على فضل الله وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه أى لعاجلكم بالعقوبة
النور : ( 21 ) يا أيها الذين . . . . .
) يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ( الخطوات جمع خطوة وهي ما بين القدمين والخطوة بالفتح المصدر أى لا تتبعوا مسالك الشيطان ومذاهبه ولا تسلكوا طرائقه التي يدعوكم إليها قرأ الجمهور خطوات بضم الخاء والطاء وقرأ عاغصم والأعمش بضم الخاء وإسكان الطاء ) ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ( قيل جزاء الشرط محذوف أقيم مقامه ما هو علة له كأنه قيل فقد ارتكب الفحشاء والمنكر لأن دأبه أن يستمر آمرا لغيره بهما والفحشاء ما أفرط قبحه والمنكر ما ينكره الشرع وضمير إنه للشيطان وقيل للشأن والأولى أن يكون عائدا إلى من يتبع خطوات الشيطان لأن من اتبع الشيطان صار مقتديا في الأمر بالفحشاء والمنكر ) ولولا فضل الله عليكم ورحمته ( قد تقدم بيانه وجواب لولا هو قوله ) ما زكا منكم من أحد أبدا ( أى لولا التفضل والرحمة من الله ما طهر أحد منكم نفسه من دنسها ما دام حيا قرأ الجمهور زكى بالتخفيف


"""""" صفحة رقم 15 """"""
وقرأ الأعمش وابن محيصن وأبو جعفر بالتشديد أى ما طهره الله وقال مقاتل أى ما صلح والأولى تفسير زكى بالتطهر والتطهير وهو الذي ذكره ابن قتيبة قال الكسائي إن قوله ) يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ( معترض وقوله ) ما زكا منكم من أحد أبدا ( جواب لقوله أولا وثانيا ولولا فضل الله وقراءة التخفيف أرجح لقوله ) ولكن الله يزكي من يشاء ( أى من عباده بالتفضل عليهم والرحمة لهم والله سميع لما يقولونه عليم بجميع المعلومات وفيه حث بالغ على الإخلاص وتهييج عظيم لعباده التائبين ووعيد شديد لمن يتبع الشيطان ويحب أن تشيع الفاحشة في عباد الله المؤمنين ولا يزجر نفسه بزواجر الله سبحانه
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم حديث عائشة الطويل في سبب نزول هذه الايات بألفاظ متعددة وطرق مختلفة حاصله أن سبب النزول هو ما وقع من أهل الإفك الذين تقدم ذكرهم في شأن عائشة رضى الله عنها وذلك أنها خرجت من هودجها تلتمس عقدا لها انقطع من جزع فرحلوا وهم يظنون أنها في هودجها فرجعت وقد ارتحل الجيش والهودج معهم فأقامت في ذلك المكان ومر بها صفوان بن المعطل وكان متأخرا عن الجيش فأناخ راحلته وحملها عليها فلما رأى ذلك أهل الإفك قالوا ما قالوا فبرأها الله مما قالوه هذا حاصل القصة مع طولها وتشعب أطرافها فلا نطول بذكر ذلك وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأهل السنن الأربع وابن المنذر وابن مردويه والبيهقى في الدلائل عن عائشة قالت لما نزل عذري قام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم قال الترمذي هذا حديث حسن ووقع عند أبي داود تسميتهم حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال الذين افتروا على عائشة عبد الله بن أبي سلول ومسطح وحسان وحمنة بنت جحش وأخرج البخاري وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن الزهرى قال كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال الذي تولى كبره منهم على فقلت لا حدثني سعيد بن المسيب وعروة ابن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم سمع عائشة تقول الذي تولى كبره منهم عبدالله بن أبي قال فقال لي فما كان جرمه قلت حدثني شيخان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنهما سمعا عائشة تقول كان مسيئا في أمرى وقال يعقوب بن شيبة في مسنده حدثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا الشافعي حدثنا عمى قال دخل سليمان ابن يسار على هشام بن عبد الملك فقال له يا سليمان الذي تولى كبره من هو قال عبد الله بن أبى قال كذبت هو على قال أمير المؤمنين أعلم بما يقول فدخل الزهرى فقال يا ابن شهاب من الذي تولى كبره فقال ابن أبى قال كذبت هو علي قال أنا أكذب لا أبالك والله لو نادى مناد من السماء أن الله قد أحل الكذب ما كذبت حدثنى عروة وسعيد وعبد الله وعلقمة عن عائشة أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبى وأخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن مسروق قال دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب وقال
حصان رزان ماتزن بريبة
وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
قالت لكنك لست كذلك قلت تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله ) والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ( فقالت وأى عذاب أشد من العمى وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبى أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة قال بلى وذلك الكذب أكنت أنت فاعلة ذلك يا أم أيوب قالت لا والله قال


"""""" صفحة رقم 16 """"""
فعائشة والله خير منك وأطيب إنما هذا كذب وإفك باطل فلما نزل القرآن ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك ثم قال ) لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ( أى كما قال أبو أيوب وصاحبته وأخرج الواقدى والحاكم وابن عساكر عن أفلح مولى أبى أيوب أن أم أيوب فذكر نحوه وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس ) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ( قال يحرج الله عليكم وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي في شعب الإيمان عن علي بن أبي طالب قال القائل الفاحشة والذي شيع بها في الإثم سواء وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس في قوله ) ما زكا منكم من أحد أبدا ( قال ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير
سورة النور ( 22 26 )
النور : ( 22 ) ولا يأتل أولوا . . . . .
قوله ) ولا يأتل ( أى يحلف وزنه يفتعل من الألية وهي اليمين ومنه قول الشاعر
تألى ابن أوس حلفة ليردني
إلى نسوة كأنهن مفايد
وقول الآخر قليل الألايا حافظ ليمينه
وإن بدرت منه الألية برت
يقال ائتلى يأتلي إذا حلف ومنه قوله سبحانه ) للذين يؤلون من نسائهم ( وقالت فرقة هو من ألوت في كذا إذا قصرت ومنه لم آل جهدا أي لم أقصر وكذا منه قوله ) لا يألونكم خبالا ( ومنه قول الشاعر
وما المرء مادامت حشاشة نفسه
بمدرك أطراف الخطوب ولا آل
والأول أولى بدليل سبب النزول وهو ما سيأتي والمراد بالفضل الغنى والسعة في المال ) أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ( أى على أن لا يؤتوا قال الزجاج أن لايؤتوا فحذف لا ومنه قول الشاعر
فقلت يمين الله أبرح قاعدا
ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
وقال أبو عبيدة لا حاجة إلى إضمار لا والمعنى لا يحلفوا على أن لايحسنوا إلى المستحقين للإحسان الجامعين لتلك الأوصاف وعلى والوجه الآخر يكون المعنى لايقصروا في أن يحسنوا إليهم وإن كانت بينهم شحناء لذنب اقترحونه وقرأ أبو حيوة ? إن تؤتوا ? بتاء الخطاب على الالتفات ثم علمهم سبحانه أدبا آخر فقال


"""""" صفحة رقم 17 """"""
) وليعفوا ( عن ذنبهم الذى أذنبوه عليهم وجنايتهم التي اقترفوها من عفا الربع أى درس والمراد محو الذئب حتى يعفو كما يعفو أثر الربع ) وليصفحوا ( بالإغضاء عن الجانى والإغماض عن جنايته وقريء بالفوقية في الفعلين جميعا ثم ذكر سبحانه ترغييا عظما لمن عفا وصفح فقال ) ألا تحبون أن يغفر الله لكم ( بسبب عفوكم وصفحكم عن الفاعلين للإساءة عليكم ) والله غفور رحيم ( أى كثير المغفرة والرحمة لعباده مع كثرة ذنوبهم فكيف لا يقتدى العباد بربهم في العفو والصفح عن المسيئين إليهم
النور : ( 23 ) إن الذين يرمون . . . . .
) إن الذين يرمون المحصنات ( قد مر تفسير المحصنات وذكرنا الإجماع على أن حكم المحصنين من الرجال حكم المحصنات من النساء في حد القذف
وقد اختلف في هذه الآية هل هي خاصة أو عامة فقال سعيد بن جبير هي خاصة فيمن رمى عائشة رضى الله عنها وقال مقاتل هي خاصة بعبد الله بن أبى رأس المنافقين وقال الضحاك والكلبي هذه الآية هي في عائشة وسائر أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) دون سائر المؤمنين والمؤمنات فمن قذف إحدى أزواج النبي صلى الله عليه وآله سلم فهو من أهل هذه الآية قال الضحاك ومن أحكام هذه الآية أنه لا توبة لمن رمى إحدى أزواجه ( صلى الله عليه وسلم ) ومن قذف غيرهن فقد جعل الله له التوبة كما تقدم في قوله ) إلا الذين تابوا ( وقيل إن هذه الآية خاصة بمن أصر على القذف ولم يتب وقيل إنها تعم كل قاذف ومقذوف من المحصنات والمحصنين واختاره النحاس وهو الموافق لم قرره أهل الأصول من أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وقيل إنها خاصة بمشركي مكة لأنهم كانوا يقولون للمرأة إذا خرجت مهاجرة إنما خرجت خرجت لتفجر قال أهل العلم إن كان المراد بهذه الاية المؤمنون من القذفة فالمراد باللعنة الإبعاد وضرب الحد وهجر سائر المؤمنين لهم وزوالهم عن رتبة العدالة والبعد عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين وإن كان المراد بها من قذف عائشة خاصة كانت هذه الأمور في جانب عبد الله بن أبى رأس المنافقين وإن كانت في مشركي مكة فإنهم ملعونون ) في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ( والمراد بالغافلات اللاتي غفلن عن الفاحشة بحيث لا تخطر ببالهن ولا يفطن لها وفى ذلك من الدلالة على كمال النزاهة وطهارة الجيب مالم يكن في المحصنات وقيل هن السليمات الصدور النقيات القلوب
النور : ( 24 ) يوم تشهد عليهم . . . . .
) يوم تشهد عليهم ألسنتهم ( هذه الجملة مقررة لما قبلها مبينة لوقت حلول ذلك العذاب بهم وتعيين اليوم لزيادة التهويل بما فيه من العذاب الذي لا يحيط به وصف وقرأ الجمهور يوم تشهد بالفوقية واختار هذه القراءة أبو حاتم وقراء الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف بالتحتية وأختار هذه القراءة أبو عبيد لأن الجار والمجرور قد حال بين الاسم والفعل والمعنى تشهد ألسنة بعضهم على بعض في ذلك اليوم وقيل تشهد عليهم ألسنتهم في ذلك اليوم بما تكلموا به ) وأيديهم وأرجلهم ( بما عملوا بها في الدنيا وإن الله سبحانه ينطقها بالشهادة عليهم والمشهود محذوف وهو ذنوبهم التي اقترفوها أى تشهد هذه عليهم بذنوبهم التي اقترفوها ومعاصيهم التي عملوها
النور : ( 25 ) يومئذ يوفيهم الله . . . . .
) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ( أي يوم تشهد عليهم جوارحهم بأعمالهم القبيحة يعطيهم الله جزاءهم عليها موفرا فالمراد بالدين هاهنا الجزاء وبالحق الثابت الذى لا شك في ثبوته قرأ زيد بن على ) يوفيهم ( مخففا من أوفى وقرأ من عداه بالتشديد من وفى وقرأ أبو حيوة ومجاهد الحق بالرفع على أنه نعت لله وروى ذلك عن ابن مسعود وقرأ الباقون بالنصب على أنه نعت لدينهم قال أبو عبيدة ولولا كراهة خلاف الناس لكان الوجه الرفع ليكون نعتا لله عز وجل ولتكون موافقة لقراءة أبى وذلك أن جرير ابن حازم قال رأيت في مصحف أبى ? يوفيهم الله الحق دينهم ? قال النحاس وهذا الكلام من أبى عبيدة غير مرضى لأنه احتج بما هو مخالف للسواد الأعظم ولا حجة أيضا فيه لأنه لو صح أنه في مصحف أبى كذلك جاز أن يكون دينهم


"""""" صفحة رقم 18 """"""
بدلا من الحق ) ويعلمون أن الله هو الحق المبين ( أى ويعلمون عند معاينتهم لذلك ووقوعه على ما نطق به الكتاب العزيز أن الله هو الحق الثابت في ذاته وصفاته وأفعاله المبين المظهر للأشياء كما هي في أنفسها وإنما سمى سبحانه الحق لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره وقيل سمى بالحق أى الموجود لأن نقيضه الباطل وهو المعدوم
النور : ( 26 ) الخبيثات للخبيثين والخبيثون . . . . .
ثم ختم سبحانه الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة فقال ) الخبيثات للخبيثين ( أى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال أى مختصة بهم لا تتجاوزهم وكذا الخبيثون مختصون بالخبيثات لا يتجاوزونهن وهكذا قوله ) والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ( قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وأكثر المفسرين المعنى الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلمات والكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات قال النحاس وهذا أحسن ما قيل قال الزجاج ومعناه لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء وهذا ذم للذين قذفوا عائشة بالخبث ومدح للذين برءوها وقيل إن هذه الآية مبنية على قوله ) الزاني لا ينكح إلا زانية ( فالخبيثات الزواني والطيبات العفائف وكذا الخبيثون والطيبون والإشارة بقوله ) أولئك مبرؤون مما يقولون ( إلى الطيبين والطيبات أى هم مبرءون مما يقوله الخبيثون والخبيثات وقيل الإشارة إلى أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعائشة وصفوان بن المعطل وقيل عائشة وصفوان فقط قال الفراء وجمع كما قال فإن كان له إخوة والمراد إخوان ) لهم مغفرة ( أى هؤلاء المبرءون لهم مغفرة عظيمة لما لا يخلو عنه البشر من الذنوب ) ورزق كريم ( وهو رزق الجنة
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ولا يأتل الآية يقول لايقسموا أن لاينفعوا أحدا وأخرج ابن المنذر عن عائشة قالت كان مسطح بن أثاثة ممن تولى كبره من أهل الإفك وكان قريبا لأبى بكر وكان في عياله فحلف أبو بكر أن لا ينيله خيرا أبدا فأنزل الله ) ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ( الاية قالت فأعاده أبو بكر إلى عياله وقال لا أحلف علي يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا تحللتها وأتيت الذي هو خير وقد روى هذا من طرق عن جماعة من التابعين وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في الاية قال كان ناس من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قدرموا عائشة بالقبيح وأفشوا ذلك وتكلموا فيها فأقسم ناس من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) منهم أبو بكر ان لايتصدقوا على رجل تكلم بشيء من هذا ولايصلوه فقال لايقسم أولوا الفضل منكم والسعة أن يصلوا أرحامهم وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كان يفعلون قبل ذلك فأمر الله أن يغفر لهم وأن يعفى عنهم وأخرج ابن أبى حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عنه في قوله ) إن الذين يرمون المحصنات ( الآية قال نزلت في عائشة خاصة وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني وابن مردويه عنه أيضا في الآية قال هذه في عائشة وأزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يجعل بمن يجعل لمن فعل ذلك توبة وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) التوبة ثم قرأ ) والذين يرمون المحصنات ( إلى قوله ) إلا الذين تابوا ( وأخرج أبو يعلى وابن أبى حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبى سعيد أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم فيقال هؤلاء جيرانك يشهدون عليك فيقول كذبوا فيقال أهلك وعشيرتك فيقول كذبوا فيقال احلفوا فيحلفون ثم يصمتهم الله وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ثم يدخلهم النار وقد روى عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من طريق جماهة من الصحابة ما يتضمن شهادة


"""""" صفحة رقم 19 """"""
الجوارح على العصاة وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله سبحانه ) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ( قال حسابهم وكل شيء في القرآن الدين فهو الحساب وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن حكيم عن أبيه عن جده زن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قرأ يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله الخبيثات قال من الكلام للخبيثين قال من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلام والطيبات من الكلام للطيبين من الناس والطيبون من الناس للطيبات من الكلام نزلت في الذين قالوا في زوجة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ما قالوا من البهتان وأخرج عبد الزراق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن مجاهد نحوه وأخرج ابن جرير والطبرانى عن قتادة نحوه أيضا وكذا روى عن جماعة من التابعين وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبرانى عن ابن زيد في الآية قال نزلت في عائشة حين رماها المنافقون بالبهتان والفرية فبرأها الله من ذلك وكان عبد الله بن أبى هو الخبيث فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) طيبا فكان أولى أن تكون له الطيبة وكانت عائشة الطيبة وكانت أولى بأن يكون لها الطيب وفي قوله ) أولئك مبرؤون مما يقولون ( قال هاهنا برئت عائشة وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت لقد نزل عذري من السماء ولقد خلقت طيبه وعند طيب ولقد وعدت مغفرة وأجرا عظيما
سورة النور ( 27 29 )
النور : ( 27 ) يا أيها الذين . . . . .
لما فرغ سبحانه من ذكر الزجر عن الزنا والقذف شرع في ذكر الزجر عن دخول البيوت استئذان لما في ذلك من مخالطة الرجال بالنساء فربما يؤدي إلى أحد الأمرين المذكورين وأيضا إن الإنسان يكون في بيته ومكان خلوته على حالة قد لا يحب أن يراه عليها غيره فنهى الله سبحانه عن دخول بيوت الغير إلى غاية هي قوله ) حتى تستأنسوا ( والاستئناس الاستعلام والاستخبار أي حتى تستعلموا من في البيت والمعنى حتى تعلموا أن صاحب البيت قد علم بكم وتعلموا أنه قد أذن بدخولكم فإذا علمتم ذلك دخلتم ومنه قوله ) فإن آنستم منهم رشدا ( أي علمتم قال الخليل الاستئناس الاستكشاف من أنس الشيء إذا أبصره كقوله ) إني آنست نارا ( أى أبصرت وقال ابن جرير إنه بمعنى وتؤنسوا أنفسكم قال ابن عطية وتصريف الفعل يأبى أن يكون من أنس ومعنى كلام ابن جرير هذا أنه من الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش لأن الذي يطرق باب غيره لايدري أيؤذن له أم لا فهو كالمستوحش حتى يؤذن له فإذا أذن له استأنس فنهى سبحانه عن دخول تلك البيوت حتى يؤذن للداخل وقيل هو من الإنس وهو أن يتعرف هل ثم إنسان أم لا وقيل معنى الاستئناس الاستئذان أي لاتدخلوها حتى تستأذنوا قال الواحدي قال جماعة المفسرين حتى تسأذنوا ويؤيده ما حكاه


"""""" صفحة رقم 20 """"""
القرطبي عن ابن عباس وأبى وسعيد بن جبير أنهم قرءوا حتى تستأذنوا قال مالك فيما حكاه عنه ابن وهب الاستئناس فيما يرى والله أعلم الاستئذان وقوله ) وتسلموا على أهلها ( قد بينه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كما سيأتي بأن يقول السلام عليكم أدخل مرة أو ثلاثا كما سيأتي
واختلفوا هل يقدم الاستئذان على السلام أو العكس فقيل يقدم الاستئذان فيقول أدخل سلام عليكم لتقديم الاستئناس في الآية على السلام وقال الأكثرون إنه يقدم السلام على الاستئذان فيقول السلام عليكم أدخل وهو الحق لأن البيان منه ( صلى الله عليه وسلم ) للآية كان هكذا وقيل إن وقع بصره على إنسان قدم السلام وإلا قدم الاستئذان ) ذلكم خير لكم ( الإشارة إلى الاستئناس والتسليم أى دخولكم مع الاستئذان والسلام خير لكم من الدخول بغتة ) لعلكم تذكرون ( أن الاستئذان خير لكم وهذه الجملة متعلقة بمقدر أى أمرتم بالإستئذان والمراد بالتذكر الاتعاظ والعمل بما أمروا به
النور : ( 28 ) فإن لم تجدوا . . . . .
) فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ( أى فإن تجدوا في البيوت التي لغيركم أحدا ممن يستأذن عليه فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم بدخولها من جهة من يملك الإذن وحكى ابن جرير عن مجاهد أنه قال معنى الآية فإن لم تجدوا فيها أحدا أى لم يكن لكم فيها متاع وضعفه وهو حقيق بالضعف فإن المراد بالأحد المذكور وأهل البيوت الذين يأذنون للغير بدخولها لامتاع الداخلين إليها ) وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا ( أى إن قال لكم أهل البيت ارجعوا فارجعوا ولا تعاودوهم بالاستئذان مرة أخرى ولا تنتظروا بعد ذلك أن يأذنوا لكم بعد أمرهم لكم بالرجوع ثم بين سبحانه أن الرجوع أفضل من الإلحاح وتكرار الاستئذان والقعود على الباب فقال ) هو أزكى لكم ( أي أفضل وأطهر من التدنيس بالمشاحة على الدخول لما في ذلك من سلامة الصدر والبعد من الريبة والفرار من الدناءة ) والله بما تعملون عليم ( لا تخفى عليه من أعمالكم خافية
النور : ( 29 ) ليس عليكم جناح . . . . .
) ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم ( أى لا جناح عليكم في الدخول بغير استئذان إلى البيوت التي ليست بمسكونة
وقد اختلف الناس في المراد بهذه البيوت فقال محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد هى الفنادق التي في الطرق السابلة الموضوعة لابن السبيل يأوي إليها وقال ابن زيد والشعبي هي حوانيت القيساريات قال الشعبي لأنهم جاءوا ببيوعهم فجعلوها فيها وقالوا للناس هلم وقال عطاء المراد بها الخرب التي يدخلها الناس للبول والغائط ففي هذا أيضا متاع وقيل هي بيوت مكة روى ذلك عن محمد ابن الحنفية أيضا وهو موافق لقول من قال إن الناس شركاء فيها ولكن قد قيد سبحانه هذه البيوت المذكورة هنا بأنها غير مسكونة والمتاع المنفعة عند أهل اللغة فيكون معنى الآية فيها منفعة لكم ومنه قوله ) ومتعوهن ( وقولهم أمتع الله بك وقد فسر الشعبي المتاع في كلامه المتقدم بالأعيان التي تباع قال جابر بن زيد وليس المراد بالمتاع الجهاز ولكن ماسواه من الحاجة قال النحاس وهو حسن موافق للغة ) والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ( أي ما تظهرون وما تخفون وفيه وعيد لمن لم يتأدب بآداب الله في دخول بيوت الغير
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج الفريابي وابن جرير من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال قالت امرأة يا رسول الله إني أكون في بيتى على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد ولد ولا والد فيأتيني الأب فيدخل على فكيف أصنع ولفط ابن جرير وإنه لا يزال يدخل على رجل من أهلى وأنا على تلك الحالة فنزلت ) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ( الآية وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن


"""""" صفحة رقم 21 """"""
أبى حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن منده في غرائب شعبة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقى في الشعب والضياء في المختارة من طرق عن ابن عباس في قوله ) حتى تستأنسوا ( قال أخطأ الكاتب حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقى عن إبراهيم النخعي قال في مصحف عبد الله ? حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ? وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة مثله وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال الاستئناس الاستئذان وأخرج ابن أبى شيبة والحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه وابن أبى حاتم عن أبى أيوب قال قلت يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى ) حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ( هذا التسليم قد عرفناه فما الاستئناس قال يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح فيؤذن أهل البيت قال ابن كثير هذا حديث غريب وأخرج الطبراني عن أبى زيوب أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال الاستئناس أن يدعو الخادم حتى يستأنس أهل البيت الذين يسلم عليهم وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري في الآدب وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي في الشعب من طريق كلدة أن صفوان بن أميه بعثه في الفتح بلباء وسلم بأعلى الوادي قال فدخلت عليه ولم أسلم ولم أستأذن فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ارجع فقل السلام عليكم أأدخل قال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه وأخرج ابن أبى شيبة وأحمد والبخارى في الأدب وأبو داود والبيهقى في السنن من طريق ربعي قال حدثنا رجل من بنى عامر استأذن على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو في بيت فقال أألج فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لخادمه أخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له قل السلام عليكم أأدخل وأخرج ابن جرير عن عمر بن سعيد الثقفي نحوه مرفوعا ولكنه قال إن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لأمة له يقال لها روضة قومى إلى هذا فعلميه وأخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن أبى سعيد الخدرى قال كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار فجاء أبو موسى فزعا فقلنا له ما أفزعك قال أمرني عمر أن آتيه فأتيته فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فقال ما منعك أن تأتيني فقلت قد جئت فأستاذنت ثلاثا فلم يؤذن لي وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا استأذن أحدكم ثلاثا يؤذن له فليرجع قال لتأتيني على هذا بالبينة فقالوا لا يقوم إلا أصغر القوم فقام أبو سعيد معه ليشهد له فقال عمر لأبي موسى إني لم أتهمك ولكن الحديث عن رسول الله صلى عليه وآله وسلم شديد وفي الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن سعد قال اطلع رجل من جحر في حجرة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومعه مدرى يحك بها رأسه قال لو أعلم أنك تنظر لطعنت بها في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر وفي لفظ إنما جعل الإذن من أجل البصر وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن مردويه عن أنس قال قال رجل من المهاجرين لقد طلبت عمرى كله في هذه الآية فما أدركتها أن آستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع فأرجع وأنا مغتبط لقوله وإن قيل لكم راجعوا فارجعوا هو أزكى لكم وأخرج البخارى في الأدب وأبو داود في الناسخ والمنسوخ وابن جرير عن ابن عباس قال ) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ( فنسخ واستثنى من ذلك فقال ) ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم (


"""""" صفحة رقم 22 """"""
سورة النور ( 30 31 )
النور : ( 30 ) قل للمؤمنين يغضوا . . . . .
لما ذكر سبحانه حكم الاستئذان أتبعه بذكر حكم النظر على العموم فيندرج تحته غض البصر من المستأذن كما قال ( صلى الله عليه وسلم ) إنما جعل الإذن من أجل البصر وخص المؤمنين مع تحريمه على غيرهم لكون قطع ذرائع الزنا التي منها النظر هم أحق من غيرهم بها وأولى بذلك ممن سواهم وقيل إن في الآية دليلا على أن الكفار غير مخاطبين بالشرعيات كما يقوله بعض أهل العلم وفي الكلام حذف والتقدير ) قل للمؤمنين ( غضوا يغضوا ومعنى غض البصر إطباق الجفن على العين بحيث تمتنع الرؤية ومنه قول جرير فغض الطرف إنك من نمير
فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وقول عنترة وأغض طرفي ما بدت لي جارتي
حتى تواري جارتي مأواها
ومن في قوله ) من أبصارهم ( هي التبعيضية وإليه ذهب الأكثرون وبينوه بأن المعنى غض البصر عما يحرم والاقتصار به على مايحل وقيل وجه التبعيض أنه يعض للناضر أول نظرة تقع من غير قصد وقال الأخفش إنها زائدة وأنكر ذلك سيبويه وقيل إنها لبيان الجنس قاله أبو البقاء واعترض عليه بأنه لم يتقدم مبهم يكون مفسرا بمن وقيل إنها لابتداء الغاية قاله ابن عطية وقيل الغض النقصان يقال غض فلان من فلان أى وضع منه فالبصر إذا لم يمكن من عمله فهو مغضوض منه ومنقوص فتكون من صلة للغض وليست لمعنى من تلك المعاني الأربعة وفي هذه الآية دليل على تحريم النظر إلى غير من يحل النظر إليه ومعنى ) ويحفظوا فروجهم ( أنه يجب عليهم حفظها عما يحرم عليهم وقيل المراد ستر فروجهم عن أن يراها من لاتحل له رؤيتها ولا مانع من إرادة العينين فالكل يدخل تحت حفظ الفرج قيل ووجه المجىء بمن في الأبصار دون الفروج أنه موسع في النظر فإنه لا يحرم منه إلا ما استثنى بخلاف حفظ الفرج فإنه مضيق فيه فإنه لا يحل منه إلا ما استثنى وقيل الوجه أن غض البصر كله كالمتعذر بخلاف حفظ الفرج فإنه ممكن على الإطلاق والإشارة بقوله ذلك إلى ما ذكره من الغض والحفظ وهو مبتدأ وخبره أزكى لهم أي أظهر لهم من دنس الريبة وأطيب من التلبس بهذه الدنيئة ) إن الله خبير بما يصنعون ( لا يخفى عليه شيء من صنعهم وفي ذلك لمن لم يغض بصره ويحفظ فرجه
النور : ( 31 ) وقل للمؤمنات يغضضن . . . . .
) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ( خص سبحانه الإناث بهذا الخطاب على طريق التأكيد لدخولهن تحت خطاب المؤمنين تغليبا كما في سائر الخطابات القرآنية وظهر التضعيف في يغضض ولم يظهر في يغضوا لأن لام الفعل من الأول متحركة ومن الثاني ساكنة وهما في موضع جزم جوابا للأمر وبدأ سبحانه بالغض


"""""" صفحة رقم 23 """"""
في الموضعين قبل حفظ الفرج لأن النظر وسيلة إلى عدم حفظ الفرج والوسيلة مقدمة على المتوسل إليه ومعنى يغضضن من أبصارهن كمعنى يغضوا من أبصارهم فيستدل به على تحريم نظر النساء إلى ما يحرم عليهن وكذلك يجب عليهن حفظ فروجهن على الوجه الذى تقدم في حفظ الرجال لفروجهم ) ولا يبدين زينتهن ( أى ما يتزين به من الحلية وغيرها وفي النهى عن إبداء الزينة نهى عن إبداء مواضعها من أبدانهن بالأولى ثم استثنى سبحانه من هذا النهى فقال ) إلا ما ظهر منها (
واختلف الناس في ظاهر الزينة ماهو فقال ابن مسعود وسعيد بن جبير ظاهر الزينة هو الثياب وزاد سعيد بن جبير الوجه وقال عطاء والأوزاعي الوجه والكفان وقال ابن عباس وقتادة والمسمور بن مخرمة ظاهر الزينة هو الكل والسواك والخضاب إلى نصف الساق ونحو ذلك فإنه يجوز للمرأة أن تبديه وقال ابن عطية إن المرأة لاتبدي شيئا من الزينة وتخفي كل شيء من زينتها ووقع الاستثناء فيما يظهر منها بحكم الضرورة ولا يخفى عليك أن ظاهر النظم القرآني النهى عن إبذاء الزينة إلا ما ظهر منها كاكجلبات والخمار ونحوهما مما على الكف والقدمين من الحلية ونحوها وإن كان المراد بالزينة مواضعها كان الاستثناء راجعا إلى ما يشق على المرأة ستره كالكفين والقدمين ونحو ذلك وهكذا إذا كان النهى عن إظهار الزينة يستلزم النهي عن إظهار مواضعها بفحوى الخطاب فإنه يحمل الاستثناء على ما ذكرناه في الموضعين وأما إذا كانت الزينة تشمل مواضع الزينة وما تتزين به النساء فالأمر واضح والاستثناء يكون من الجميع قال القرطبي في تفسيره الزينة على قسمين خلقية ومكتسبة فالخلقية وجهها فإنه أصل الزينة والزينة المكتسبة ماتحاوله المرأة في تحسين خلقها كالثياب والحلى والكحل والخضاب ومنه قوله تعالى ) خذوا زينتكم ( وقول الشاعر
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى
وإذا عطلن فهن خير عواطل
) وليضربن بخمرهن على جيوبهن ( قرأ الجمهور بإسكان اللام التي للأمر وقرأ أبو عمرو بكسرها على الأصل لأن أصل لام الأمر الكسر ورويت هذه القراءة عن ابن عباس والخمر جمع خمار وهو ما تغطى به المرأة رأسها ومنه اختمرت المرأة وتخمرت والجيوب جمع جيب وهو موضع القطع من الدرع والقميص مأخوذ من الجوب وهو القطع قال المفسرون إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن وكانت جيوبهن من قدام واسعة فكان تنكشف نحورهن وقلائدهن فأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب لتستر بذلك ما كان يبدو وفي لفظ الضرب مبالغة في الألقاء الذي هو الإلصاق قرأ الجمهور ) بخمرهن ( بتحريك الميم وقرأ طلحة ابن مصرف بسكونها وقرأ الجمهور جيوبهن بضم الجيم وقرأ ابن كثير وبعض الكوفيين بكسرها وكثير من متقدمى النحويين لايجوزون هذه القراءة وقال الزجاج يجوز أن يبدل من الضمة كسرة فأما ما روى عن حمزة من الجمع بين الضم والكسر فمحال لايقدر أحد أن ينطق به إلا على الإيماء وقد فسر الجمهور الجيوب بما قدمنا وهو المعنى الحقيقي وقال مقاتل إن معنى على جيوبهن على صدورهن فيكون في الآية مضاف محذوف أى على مواضع جيوبهن ثم كرر سبحانه النهى عن إبداء الزينة لأجل ما سيذكره من الاستثناء فقال ) ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ( البعل هو الزوج والسيد في كلام العرب وقدم البعولة لأنهم المقصودون بالزينة ولأن كل بدن الزوجة والسرية حلال لهم ومثله قوله سبحانه ) والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ( ثم لما استثنى سبحانه الزوج أتبعه باستثناء ذوى المحارم فقال ) أو آبائهن أو آباء بعولتهن (


"""""" صفحة رقم 24 """"""
إلى قوله أو بني أخواتهن فجوز للنساء أن يبدين الزينة لهؤلاء لكثرة المخالطة وعدم خشية الفتنة لما في الطباع من النفرة عن القرائب وقد روى عن الحسن والحسين رضى الله عنهما أنهما كانا لا ينظران إلى أمهات المؤمنين ذهابا منهما إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في الآية التي في أزواج النبي صلي الله عليه وآله وسلم وهى قوله ) لا جناح عليهن في آبائهن ( والمراد بأبناء بعولتهن ذكور أولاد الأزواج ويدخل في قوله أو أبنائهن أولاد الأولاد وإن سفلوا وأولاد بناتهن وإن سفلوا وكذا آباء البعولة وآباء الآباء وآباء الأمهات وإن علوا وكذلك أبناء البعولة وإن سفلوا وكذلك أبناء الإخوة والأخوات وذهب الجمهور إلى أن العم والخال كسائر المحارم في جواز النظر إلى ما يجوز لهم وليس في الآية ذكر الرضاع وهو كالنسب وقال الشعبي وعكرمة ليس العم والخال من المحارم ومعنى أو نسائهن هن المختصات بهن الملابسات لهن بالخدمة أو الصحبة ويدخل في ذلك الإماء ويخرج من ذلك نساء الكفار من أهل الذمة وغيرهم فلا يحل لهن أن يبدين زينتهن لهن لأنهن لا يتحرجن عن وصفهن للرجال وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم وإضافة النساء إليهن تدل على اختصاص ذلك بالمؤمنات ) ما ملكت أيمانهن ( ظاهر الآية يشمل العبيد والإماء من غير فرق بين أن يكونوا مسلمين أو كافرين وبه قال جماعة من أهل العلم وإليه ذهبت عائشة وأم سلمة وابن عباس ومالك وقال سعيد بن المسيب لاتغرنكم هذه الآية ) أو ما ملكت أيمانهن ( إنما عني بها الإماء ولم يعن بها العبيد وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته وهو قول عطاء ومجاهد والحسن وابن سيرين وروى عن ابن مسعود وبه قال أبو حنيفة وابن جريج ) أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ( قرأ الجمهور غير بالجر وقرأ أبو بكر وابن عامر بالنصب على الاستثناء وقيل على القطع والمراد بالتابعين هم الذين يتبعون القوم فيصيبون من طعامهم لاهمة لهم إلا ذلك ولا حاجة لهم في النساء قاله مجاهد وعكرمة والشعبي ومن الرجال في محل نصب على الحال وأصل الإربة والأرب والمأربة الحاجة والجمع مآرب أى حوائج ومنه قوله سبحانه ) ولي فيها مآرب أخرى ( ومنه قول طرفة
إذا المرء قال الجهل والحوب والخنا
تقدم يوما ثم ضاعت مآربه
وقيل المراد بغير أولى الأربة من الرجال الحمقى الذين لا حاجة لهم في النساء وقيل البله وقيل العنين وقيل الخصى وقيل المخنث وقيل الشيخ الكبير ولا وجه لهذا التخصيص بل المراد بالآية ظاهرها وهم من يتبع أهل البيت ولا حاجة له في النساء ولا يحصل منه ذلك في حال من الأحوال فيدخل من هؤلاء من هو بهذه الصفة ويخرج من عداه ) أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ( الطفل يطلق على المفرد والمثنى والمجموع أو المراد به هنا الجنس الموضوع موضع الجمع بدلالة وصفة بوصف الجمع وفي مصحف أبى أو الأطفال على الجمع يقال للإنسان طفل ما لم يراهق الحلم ومعنى لم يظهروا لم يطلعوا من الظهور بمعنى الاطلاع قاله ابن قتيبة وقيل معناه لم يبلغوا حد الشهوة قاله الفراء والزجاج يقال ظهرت على كذا إذا غلبته وقهرته والمعنى لم يطلعوا على عورات النساء ويكشفوا عنها للجماع أو لم يبلغوا حد الشهوة للجماع قراءة الجمهور عورات بسكون الواو تخفيفا وهى لغة جمهور الغرب وقرأ ابن عامر في رواية بفتحها وقرأ بذلك ابن أبى إسحاق والأعمش ورويت هذه القراءة عن ابن عباس وهي لغة هذيل بن مدركة ومنه قول الشاعر الذى أنشده الفراء
أخو بيضات رائح متأوب
رفيق لمسح المنكبين سبوح


"""""" صفحة رقم 25 """"""
واختلف العلماء في وجوب ستر ما عدا الوجه والكفين من الأطفال فقيل لا يلزم لأنه لا تكليف عليه وهو الصحيح وقيل يلزم لأنها قد تشتهي المرأة وهكذا اختلف في عورة الشيخ الكبير الذي قد سقطت شهوته والأولى بقاء الحرمة كما كانت فلا يحل النظر إلى عورته ولا يحل له أن يكشفها
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد اختلف العلماء في حد العورة قال القرطبي أجمع المسلمون على أن السوءتين عورة من الرجل والمرأة وأن المرأة كلها عورة إلا وجهها ويديها على خلاف في ذلك وقال الأكثر إن عورة الرجل من سرته إلى ركبته ) ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ( أى لاتضرب المرأة برجلها إذا مشت ليسمع صوت خلخالها من يسمعه من الرجال فيعلمون أنها ذات خلخال قال الزجاج وسماع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها ثم أرشد عباده إلى التوبة عن المعاصي فقال سبحانه ) وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ( فيه الأمر بالتوبة ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها وأنها فرض من فرائض الدين وقد تقدم الكلام على التوبة في سورة النساء ثم ذكر ما يرغبهم في التوبة فقال لعلكم تفلحون أى تفوزون بسعادة الدنيا والاخرة وقيل إن المراد بالتوبة هنا هي عما كانوا يعملونه في الجاهلية والأول أولى لما تقرر في السنة أن الإسلام نجب ما قبله
وقد أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال مر رجل على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في طريق من طرقات المدينة فنظر إلى امرأة ونظرت إليه فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجابا به فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها إذا استقبله الحائط فشق أنفه فقال والله لا أغسل االدم حتى آتى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأعلمه أمرى فأتاه فقص عليه قصته فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) هذا عقوبة ذنبك وأنزل الله ) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ( الآية وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس ) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ( قال يعنى من شهواتهم مما يكره الله وأخرج ابن شيبة وأبو داود والترمذي والبيهقى في سننه عن بريدة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا تتبع النظرة النظرة فإن الأولى لك وليست لك الأخرى وفي مسلم وأبى داود والترمذي والنسائي عن جرير البجلى قال سألت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصرى وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبى سعيد قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إياكم والجلوس على الطرقات قالوا يا رسول الله مالنا بد من مجالسنا نتحدث فيها فقال إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه قالوا وما حقه يا رسول الله قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وأخرج البخارى وأهل السنن وغيرهم عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتى منها وما نذر قال احفط عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قلت يا نبي الله إذا كان القوم بعضهم في بعض قال إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها قلت إذا كان أحدنا خاليا قال فالله أحق أن يستحيا منه من الناس وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبى هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كتب الله على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محاله فزنا العين النظر وزنا اللسان النطق وزنا الأذنين السماع وزنا اليدين البطش وزنا الرجلين الخطو والنفس تتمنى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه والأحاديث في هذا الباب كثيرة وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال بلغنا والله أعلم أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت يزيد كانت في نخل لها لبنى حارثة فجعل النساء يدخلن عليها غير متزرات فيبدو ما فى أرجلهن يعنى الخلاخل


"""""" صفحة رقم 26 """"""
وتبدو صدورهن وذوائبهن فقالت أسماء ما أقبح هذا فأنزل الله ذلك ) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ( الآية وفيه مع كونه مرسلا مقاتل وأخرج عبد الرزاق والفريابى وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله ) ولا يبدين زينتهن ( قال الزينة السوار والدملج والخلخال والقرط والقلادة إلا ما ظهر منها قال الثياب والجلباب وأخرج ابن أبى شيبة وابن جرير وابن المنذر عنه قال الزينة زينتان زينة ظاهرة وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج فأما الزينة الظاهرة فالثياب وأما الزينة الباطنة فالكحل والسوار والخاتم ولفط ابن جرير فالظاهرة منها الثياب وما خفى الخلخالان والقرطان والسواران وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله ) إلا ما ظهر منها ( قال الكحل والخاتم وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقى في سننه عن ابن عباس ) ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ( قال الكحل والخاتم والقرط والقلادة وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عنه قال هو خضاب الكف والخاتم وأخرج ابن أبى شيبة وعبد بن حميد عن ابن عمر قال الزينة الظاهرة الوجه والكفان وأخرجا عن ابن عباس قال إلا ما ظهر منها وجهها وكفاها والخاتم وأخرجا أيضا عنه قال رقعة الوجه وباطن الكف وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقى في سننه عن عائشة أنها سئلت عن الزينة الظاهرة قال القلب والفتخ وضمن طرف كمها وأخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقي عن عائشة أن أسماء بنت أبى بكر دخلت على النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفه قال أبو داود وأبو حاتم الرازى هذا مرسل لأنه من طريق خالد بن دريك عن عائشة ولم يسمع منها وأخرج البخارى وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقى في سننه عن عائشة قالت رحم الله نساء المهاجرات الأولات لما أنزل الله ) وليضربن بخمرهن على جيوبهن ( شققن أكثف مروطهن فاختمرن به وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه عنها بلفظ أخذ النساء أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى في سننه عن ابن عباس في قوله ) ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ( والزينة الظاهرة الوجه وكحل العينين وخضاب الكف والخاتم فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها ثم قال ) ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن ( الآية والزينة التي تبديها لهؤلاء قرطها وقلادتها وسوارها فأما خلخالها ومعضدها ونحرها وشعرها فإنها لاتبديه إلا لزوجها وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس أو نسائهن قال هن المسلمات لا تبديه اليهودية ولا نصرانية وهو النحر والقرط والوشاح وما يحرم أن يراه إلا محرم وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقى في سننه عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبى عبيدة أما بعد فإنه بلغنى أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك فإنه من قبلك عن ذلك فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال لا بأس أن يرى العبد شعر سيدته وأخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقى عن أنس أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أتى فاطمة بعبد قد وهب لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنع به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ما تلقى قال إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك وإسناده في سنن أبى داود هكذا حدثنا محمد بن عيسى حدثنا أبو جميع سالم بن دينار عن ثابت عن أنس فذكره وأخرج عبد الرزاق وأحمد عن أم سلمة أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال إذا


"""""" صفحة رقم 27 """"""
كان لإحداكن مكاتب وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه وإسناد أحمد هكذا حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهرى عن نبهان أن أم سلمة فذكره وأخرج الغريابى وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله ) أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ( قال هذا الذي لا تستحي منه النساء وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقى في سننه عن ابن عباس في الآية قال هذا الرجل يتبع القوم وهو مغفل في عقله لا يكثرت للنساء ولا يشتهى النساء وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في الآية قال كان الرجل يتبع الرجل في الزمان الأول لا يغار عليه ولا ترهب المرأة أن تضع خمارها عنده وهو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء وأخرج ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عنه أيضا في الآية قال هو المخنث الذى لا يقوم زبه وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائى وابن جرير وابن أبى حاتم وابن مردويه والبيهقى عن عائشة قالت كان رجل يدخل على أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) محنث فكانوا يدعونه من غير أولى الإربة فدخل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة قال إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ألا أرى هذا يعرف ما هاهنا لا يدخلن عليكم فحجبوه وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس في قوله ) ولا يضربن بأرجلهن ( وهو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال أو يكون في رجلها خلاخل فتحركهن عند الرجال فنهى الله عن ذلك لأنه من عمل الشيطان
سورة النور 32 34 )
النور : ( 32 ) وأنكحوا الأيامى منكم . . . . .
لما أمر سبحانه بغض الأبصار وحفظ الفروج أرشد بعد ذلك إلى ما يحل للعباد من النكاح الذى يكون به قضاء الشهوة وسكون دواعي الزنا ويسهل بعده غض البصر عن المحرمات وحفظ الفرج عما لا يحل فقال ) وأنكحوا الأيامى منكم ( الأيم التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا والجمع أيامى والأصل أيايم والأيم بتشديد الياء ويشمل الرجل والمرأة قال أبو عمرو والكسائي اتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل هى المرأة التى لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا قال أبو عبيد يقال رجل أيم وامرأة أيم وأكثر ما يكون في النساء وهو كالمستعار في الرجال ومنه قول أمية بنت أبى الصلت لله در بنى على
أيم منهم وناكح
ومنه أيضا قول الآخر لقد إمت حتى لا منى كل صاحب
رجاء سليمى أن تأيم كما إمت


"""""" صفحة رقم 28 """"""
والخطاب في الآية للأولياء وقيل للأزواج والأول أرجح وفيه دليل على أن المرأة لا تنكح نفسها وقد خالف في ذلك أبو حنيفة
واختلف أهل العلم في النكاح هل مباح أو مستحب أو واجب فذهب إلى الأول الشافعى وغيره وإلى الثانى مالك وأبو حنيفة وإلى الثالث بعض أهل العلم على تفصيل لهم في ذلك فقالوا إن خشى على نفسه الوقوع في المعصية وجب عليه وإلا فلا والظاهر أن القائلين بالإباحة والاستحباب لا يخالفون في الوجوب مع تلك الخشية وبالجملة فهو مع عدمها سنة من السنن المؤكدة لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) في الحديث الصحيح بعد ترغيبه في النكاح ومن رغب عن سنتي فليس منى ولكن مع القدرة عليه وعلى مؤنه كما سيأتي قريبا والمراد بالأيامى هنا الأحرار والحرائر وأما المماليك فقد بين دلك بقوله ) والصالحين من عبادكم وإمائكم ( قرأ الجمهور عبادكم وقرأ الحسن عبيدكم قال الفراء ويجوز وإماءكم بالنصب والصلاح هو الإيمان وذكر سبحانه الصلاح في المماليك دون الأحرار لأن الغالب في الأحرار الصلاح برده على الصالحين بخلاف المماليك وفيه دليل على أن المملوك لا يزوج نفسه وإنما يزوجه مالكه وقد ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح وقال مالك لا يجوز ثم رجع سبحانه إلى الكلام في الأحرار فقال ) إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ( أى لا تمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب فقر الرجل والمرأة أو أحدهما فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله سبحانه ويتفضل عليهم بذلك قال الزجاج حث الله على النكاح وأعلم أنه سبب لنفي الفقر ولا يلزم أن يكون هذا حاصلا لكل فقير إذا تزوج فإن ذلك مقيد بالمشيئة وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوجوا وقيل المعنى إنه يغني يغنى النفس وقيل المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال ليتغففوا عن الزنا والوجه الأول أولى ويدل عليه قوله سبحانه وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك وجملة ) والله واسع عليم ( مؤكدة لما قبلها ومقررة لها والمراد أنه سبحانه ذو سعة لا ينقص من سعة ملكه غنى من يغنيه من عباده عليم بمصالح خلقه يغنى من يشاء ويفقر من يشاء
النور : ( 33 ) وليستعفف الذين لا . . . . .
ثم ذكر سبحانه حال العاجزين عن النكاح بعد بيان جواز مناكحتهم إرشادا لهم إلى ما هو الأولى فقال ) وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ( استعف طلب أن يكون عفيفا أى ليطلب العفة عن الزنا والحرام من لا يجد نكاحا أى سبب نكاح وهو المال وقيل النكاح هنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة كاللحاف اسم لما يلتحف به واللباس اسم لما يلبس وقيد سبحانه هذا النهى بتلك الغاية وهي ) حتى يغنيهم الله من فضله ( أى يرزقهم رزقا يستغنون به ويتمكنون بسببه من النكاح وفي هذه الآية ما يدل على تقييد الجملة الأولى وهي إن يكونوا فقراء يغنهم الله بالمشيئة كما ذكرنا فإنه لو كان وعدا حتما لا محالة في حصوله لكان الغنى والزواج متلازمين وحينئذ لا يكون للأمر بالاستعفاف مع الفقر كثير فائدة فإنه سيغني عند تزوجه لا محالة فيكون في تزوجه مع فقره تحصيل للغنى إلا أن يقال إن هذا الأمر بالاستغفاف للعاجز عن تحصيل مباديء النكاح ولا ينافى ذلك وقوع الغنى له من بعد أن ينكح فإنه قد صدق عليه أنه لم يجد نكاحا إذا كان غير واجد لأسبابه التي يتحصل بها وأعظمها المال ثم لما رغب سبحانه في تزويج الصالحين من العبيد والإماء أرشد المالكين طريقة يصير بها المملوك من جملة الأحرار فقال ) والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم ( الموصول في محل رفع ويجوز أن يكون في محل نصب على إضمار فعل يفسره ما بعده أى وكاتبوا الذين يبتغون الكتاب كالمكاتبة يقال كاتب يكاتب كتابا ومكاتبة كما يقال قاتل يقاتل قتالا ومقاتلة


"""""" صفحة رقم 29 """"""
وقيل الكتاب ها هنا اسم عين للكتاب الذى يكتب فيه الشىء وذلك لأنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتابا فيكون المعنى الذين يطلبون كتاب المكاتبة ومعنى المكاتبة في الشرع أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجما فإذا أداه فهو حر وظاهر قوله فكاتبوهم أن العبد إذا طلب الكتابة من سيده وجب عليه أن يكاتبه بالشرط المذكور بعده وهو ) إن علمتم فيهم خيرا ( والخير هو القدرة على أداء ما كوتب عليه وإن لم يكن له مال وقيل هو المال فقط كما ذهب إليه مجاهد والحسن وعطاء والضحاك وطاوس ومقاتل وذهب إلى الأول ابن عمر وابن زيد واختاره مالك والشافعى والفراء والزجاج قال الفراء يقول إن رجوتم عندهم وفاء وتأدية للمال وقال الزجاج لما قال فيهم كان الأظهر الاكتساب والوفاء وأداء الأمانة وقال النخعى إن الخير الدين والأمانة وروى مثل هذا عن الحسن وقال عبيدة السلماني إقامة الصلاة قال الطحاوى وقول من قال إنه المال لا يصح عندنا لأن العبد مال لمولاه فكيف يكون له مال قال والمعنى عندنا إن علمتم فيهم الدين والصدق قال أبو عمر بن عبد البر من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال إن علمتم فيهم مالا وإنما يقال علمت فيه الخير والصلاح والأمانة ولا يقال علمت فيه المال هذا حاصل ما وقع من الاختلاف بين أهل العلم في الخير المذكور في هذه الآية وإذا تقرر لك هذا فاعلم أنه قد ذهب ظاهر ما يقتضيه الأمر المذكور في الآية من الوجوب عكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دينار والضحاك وأهل الظاهر فقالوا يجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك وعلم فيه خيرا وقال الجمهور من أهل العلم لا يجب ذلك وتمسكوا بالإجماع على أنه لو سأل العبد سيده أن يبيعه من غيره لم يجب عليه ذلك ولم يجبر عليه فكذا الكتابة لأنها معاوضة
ولايخفاك أن هذه حجة واهية وشبهة داحضة والحق ما قاله الأولون وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس واختاره ابن جرير ثم أمر سبحانه الموالى بالإحسان إلى المكاتبين فقال ) وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ( ففي هذه الآية الأمر للمالكين بإعانة المكاتبين على مال الكتابة إما بأن يعطوهم شيئا من المال أو بأن يحطوا عنهم مما كوتبوا عليه وظاهر الآية عدم تقدير ذلك بمقدار وقيل الثلث وقيل الربع وقيل العشر ولعل وجه تخصيص الموالى بهذا الأمر هو كون الكلام فيهم وسياق الكلام معهم فإنهم المأمورون بالكتابة وقال الحسن والنخعى وبريدة إن الخطاب بقوله وآتوهم لجميع الناس وقال زيد بن أسلم إن الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم كما في قوله سبحانه وفي الرقاب وللمكاتب أحكام معروفة إذا وفى ببعض مال الكتابة ثم إنه سبحانه لما أرشد الموالى إلى نكاح الصالحين من المماليك نهى المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا فقال ) ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ( والمراد بالفتيات هنا الإماء وإن كان الفتى والفتاة قد يطلقان على الأحرار في مواضع أخر والبغاء الزنا مصدر بغت المرأة تبغى بغاء إذا زنت وهذا مختص بزنا النساء فلا يقال للرجل إذا زنا إنه بغى وشرط الله سبحانه هذا النهى بقوله ) إن أردن تحصنا ( لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادتهم للتحصن فإن من لم ترد التحصن لا يصح أن يقال لها مكرهة على الزنا والمراد بالتحصن هنا التعفف والتزوج وقيل إن هذا القيد راجع إلى الأيامى قال الزجاج والحسن بن الفضل في الكلام تقديم وتأخير أي وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم وإمائكم أن أردن تحصنا وقيل هذا الشرط ملغى وقيل إن هذا الشرط باعتبار ما كانوا عليه فإنهم كانوا يكرهونهن وهن يردن التعفف وليس لتخصص النهى


"""""" صفحة رقم 30 """"""
بصورة إرادتهن التعفف وقيل إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصن فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن وهذا الوجه أقوى هذه الوجوه فإن الأمة قد تكون غير مريدة للحلال ولا للحرام كما فيمن لا رغبة لها في النكاح والصغيرة فتوصف بأنها مكرهة على الزنا مع عدم إرادتها للتحصن فلا يتم ما قيل من أنه لا يتصور الإكراه إلا عند إرادة التحصن إلا أن يقال إن المراد بالتحصن هنا مجرد التعفف وأنه لا يصدق على من كانت تريد الزواج أنها مريدة للتحصن وهو بعيد فقد قال الحبر ابن عباس إن المراد بالتحصن والتعفف والتزوج وتابعه على ذلك غيره ثم علل سبحانه هذا النهى بقوله ) لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ( وهو ما تكسبه الأمة بفرجها وهذا التعليل أيضا خارج مخرج الغالب والمعنى أن هذا العرض هو الذى كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء لا لفائدة له أصلا لا يصدر مثله عن العقلاء فلا يدل هذا التعليل على أنه يجوز له أن يكرهها إذا لم يكن مبتغيا بإكراهها عرض الحياة الدنيا وقيل إن هذا التعليل للإكراه هو باعتبار أن عادتهم كانت كذلك لا أنه مدار للنهى عن الإكراه لهن وهذا يلاقى المعنى الأول ولا يخالفه ) ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ( هذا مقرر لما قبله ومؤكد له والمعنى أن عقوبة الإكره راجعة إلى المكرهين لا إلى المكرهات كما تدل عليه قراءة ابن مسعود وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير فإن الله غفور رحيم لهن قيل وفى هذا التفسير بعد لأن المكرهة على الزنا غير آثمة وأجيب بأنها وإن كانت مكرهة فربما لا تخلو في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة إما بحكم الجبلة البشرية أو يكون الإكراه قاصرا عن حد الإلجاء المزيل للاختيار وقيل إن المعنى فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهم إما مطلقا أو بشرط التوبة
النور : ( 34 ) ولقد أنزلنا إليكم . . . . .
ولما فرغ سبحانه من بيان تلك الأحكام شرع في وصف القرآن بصفات ثلاث الأولى أنه آيات مبينات أى واضحات في أنفسهن أو موضحات فتدخل الآيات المذكورة في هذه الصورة دخولا أوليا والصفة الثانية كونه مثلا من الذين خلوا من قبل هؤلاء أى مثلا كائنا من جهة أمثال الذين مضوا من القصص العجيبة والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة فإن العجب من قصة عائشة رضى الله عنها هو كالعجب من قصة يوسف ومريم وما اتهما به ثم تبين بطلانه وبراءتهما سلام الله عليهما والصفة الثالثة كونه موعظة ينتفع بها المتقون خاصة فيتقتدون بما فيه من الأوامر وينزجوون عما فيه من النواهي وأما غير المتقين فإن الله قد ختم على قلوبهم وجعل على أبصارهم غشاوة عن سماع المواعظ والاعتبار بقصص الذين خلوا وفهم ما تشتمل عليه الآيات البينات
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) وأنكحوا الأيامى ( الآية قال أمر الله سبحانه بالنكاح ورغبهم فيه وأمرهم أن يزوجوا أحرارهم وعبيدهم ووعدهم في ذلك الغنى فقال ) إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ( وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق قال أطيعوا الله فيما أمركم من النكاحينجز لكم ماوعدكم من الغنى قال تعالى ) إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ( وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد عن قتادة قال ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قال ما رأيت كرجل لم يلتمس الغنى في الباءة وقد وعد الله فيها ما وعد فقال ) إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ( وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عنه نحوه من طريق أخرى وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود نحوه وأخرج البزار والدارقطني في العلل والحاكم وابن مردويه والديلمي من طريق عروة عن عائشة قالت قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنكحوا النساء فإنهن يأتينكم بالمال وأخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود في مراسيله عن عروة مرفوعا إلى النبي


"""""" صفحة رقم 31 """"""
( صلى الله عليه وسلم ) ولم يذكر عائشة وهو مرسل وأخرج عبد الرزاق وأحمد والترمذي وصححه والنسائى وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقى في السنن عن أبى هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثلاثة حق على الله عونهم الناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء والغازى في سبيل الله وقد ورد فى الترغيب في مطلق النكاح أحاديث كثيرة ليس هذا موضع ذكرها وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله ) وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ( قال ليتزوج من لايجد فإن الله سيغنيه وأخرج ابن السكن في معرفة الصحابة عن عبدالله بن صبيح عن أبيه قال كنت مملوكا لحويطب عن عبد العزى فسألته الكتابة فأبى فنزلت ) والذين يبتغون الكتاب ( الآية وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن أنس بن مالك قال سألني سيرين المكاتبة فأبيت عليه فأتى عمر بن الخطاب فأقبل علي بالدرة وقال كاتبه وتلا ) فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ( فكاتبته قال ابن كثير إن إسناده صحيح وأخرج أبو داود في المراسيل والبيهقى في سننه عن يحيى بن أبى كثير قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ( قال إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلا على الناس وأخرج عبد الرزاق وابن شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى عن ابن عباس ) إن علمتم فيهم خيرا ( قال المال وأخرج ابن مردويه عن على مثله وأخرج البيهقى عن ابن عباس في الآية قال أمانة ووفاء وأخرج عنه أيضا قال إن علمت مكاتبك يقضيك وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى عنه في الآية قال إن علمتم لهم حيلة ولا تلقوا مؤنتهم على المسلمين ) وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ( يعنى ضعوا عنهم من مكاتبتهم وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقى عن نافع قال كان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة ويقول يطعمنى من أوساخ الناس وأخرج ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير قال قال ابن عباس في قوله ) وآتوهم من مال الله ( الآية أمر المؤمنين أن يعينوا في الرقاب وقال علي بن أبى طالب أمر الله السيد أن يدع للمكاتب الربع من ثمنه وهذا تعليم من الله ليس بفريضة ولكن فيه أجر وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم والروياني في مسنده والضياء المقدسي في المختارة عن بريدة في الآية قال حث الناس عليه أن يعطوه وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة ومسلم والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقى من طريق أبى سفيان عن جابر بن عبد الله قال كان عبد الله بن أبى يقول لجارية له اذهبى فابغينا شيئا وكانت كارهة فأنزل الله ) ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ( هكذا كان يقرؤها وذكر مسلم في صحيحه عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبى يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة فكان يريدهما على الزنا فشكتا ذلك إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأنزل الله ) ولا تكرهوا فتياتكم ( الآية وأخرج البزار وابن مردويه عن أنس نحو حديث جابر الأول وأخرج ابن مردويه عن على بن أبى طالب في الآية قال كان أهل الجاهلية يبغين إماءهم فنهوا عن ذلك في الإسلام وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا يأخذون أجورهن فنزلت الآية وقد ورد النهى منه ( صلى الله عليه وسلم ) عن مهر البغي وكسب الحجام وحلوان الكاهن


"""""" صفحة رقم 32 """"""
سورة النور 35 38 )
النور : ( 35 ) الله نور السماوات . . . . .
لما بين سبحانه من الأحكام ما بين أردف ذلك بكونه سبحانه في غاية الكمال فقال ) الله نور السماوات والأرض ( وهذه الجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها والاسم الشريف مبتدأ ونور السموات والأرض خبره إما على حذف مضاف أى ذو نور السموات والأرض أو لكون المراد المبالغة في وصفه سبحانه بأنه نور لكمال جلاله وظهور عدله وبسطه أحكامه كما يقال فلان نور البلد وقمر الزمن وشمس العصر ومنه قول النابغة فإنك شمس والملوك كواكب
إذا ظهرت لم يبق فيهن كوكب
وقول الآخر هلا قصدت من البلاد لمفضل
قمر القبائل خالد بن يزيد
ومن ذلك قول الشاعر
إذا سار عبد الله من مرو ليلة
فقد سار منها نورها وجمالها
وقول الآخر نسب كأن عليه من شمس الضحى
نورا ومن فلق الصباح عمودا
ومعنى النور في اللغة الضياء وهو الذى يبين ويرى الأبصار حقيقة ما تراه فيجوز إطلاق النور على الله سبحانه على طريقه المدح ولكونه أوجد الأشياء المنورة وأوجد أنوارها ونورها ويدل على هذا المعنى قراءة زيد بن علي وأبى جعفر وعبد العزيز المكى ) الله نور السماوات والأرض ( على صيغة الفل الماضي وفاعله ضمير يرجع إلى الله والسموات مفعوله فمعنى ) الله نور السماوات والأرض ( ءانه سبحانه صيرهما منيرتين باستقامة أحوال أهلهما وكمال تدبيره عز وجل لمن فيهما كما يقال الملك نور البلد هكذا قال الحسن ومجاهد والأزهرى والضحاك والقرظى وابن عرفة وابن جرير وغيرهم ومثله قول الشاعر
وأنت لنا نور وغيث وعصمة
ونبت لمن يرجو نداك وريف
وقال هشام الجواليقى وطائفة من المجسمة إنه سبحانه نور لا كالأنوار وجسم لا كالأجسام وقوله ) مثل نوره ( مبتدأ وخبره كمشكاة أى صفة نوره الفائض عنه الظاهر على الأشياء كمشكاة والمشكاة الكوة في الحائط غير النافذة كذا حكاه الواحدى عن جميع المفسرين وحكته القرطبي عن جمهورهم ووجه تخصيص المشكاة أنها أجمع للضوء الذى يكون فيه مصباح أو غيره وأصل المشكاة الوعاء يجعل فيه الشىء وقيل المشكاة عمود القنديل الذى فيه الفتيلة وقال مجاهد هى القنديل والأول أولى ومنه قول الشاعر
كأن عينيه مشكاتان في جحر
ثم قال فيها مصباح وهو السراج المصباح في زجاجة قال الزجاج النور في الزجاج وضوء النار أبين منه في كل شيء وضوءه يزيد في الزجاج ووجه ذلك أن الزجاج جسم


"""""" صفحة رقم 33 """"""
شفاف يظهر فيه النور أكمل ظهور ثم وصف الزجاجة فقال ) الزجاجة كأنها كوكب دري ( أي منسوب إلى الدر لكون فيه من الصفاء والحسن ما يشابه الدر وقال الضحاك الكوكب الدرى الزهرة قرأ أبو عمرو درى بكسر الدال قال أبو عمرو لم أسمع أعرابيا يقول إلا كأنه كوكب درى بكسر الدال أخذوه من درأت النجوم تدرأ إذا اندفعت وقرأ حمزة بضم الدال مهموزا وأنكره الفراء والزجاج والمبرد وقال أبو عبيد إن ضممت الدال وجب أن لا تهمز لأنه ليس في كلام العرب والدرارى هى المشهورة من الكواكب كالمشترى والزهرة والمريخ وما يضاهيها من الثوابت ثم وصف المصباح بقوله ) يوقد من شجرة مباركة ( ومن هذه هي الابتدائية أى ابتداء إيقاد المصباح منها وقيل هو على تقدير مضاف أى يوقد من زيت شجرة مباركة والمباركة الكثيرة المنافع وقيل المنماة والزيتون من أعظم الثمار نماء ومنه قول أبى طالب يرثى مسافر بن أبى عمرو ابن أمية بن عبد شمس ليث شعرى مسافر بن أبى عمرو
وليت يقولها المخرون
بورك الميت الغريب كما
بورك نبع الرمان والزيتون
قيل ومن بركتها أن أغصانها تورق ومن أسفلها إلى أعلاها وهى إدام ودهان ودباغ ووقود وليس فيها شىء إلا وفيه منفعة ثم وصفها بأنها ) لا شرقية ولا غربية (
وقد اختلف المفسرون في معنى هذا الوصف فقال عكرمة وقتادة وغيرهم إن الشرقية هى التى تصيبها الشمس إذا شرقت ولاتصيبها إذا غربت والغربية هى التي تصيبها إذا غربت ولا تصيبها إذا شرقت وهذه الزيتونة هى في صحراء بحيث لا يسترها عن الشمس شىء لا فى حال شروقها ولا في حال غروبها وما كانت من الزيتون هكذا فثمرها أجود وقيل إن المعنى إنها شجرة في دوحة قد أحاطت بها فهى غير منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب حكى هذا ابن جرير عن ابن عباس قال ابن عطية وهذا لا يصح عن ابن عباس لأن الثمرة التى بهذه الصفة يفسد جناها وذلك مشاهد في الوجود ورجح القول الأول الفراء والزجاج وقال الحسن ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا وإنما هو مثل ضربه الله لنوره ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية قال الثعلبي قد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا لأن قوله زيتونة بدل من قوله شجرة قال ابن زيد إنها من شجر الشام فإن الشام لا شرقى ولا غربى والشام هى الأرض المباركة وقد قريء توقد بالتاء الفوقية على أن الضمير راجع إلى الزجاجة دون المصباح وبها قرأ الكوفيون وقرأ شيبة ونافع وأيوب وسلام وابن عامر وأهل الشام وحفص يوقد بالتحتية مضمومة وتخفيف القاف وضم الدال وقرأ الحسن والسلمي وأبو عمرو بن العلاء وأبو جعفر توقد بالفوقية مفتوحة وفتح الواو وتشديد القاف وفتح الدال على أنه فعل ماض من توقد يتوقد والضمير في هاتين القراءتين راجع إلى المصباح قال النحاس وهاتان القراءتان متقاربتان لأنهما جميعا للمصباح وهو أشبه بهذا الوصف لأنه الذى ينير ويضيء وإنما الزجاجة وعاء له وقرأ نصر بن عاصم كقراءة أبى عمرو ومن معه إلا أنه ضم الدال على أنه فعل مضارع وأصله تتوقد ثم وصف الزيتونة بوصف آخر فقال ) يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ( قرأ الجمهور تمسسه بالفوقية لأن النار مؤنثة قال أبو عبيد إنه لا يعرف إلا هذه القراءة وحكى أبو حاتم أن السدى روى عن أبى مالك عن ابن عباس أنه قرأ يمسسه بالتحتية لكون تأنيث النار غير حقيقي والمعنى أن هذا الزيت في صفاته وإنارته يكاد


"""""" صفحة رقم 34 """"""
يضيء بنفسه من غير أن تمسه النار أصلا وارتفاع نور على أنه خبر مبتدأ محذوف أى هو نور وعلى نور متعلق بمحذوف هو صفة لنور مؤكدة له والمعنى هو نور كائن على نور قال مجاهد والمراد النار على الزيت وقال الكلبي المصباح نور والزجاجة نور وقال السدى نورالإيمان ونور القرآن ) يهدي الله لنوره من يشاء ( من عبادة أى هداية خاصة موصلة إلى المطلوب وليس المراد بالهداية هنا مجرد الدلالة ) ويضرب الله الأمثال للناس ( أى يبين الأشياء بأشباهها ونظائرها تقريبا لها إلى الأفهام وتسهيلا لإدراكها لأن إبراز المعقول في هيئة المحسوس وتصويره بصورته يزيده وضوحا وبيانا ) والله بكل شيء عليم ( لا يغيب عنه شىء من الأشياء معقولا كان أو محسوسا ظاهرا أو باطنا
النور : ( 36 ) في بيوت أذن . . . . .
واختلف في قوله ) في بيوت أذن الله أن ترفع ( بما هو متعلق فقيل متعلق بما قبله أى كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد كأنه قيل مثل نوره كما ترى في المسجد نور المشكاة التي صفتها كيت وكيت وقيل متعلق بمصباح وقال ابن الأنبارى سمعت أبا العباس يقول هو حال للمصباح والزجاجة والكوكب كإنه قيل وهى في بيوت وقيل متعلق يتوقد أي توقد في بيوت وقد قيل متعلق بما بعده وهو يسبح أى يسبح له رجال في بيوت وعلى هذا يكون قوله فيها تكريرا كقولك زيد في الدار جالس فيها وقيل إنه منفصل عما قبله كأنه قال الله في بيوت أذن الله أن ترفع قال الحكيم الترمذى وبذلك جاءت الأخبار أنه من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه وقد قيل على تقدير تعلقه بمشكاة أو بمصباح أو بتوقد ما الوجه في توحيد المصباح والمشكاة وجمع البيوت ولا تكون المشكاة الواحدة ولا المصباح الواحد إلا في بيت واحد وأجيب بأن هذا الخطاب الذى يفتح أوله بالتوحيد ويختم بالجمع كقوله سبحانه ) يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ( ونحوه وقيل معنى في بيوت في كل واحد من البيوت فكأنه قال في كل بيت أو في كل واحد من البيوت واختلف الناس في البيوت على أقوال الأول أنها المساجد وهو قول مجاهد والحسن وغيرهما الثانى أن المراد بها بيوت بيت المقدس روى ذلك عن الحسن الثالث أنها بيوت النبى ( صلى الله عليه وسلم ) روى عن مجاهد الرابع هي البيوت كلها قاله عكرمة الخامس أنها المساجد الأربعة الكعبة ومسجد قباء ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس قاله ابن زيد والقول الأول أظهر لقوله ) يسبح له فيها بالغدو والآصال ( والباء من بيوت تضم وتكسر كل ذلك ثابت في اللغة ومعنى أذن الله أن ترفع أمر وقضى ومعنى ترفع تبنى قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما ومنه قوله سبحانه ) وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ( وقال الحسن البصري وغيره معنى ترفع تعظم ويرفع شأنها وتطهر من الأنجاس والأقذار ورجحه الزجاج وقيل المراد بالرفع هنا مجموع الأمرين ومعنى ) يذكر فيها اسمه ( كل ذكر لله عز وجل وقيل هو التوحيد وقيل المراد تلاوة القرآن والأول أولى ) يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال ( قرأ ابن عامر وأبو بكر يسبح بفتح الباء الموحدة مبنيا للمفعول وقرأ الباقون بكسرها مبنيا للفاعل إلا ابن وثاب وأبا حيوة فإنهما قرآ بالتاء الفوقية وكسر الموحدة فعلى القراءة الأولى يكون القائم مقام الفاعل أحد المجرورات الثلاثة ويكون رجال مرفوع على أحد وجهين إما بفعل مقدر وكأنه جواب سؤال مقدر كأنه قيل من يسبحه فقيل يسبحه رجال الثاني أن رجال مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وعلى القراءة الثانية يكون رجال فاعل يسبح وعلى القراءة الثالثة يكون الفاعل أيضا رجال وإنما ءانثى الفعل لكون جمع التكسير يعامل معاملة المؤنث في بعض الأحوال
واختلف في هذا التسبيح ما هو فالأكثرون حملوه على الصلاة المفروضة قالوا الغدو صلاة الصبح والآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الآصال يشملها ومعنى بالغدو والآصال بالغداة والعشي


"""""" صفحة رقم 35 """"""
وقيل صلاة الصبح والعصر وقيل المراد صلاة الضحى وقيل المراد بالتسبيح هنا معناه الحقيقي وهو تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به في ذاته وصفاته وأفعاله ويؤيد هذا ذكر الصلاة والزكاة بعده وهذا أرجح مما قبله لكونه المعنى الحقيقى مع وجود دليل يدل على خلاف ما ذهب إليه الأولون وهو ما ذكرناه
النور : ( 37 ) رجال لا تلهيهم . . . . .
) لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ( هذه الجملة صفة لرجال أى لا تشغلهم التجارة والبيع عن الذكر وخص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الذكر وقال الفراء التجارة لأهل الجلب والبيع ما باعه الرجل على بدنه وخص قوم التجارة هاهنا بالشراء لذكر البيع بعدها وبمثل قول الفراء قال الواقدي فقال التجار هم الجلاب المسافرون والباعة هم المقيمون ومعنى عن ذكر الله هو ما تقدم في قوله ) ويذكر فيها اسمه ( وقيل المراد الأذان وقيل عن ذكره بأسمائه الحسنى أى يوحدونه ويمجدونه وقيل المراد عن الصلاة ويرده ذكر الصلاة بعد الذكر هنا والمراد بإقام الصلاة إقامتها لمواقيتها من غير تأخير وحذفت التاء لأن الإضافة تقوم مقامها في ثلاث كلمات جمعها الشاعر في قوله
ثلاثة تحذف تاآتها
مضافة عند جمع النحاة
وهي إذا شئت أبو عذرها
وليت شعرى وإقام الصلاة
وأنشد الفراء في الاستشهاد للحذف المذكور في هذه الآية قول الشاعر
إن الخليط أجدوا البين وانجردوا
وأخلفوك عد الأمر الذى وعدوا
أى عدة الأمر وفي هذا البيت دليل على أن الحذف مع الإضافة لا يختص بتلك الثلاثة المواضع قال الزجاج وإنما حذفت الهاء لأنه يقال أقمت الصلاة إقامة وكان الأصل إقواما ولكن قلبت الواو ألفا فاجتمعت ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقى أقمت الصلاة إقاما فأدخلت الهاء عوضا من المحذوف وقامت الإضافة هاهنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة وهذا إجماع من النحويين انتهى وقد احتاج من حمل ذكر الله على الصلاة المفروضة أن يحمل إقام الصلاة على تأديتها في أوقاتها فرارا من التكرار ولا ملجيء إلى ذلك بل يحمل الذكر على معناه الحقيقى كما قدمنا والمراد بالزكاة المذكورة هى المفروضة وقيل المراد بالزكاة طاعة الله والإخلاص إذ ليس لكل مؤمن مال يخافون يوما أى يوم القيامة وانتصابه على أنه مفعول للفعل لا ظرف له ثم وصف هذا اليوم بقوله ) تتقلب فيه القلوب والأبصار ( أى تضطرب وتتحول قيل المراد بتقلب القلوب انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر فلا ترجع إلى أماكنها ولا تخرج والمراد بتقلب الأبصار هو أن تصير عمياء بعد أن كانت مبصرة وقيل المراد بتقلب القلوب أنها تكون متقلبة بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك وأما تقلب الأبصار فهو نظرها من أى ناحية يؤخذون وإلى أى ناحية يصيرون وقيل المراد تحول قلوبهم وأبصارهم عما كانت عليه من الشك إلى اليقين ومثله قوله ) فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ( فما كان يراه في الدنيا غيا يراه فى الآخرة رشدا وقيل المراد التقلب على جمر جهنم وقيل غير ذلك
النور : ( 38 ) ليجزيهم الله أحسن . . . . .
) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ( متعلق بمحذوف أى يفعلون ما يفعلون من التسبيح والذكر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن ما عملوا أى أحسن جزاء أعمالهم حسبما وعدهم من تضعيف ذلك إلى عشرة أمثاله وإلى سبعمائة ضعف وقيل المراد بما في هذه الآية ما يتفضل سبحانه به عليهم زيادة على مايستحقونه والأول أولى لقوله ) ويزيدهم من فضله ( فإن المراد به التفضل عليهم بما فوق الجزاء الموعود به ) والله يرزق من يشاء بغير حساب ( أى من غير أن يحاسبه على ما أعطاه أو أن عطاءه سبحانه لا نهاية له والجملة مقررة لما سبقها من الوعد بالزيادة


"""""" صفحة رقم 36 """"""
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ) الله نور السماوات والأرض ( قال يدبر الأمر فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما وأخرج الفريابي عنه في قوله ) الله نور السماوات والأرض ( مثل نوره الذى أعطاه المؤمن كمشكاة وقال في تفسير ) زيتونة لا شرقية ولا غربية ( إنها التي في سفح جبل لا تصيبها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت ) يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ( فذلك مثل قلب المؤمن نور على نور وأخرج عبد بن حميد وابن الأنبارى في المصاحف عن الشعبي قال في قراءة أبى بن كعب مثل نور المؤمن كمشكاة وأخرج ابن أبى حاتم وصححه عن ابن أبى عباس في الآية قال يقول مثل نور من آمن بالله كمشكاة وهى الكوه وأخرج ابن أبى حاتم عنه مثل نوره قال هي خطأ من الكاتب هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة قال مثل نور المؤمن كمشكاة وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى في الأسماء والصفات عنه أيضا ) الله نور السماوات والأرض ( قال هادى أهل والسموات والأرض مثل نوره مثل هداه فى قلب المؤمن كمشكاة يقول موضع الفتيلة كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوئه كذلك يكون قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورا على نور وفى إسناده على بن أبى طلحة وفيه مقال وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبى بن كعب ) الله نور السماوات والأرض ( مثل نوره قال هو المؤمن الذى قد جعل الإيمان والقرآن في صدره فضرب الله مثله فقال ) نور السماوات والأرض مثل نوره ( فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فقال مثل نور من آمن به فكان أبى بن كعب يقرؤها ? مثل نور من آمن به ? فهو المؤمن جعل الإيمان والقرآن في صدره كمشكاة قال فصدر المؤمن المشكاة فيها مصباح المصباح النور وهو القرآن والإيمان الذى جعل في صدره في زجاجة والزجاجة قلبه ) كأنها كوكب دري ( يقول كوكب مضىء ) يوقد من شجرة مباركة ( والشجرة المباركة أصل المبارك الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له ) زيتونة لا شرقية ولا غربية ( قال فمثله كمثل شجرة التفت بها الشجر فهى خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أى حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت فكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يضله شىء من الفتن وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أن اليهود قالوا لمحمد كيف يخلص نور الله من دون السماء فضرب الله مثل ذلك لنوره فقال ) الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ( المشكاة كوة البيت فيها مصباح وهو السراج يكون في الزجاجة وهو مثل ضربه الله لطاعته فسمى طاعته نورا ثم سماها أنواعا شتى ) لا شرقية ولا غربية ( قال وهي وسط الشجر لا تنالها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت وذلك أجود الزيت ) يكاد زيتها يضيء ( بغير نار ) نور على نور ( يعنى إيمان العبد وعلمه ) يهدي الله لنوره من يشاء ( وهو مثل المؤمن وأخرج الطبراني وابن عدى وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمر في قوله ) كمشكاة فيها مصباح ( قال المشكاة جوف محمد ( صلى الله عليه وسلم ) والزجاجة قلبه والمصباح النور الذى فى قلبه ) يوقد من شجرة مباركة ( الشجرة إبراهيم ) زيتونة لا شرقية ولا غربية ( لايهودية ولا نصرانية ثم قرأ ) ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ( وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه عن شمر بن عطية قال جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال حدثنى عن قول الله الله نور السموات والأرض مثل نوره قال مثل نور محمد ( صلى الله عليه وسلم ) كمشكاة قال المشكاة الكوة ضربها الله مثلا لقمة فيها مصباح والمصباح قلبه ) المصباح في زجاجة ( والزجاجة


"""""" صفحة رقم 37 """"""
صدره ) كأنها كوكب دري ( شبه صدر محمد ( صلى الله عليه وسلم ) بالكوكب الدرى ثم رجع المصباح إلى قلبه فقال ) يوقد من شجرة مباركة ( ) يكاد زيتها يضيء ( قال يكاد محمد ( صلى الله عليه وسلم ) يبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبى كما يكاد الزيت أن يضىء ولو لم تمسسه نار
وأقول إن تفسير النظم القرآني بهذا ونحوه مما تقدم عن أبى بن كعب وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم ليس على ماتقتضيه لغة العرب ولا ثبت عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما يجوز العدول عن المعنى العربى إلى هذه المعانى التى هي شبيهة بالألغاز والتعمية ولكن هؤلاء الصحابة ومن وافقهم ممن جاء بعدهم استبعدو تمثيل نور الله سبحانه بنور المصباح في المشكاة ولهذا قال ابن عباس هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة كما قدمنا عنه ولا وجه لهذا الاستبعاد فإنا قد قدمنا في أول البحث ما يرفع الإشكال ويوضح ما هو المراد على أحسن وجه وأبلغ أسلوب وعلى ما تقتضيه لغة العرب ويفيده كلام الفصحاء فلا وجه للعدول عن الظاهر لا من كتاب ولا من سنة ولا من لغة وأما ما حكى عن كعب الأحبار في هذا كما قدمنا فإن كان هو سبب عدول أولئك الصحابة الأجلاء عن الظاهر في تفسير الآية فليس مثل كعب رحمه الله ممن يقتدى به في مثل هذا وقد نبهناك فيما سبق أن تفسير الصحابى إذا كان مستنده الرواية عن أهل الكتاب كما يقع ذلك كثيرا فلا تقوم به الحجة ولا يسوغ لأجله العدول عن التفسير العربي نعم إن صحت قراءة أبى بن كعب كانت هى المستند لهذه التفاسير المخالفة للظاهر وتكون كالزيادة المبينة للمراد وإن لم تصح فالوقوف على ما تقتضيه قراءة الجمهور من السبعة وغيرهم ممن قبلهم وممن بعدهم هو المتعين وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس ) في بيوت أذن الله أن ترفع ( قال هى المساجد تكرم وينهى عن اللغو فيها ويذكر فيها اسم الله يتلى فيها كتابه ) يسبح له فيها بالغدو والآصال ( صلاة الغداة وصلاة العصر وهما أول ما فرض الله من الصلاة فأحب أن يذكرهما ويذكر بهما عباده وقد ورد في تعظيم المساجد وتنزيهها عن القذر واللغو وتنظيفها وتطييبها أحاديث ليس هذا موضع ذكرها وأخرج ابن أبى شيبة والبيهقى في الشعب عن ابن عباس قال إن صلاة الضحى لفى القرآن وما يغوص عليها إلا غواص في قوله ) في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ( وأخرج ابن أبى حاتم وابن مردويه عن أبى هريرة عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله ) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ( قال هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبى سعيد الخدرى عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله ) لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ( قال هم الذين يبتغون من فضل الله وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال كانوا رجالا يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا مافى أيديهم وقاموا إلى المسجد فصلوا وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم والبيهقى في الشعب عنه في الآية قال ضرب الله هذا المثل قوله كمشكاة لأولئك القوم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وكانوا أتجر الناس وأبيعهم ولكن لم تكن تلهيهم تجارتهم ولابيعهم عن ذكر الله وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبى حاتم عنه أيضا عن ذكر الله قال عن شهود الصلاة وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ثم دخلوا المسجد فقال ابن عمر فيهم نزلت ) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ( وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني والبيهقى في الشعب عن ابن مسعود أنه رأى ناسا من أهل السوق سمعوا الأذان فتركوا أمتعتهم فقال هؤلاء الذين قال الله فيهم ) لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ( وأخرج


"""""" صفحة رقم 38 """"""
هناد بن السرى في الزهد وابن أبى حاتم وابن مردويه والبيهقى في الشعب ومحمد بن نصر في الصلاة عن أسماء بنت يزيد قالت قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يجمع الله يوم القيامة الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعى وينفذهم البصر فيقوم مناد فينادى أين الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يعود فينادى أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يعود فينادى ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يقوم سائر الناس فيحاسبون وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقى في الشعب عن عقبة بن عامر مرفوعا نحوه
سورة النور 39 46 )
النور : ( 39 ) والذين كفروا أعمالهم . . . . .
لما ذكر سبحانه حال المؤمنين وما يئول إليه أمرهم ذكر مثلا للكافرين فقال ) والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ( المراد بالأعمال هنا هى الأعمال التى من أعمال الخير كالصدقة والصلة وفك العانى وعمارة البيت وسقاية الحاج والسراب ما يرى في المفاوز من لمعان الشمس عند اشتداد حر النهار على صورة الماء في ظن من يراه وسمى سرابا لأنه يسرب أى يجرى كالماء يقال سرب الفحل أى مضى وسار في الأرض ويسمى الآل أيضا وقيل الآل هو الذى يكون ضحى كالماء إلا أنه يرتفع عن الأرض حتى يصير كإنه بين السماء والأرض قال أمرو القيس


"""""" صفحة رقم 39 """"""
ألم أنض المطى بكل خرق
طويل الطول لماع السراب
وقال آخر فلما كففنا الحرب كانت عهودهم
كلمع سراب بالفلا متألق
والقيعة جمع قاع وهو الموضع المنخفض الذى يستقر فيه الماء مثل جيرة وجار قاله الهروى وقال أبو عبيد قيعة وقاع واحد قال الجوهرى القاع المستوى من الأرض والجمع أقوع وأقواع وقيعان صارت الواو ياء لكسر ما قبلها والقيعة مثل القاع قال وبعضهم يقول هو جمع ) يحسبه الظمآن ماء ( هذه صفة ثانية لسراب والظمآن العطشان وتخصيص الحسبان بالضمآن مع كون الريان يراه كذلك لتحقيق التشبيه المبنى على الطمع ) حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ( أى إذا جاء العطشان ذلك الذى حسبه ماء لم يجده شيئا مما قدره وحسبه ولا من غيره والمعنى أن الكفار يعولون على أعمالهم التي يظنونها من الخير ويطمعون في ثوابها فإذا قدموا على الله سبحانه لم يجدوا منها شيئا لأن الكفر أحبطها ومحا أثرها والمراد بقوله ) حتى إذا جاءه ( مع أنه ليس بشىء أنه جاء الموضع الذى كان يحسبه فيه ثم ذكر سبحانه ما يدل على زيادة حسرة الكفرة وأنه لم يكن قصارى أمرهم مجرد الخيبة كصاحب السراب فقال ) ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ( أي وجد الله بالمرصاد فوفاه حسابه أى جزاء عمله كما قال امرؤ القيس فولى مدبرا يهوى حثيثا
وأيقن أنه لاقى الحسابا
وقيل وجد وعد الله بالجزاء على عمله وقيل وجد أمر الله عند حشره وقيل وجد حكمه وقضاءه عند المجىء وقيل عند العمل والمعنى متقارب وقرأ مسلمة بن محارب بقيعاه بهاء مدورة كما يقال رجل عزهاه وروى عنه أنه قرأ بقيعات بتاء مبسوطة قيل يجوز أن تكون الألف متولدة من إشباع العين على الأول وجمع قيعة على الثانى وروى عن نافع وأبى جعفر وشيبة أنهم قرءوا الظمان بغير همز والمشهور عنهم الهمز
النور : ( 40 ) أو كظلمات في . . . . .
(أو كظلمات) معطوف على كسراب ضرب الله مثلا آخر لأعمال الكفار كما أنه تشبه السراب الموصوف بتلك الصفات فهى أيضا تشبه الظلمات قال الزجاج أعلم الله سبحانه أن أعمال الكفار إن مثلت بما يوجد فمثلها كمثل السراب وإن مثلت بما يرى فهى كهذه الظلمات التي وصف قال أيضا إن شئت مثل بالسراب وإن شئت مثل بهذه الظلمات فأو للإباحة حسبما تقدم من القول في أو كصيب قال الجرجانى الآية الأولى فى ذكر أعمال الكفار والثانية في ذكر كفرهم ونسق الكفر على أعمالهم لأنه أيضا من أعمالهم قال القشيرى فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار وعند الجرجانى لكفر الكفار ) في بحر لجي ( اللجة معظم الماء والجمع لجج وهو الذى لايدرك لعقمه ثم وصف سبحانه هذا البحر بصفة أخرى فقال يغشاه موج أى يعلو هذا البحر موج فيستره ويغطيه بالكلية ثم وصف هذا الموج بقوله ) من فوقه موج ( أى من فوق هذا الموج موج ثم وصف الموج الثاني فقال ) من فوقه سحاب ( أي فوق ذلك الموج الثانى سحاب فيجتمع حينئذ عليهم خوف البحر وأمواجه والسحاب المرتفعة فوقه وقيل إن المعنى يغشاه موج من بعده موج فيكون الموج يتبع بعضه بعضا حتى كأن بعضه فوق بعض والبحر أخوف ما يكون إذا توالت أمواجه فإذا انضم إلى ذلك وجود السحاب من فوقه زاد الخوف شدة لأنها تستر النجوم التى يهتدى بها من في البحر ثم إذا أمطرت تلك السحاب وهبت الريح المعتادة في الغالب عند نزول المطر تكاثفت الهموم وترادفت الغموم وبلغ الأمر إلى الغاية التي ليس وراءها غاية ولهذا قال سبحانه ) ظلمات بعضها فوق بعض ( أى هى ظلمات أو هذه ظلمات متكاثفة مترادفة ففى هذه


"""""" صفحة رقم 40 """"""
الجملة بيان لشدة الأمر وتعاظمه وقرأ ابن محيصن والبزى سحاب ظلمات بإضافة سحاب إلى ظلمات ووجه الإضافة أن السحاب يرتفع وقت هذه الظلمات فأضيف إليها لهذه الملابسة وقرأ الباقون بالقطع والتنوين
ومن غرائب التفاسير أنه سبحانه أراد بالظلمات أعمال الكافر وبالبحر اللجى قلبه وبالموج فوق الموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة والسحاب الرين والختم والطبع على قلبه وهذا تفسير هو عن لغة العرب بمكان بعيد ثم بالغ سبحانه في هذه الظلمات المذكورة بقوله ) إذا أخرج يده لم يكد يراها ( وفاعل أخرج ضمير يعود على مقدر دل عليه المقام أى إذا أخرج الحاضر في هذه الظلمات أو من ابتلى بها قال الزجاج وأبو عبيدة المعنى لم يرها ولم يكد وقال الفراء إن كاد زائدة والمعنى إذا أخرج يده لم يرها كما تقول ما كدت أعرفه وقال المبرد يعنى لم يرها إلا من بعد الجهد قال النحاس أصح الأقوال في هذا أن المعنى لم يقارب رؤيتها فإذن لم يرها رؤية بعيدة ولا قريبة وجملة ) ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ( مقررة لما قبلها من كون أعمال الكفرة على تلك الصفة والمعنى ومن لم يجعل الله له هداية فما له من هداية قال الزجاج ذلك في الدنيا والمعنى من لم يهده الله لم يهتد وقيل المعنى من لم يجعل له نورا يمشى به يوم القيامة فما له من نور يهتدي به إلى الجنة
النور : ( 41 ) ألم تر أن . . . . .
) ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض ( قد تقدم تفسير مثل هذه الآية فى سورة سبحان والخطاب لكل من له أهلية النظر أو للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وقد علمه من جهة الاستدلال ومعنى ) ألم تر ( ألم تعلم والهمزة للتقرير أى قد علمت علما يقينيا شبيها بالمشاهدة والتسبيح التنزيه في ذاته وأفعاله وصفاته عن كل ما لا يليق به ومعنى ) من في السماوات والأرض ( من هو مستقر فيهما من العقلاء وغيرهم وتسبيح غير العقلاء ما يسمع من أصواتها ويشاهد من أثر الصنعة البديعة فيها وقيل إن التسبيح هنا هو الصلاة من العقلاء والتنزيه من غيرهم وقد قيل إن هذه الآية تشمل الحيوانات والجمادات وأن آثار الصنعة الإلهية في الجمادات ناطق ومخبر باتصافه سبحانه بصفات الجلال والكمال وتنزهه عن صفات النقص وفي ذلك تقريع للكفار وتوبيخ لهم حيث جعلوا الجمادات التي من شأنها التسبيح لله سبحانه شركاء له يعبدونها كعبادته عز وجل وبالجملة فإنه ينبغي حمل التسبيح على ما يليق بكل نوع من أنواع المخلوقات على طريقة عموم المجاز قرأ الجمهور ) والطير صافات ( بالرفع للطير والنصب لصافات على أن الطير معطوفة على من وصافات منتصب على الحال وقرأ الأعرج والطير والطير بالنصب على المفعول معه وصافات حال أيضا قال الزجاج وهى أجود من الرفع وقرأ الحسن وخارجة عن نافع والطير صافات برفعهما على الابتداء والخبر ومفعول صافات محذوف أى أجنحتها وخص الطير بالذكر مع دخولها تحت من في السموات والأرض لعدم استمرار استقرارها فى الأرض وكثرة لبثها في الهواء وهو ليس من السماء ولا من الأرض ولما فيها من الصنعة البديعة التي تقدر بها تارة على الطيران وتارة على المشى بخلاف غيرها من الحيوانات وذكر حالة من حالات الطير وهى كون صدور التسبيح منها حال كونها صافات لأجنحتها لأن هذه الحالة هي أغرب أحوالها فإن استقرارها في الهواء مسبحة من دون تحريك لأجنحتها ولا استقرار على الأرض من أعظم صنع الله الذي أتقن كل شىء ثم زاد في البيان فقال ) كل قد علم صلاته وتسبيحه ( أى كل واحد مما ذكر والضمير في علم يرجع إلى كل والمعنى أن كل واحد من هذه المسبحات لله قد علم صلاة المصلى وتسبيح المسبح وقيل المعنى أن كل مصل ومسبح قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه قيل والصلاة هنا بمعنى التسبيح وكرر للتأكيد والصلاة قد تسمى تسبيحا وقيل المراد بالصلاة هنا الدعاء أى كل واحد قد علم دعاءه وتسبيحه وفائدة الإخبار بأن كل واحد قد علم


"""""" صفحة رقم 41 """"""
ذلك أن صدور هذا التسبيح هو عن علم قد علمها الله ذلك وألهمها إليه إلا أن صدوره منها على طريقة الاتفاق بلا روية وفي ذلك زيادة دلالة على بديع صنع الله سبحانه وعظيم شأنه كونه جعلها مسبحة له عالمة بما يصدر منها غير جاهلة له ) والله عليم بما يفعلون ( هذه الجملة مقررة لما قبلها أى لا تخفى عليه طاعتهم ولا تسبيحهم ويجوز أن يكون الضمير في علم لله سبحانه أى كل واحد من هذه المسبحة قد علم الله صلاته له وتسبيحه إياه والأول أرجح لاتفاق القراء على رفع كل ولو كان الضمير في علم لله لكان نصب كل أولى وذكر بعض المفسرين أنها قراءة طائفة من القراء علم على البناء للمفعول
النور : ( 42 ) ولله ملك السماوات . . . . .
ثم بين سبحانه أن المبدأ منه والمعاد إليه فقال ) ولله ملك السماوات والأرض ( أى له لا لغيره ) وإليه المصير ( لا إلى غيره والمصير الرجوع بعد الموت وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في غير موضع
النور : ( 43 ) ألم تر أن . . . . .
ثم ذكر سبحانه دليلا آخر من الآثار العلوية فقال ) ألم تر أن الله يزجي سحابا ( الإزجاء السوق قليلا قليلا ومنه قول النابغة
إنى أتيتك من أهل ومن وطنى
أزجى حشاشة نفس ما بها رمق
وقوله أيضا أسرت عليه من الجوزاء سارية
يزجى السماك عليه جامد البرد
والمعنى أنه سبحانه يسوق السحاب سوقا رقيقا إلى حيث يشاء ) ثم يؤلف بينه ( أى بين أجزائه فيضم بعضه إلى بعض ويجمعه بعد تفرقه ليقوى ويتصل ويكثف والأصل في التأليف الهمز وقرأ ورش وقالون عن نافع يولف بالواو تخفيفا والسحاب واحد في اللفظ ولكن معناه جمع ولهذا دخلت بين عليه لأن أجزاءه في حكم المفردات له قال الفراء إن الضمير في بينه راجع إلى جملة السحاب كما تقول الشجر قد جلست بينه لأنه جمع وأفرد الضمير باعتبار اللفظ ) ثم يجعله ركاما ( أى متراكما يركب بعضه بعضا والركم جمع الشىء يقال ركم الشيء يركمه ركما أى جمعه وألقى بعضه على بعض وارتكم الشىء وتراكم إذا اجتمع والركمة الطين المجموع والركام الرمل المتراكب ) فترى الودق يخرج من خلاله ( الودق المطر عند جمهور المفسرين ومنه قوله الشاعر
فلا مزنة ودقت ودقها
ولا أرض أبقل إبقالها
وقال امرؤ القيس
فدفهما ودق وسح وديمة
وسكب وتوكاف وتهملان
يقال ودقت السحاب فهى وادقة وودق المطر يدق أى قطر يقطر وقيل إن الودق البرق ومنه قول الشاعر أثرن عجاجة وخرجن منها
خروج الودق من خلل السحاب
والأول أولى ومعنى من خلاله من فتوقه التى هى مخارج القطر وجملة ) يخرج من خلاله ( فى محل نصب على الحال لأن الرؤية هنا هى البصرية وقرأ ابن عباس وابن مسعود والضحاك وأبو العالية من خلله على الإفراد وقد وقع الخلاف في خلال هل هو مفرد كحجاب أو جمع كجبال ) وينزل من السماء من جبال فيها من برد ( المراد بقوله من سماء من عال لأن السماء قد تطلق على جهة العلو ومعنى من جبال من قطع عظام تشبه الجبال ولفظ فيها في محل نصب على الحال ومن في من برد للتبعيض وهو مفعول ينزل وقيل إن المفعول محذوف والتقدير ينزل من جبال فيها من برد بردا وقيل إن من فى من برد زائدة والتقدير ينزل من السماء من جبال فيها برد وقيل إن فى الكلام مضافا محذوفا أى ينزل من السماء قدر جبال أو مثل جبال من برد إلى الأرض قال الأخفش إن من في من جبال وفي من برد زائدة في الموضعين والجبال والبرد في موضع


"""""" صفحة رقم 42 """"""
نصب أى ينزل من السماء بردا يكون كالجبال والحاصل أن من فى من السماء لابتداء الغاية بلا خلاف ومن في من جبال فيها ثلاثة أوجه الأول لابتداء الغاية فتكون هى ومجرورها بدلا من الأولى بإعادة الخافض بدل اشتمال الثانى أنها للتبعيض فتكون على هذا هى ومجرورها في محل نصب على أنها مفعول الإنزال كأنه قال وينزل بعض جبال الثالث أنها زائدة أي ينزل من السماء جبالا وأما من في من برد ففيها أربعة أوجه الثلاثة المتقدمة والرابع أنها لبيان الجنس فيكون التقدير على هذا الوجه وينزل من السماء بعض جبال التي هي البرد قال الزجاج معنى الآية وينزل من السماء من جبال برد فيها كما تقول هذا خاتم في يدى من حديد أى خاتم حديد في يدى لأنك إذا قلت هذا خاتم من حديد وخاتم حديد كان المعنى واحدا انتهى وعلى هذا يكون من برد في موضع جر صفة لجبال كما كان من حديد صفة لخاتم ويكون مفعول ينزل من جبال ويلزم من كون الجبال بردا أن يكون المنزل بردا وذكر أبو البقاء أن التقدير شيئا من جبال فحذف الموصوف واكتفى بالصفة ) فيصيب به من يشاء ( أى يصيب بما ينزل من البرد من يشاء أن يصيبه من عباده ) ويصرفه عن من يشاء ( منهم أو يصيب به مال من يشاء ويصرفه عن مال من يشاء وقد تقدم الكلام عن مثل هذا في البقرة ) يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ( السنا الضوء أى يكاد ضوء البرق الذى في السحاب يذهب بالأبصار من شدة بريقه وزيادة لمعانه وهو كقوله ) يكاد البرق يخطف أبصارهم ( قال الشماخ
وما كادت إذا رفعت سناها
ليبصر ضوءها إلا البصير
وقال امرؤ القيس يضىء سناه أو مصابيح راهب
أهان السليط في الذبال المفتل
فالسنا بالقصر ضوء البرق وبالمد الرفعة كذا قال المبرد وغيره وقرأ طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب سناء برقه بالمد على المبالغة في شدة الضوء والصفاء فأطلق عليه اسم الرفعة والشرف وقرأ طلحة ويحيى أيضا بضم الباء من برقه وفتح الراء قال أحمد بن يحيى ثعلب وهى على هذه القراءة جمع برق وقال النحاس البرقة المقدار من البرق والبرقة الواحدة وقرأ الجحدرى وابن القعقاع يذهب بضم الياء وكسر الهاء من الإذهاب وقرأ الباقون سنا بالقصر وبرقه بفتح الباء وسكون الراء ويذهب بفتح الياء والهاء من الذهاب وخطأ قراءة الجحدرى وابن القعقاع الأخفش وأبو حاتم ومعنى ذهاب البرق بالأبصار خطفه إياها من شدة الإضاءة وزيادة البريق والباء في الأبصار على قراءة الجمهور للإلصاق وعلى قراءة غيرهم زائدة
النور : ( 44 ) يقلب الله الليل . . . . .
) يقلب الله الليل والنهار ( أى يعاقب بينهما وقيل يزيد في أحدهما وينقص الآخر وقيل يقلبهما باختلاف ما يقدره فيهما من خير وشر ونفع وضر وقيل بالحر والبرد وقيل المراد بذلك تغيير النهار بظلمة السحاب مرة وبضوء الشمس أخرى وتغيير الليل بظلمة السحاب تارة وبضوء القمر أخرى والإشارة بقوله ) إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ( إلى ما تقدم ومعنى العبرة الدلالة الواضحة التي يكون بها الاعتبار والمراد بأولى الأبصار كل من له بصر يبصر به
النور : ( 45 ) والله خلق كل . . . . .
ثم ذكر سبحانه دليلا ثالثا من عجائب خلق الحيوان وبديع صنعته فقال ) والله خلق كل دابة من ماء ( قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائى والله خالق كل دابة وقرأ الباقون خلق والمعنيان صحيحان والدابة كل ما دب على الأرض من الحيوان يقال دب يدب فهو داب والهاء للمبالغة ومعنى من ماء من نطفة وهى المنى كذا قال الجمهور وقال جماعة إن المراد الماء المعروف لأن آدم خلق من الماء والطين وقيل فى الآية تنزيل الغالب منزلة الكل على القول الأول لأن في الحيوانات ما يتولد لا عن نطفة ويخرج من هذا


"""""" صفحة رقم 43 """"""
العموم الملائكة فإنهم خلقوا من نور والجان فإنهم خلقوا من نار ثم فصل سبحانه أحوال كل دابة فقال ) فمنهم من يمشي على بطنه ( وهى الحيات والحوت والدود ونحو ذلك ) ومنهم من يمشي على رجلين ( الإنسان والطير ) ومنهم من يمشي على أربع ( سائر الحيوانات ولم يتعرض لما يمشى على أكثر من أربع لقلته وقيل لأن المشى على أربع فقط وإن كانت القوائم كثيرة وقيل لعدم الاعتداد بما يمشى على أكثر من أربع ولا وجه لهذا فإن المراد التنبيه على بديع الصنع وكمال القدرة فكيف يقال لعدم الاعتداد بما يمشى على أكثر من أربع وقيل ليس في القرآن ما يدل على عدم المشى على أكثر من أربع لأنه لم ينف ذلك ولا جاء بما يقتضى الحصر وفى مصحف أبى ومنهم من يمشى على أكثر فعم بهذه الزيادة جميع ما يمشي على أكثر من أربع كالسرطان والعناكب وكثير من خشاش الأرض ) يخلق الله ما يشاء ( مما ذكره هاهنا ومما لم يذكره كالجمادات مركبها وبسيطها ناميها وغير ناميها ) إن الله على كل شيء قدير ( لا يعجزه شىء بل الكل من مخلوقاته داخل تحت قدرته سبحانه
النور : ( 46 ) لقد أنزلنا آيات . . . . .
) لقد أنزلنا آيات مبينات ( أى القرآن فإنه قد اشتمل على بيان كل شىء وما فرطنا فى الكتاب من شىء وقد تقدم بيان مثل هذا في غير موضع ) والله يهدي من يشاء ( بتوفيقه للنظر الصحيح وإرشاده إلى التأمل الصادق ) إلى صراط مستقيم ( إلى طريق مستوى لا عوج فيه فيتوصل بذلك إلى الخير التام وهو نعيم الجنة
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله ) والذين كفروا أعمالهم كسراب ( قال هو مثل ضربه الله كرجل عطش فاشتد عطشه فرأى سرابا فحسبه ماء فطلبه فظن أنه قدر عليه حتى أتى فلما أتاه لم يجده شيئا وقبض عند ذلك يقول الكافر كذلك السراب إذا أتاه الموت لم يجد عمله يغنى عنه شيئا ولا ينفعه إلا كما نفع السراب العطشان ) أو كظلمات في بحر لجي ( قال يعنى بالظلمات الأعمال وبالبحر اللجى قلب الإنسان ) يغشاه موج ( يعنى بذلك الغشاوة التى على القلب والسمع والبصر وأخرج ابن جرير عنه بقيعة بأرض مستوية وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم من طريق السدى عن أبيه عن أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال إن الكفار يبعثون يوم القيامة وردا عطاشا فيقولون أين الماء فيتمثل لهم السراب فيحسبونه ماء فينطلقون إليه فيجدون الله عنده فيوفيهم حسابه والله سريع الحساب وفي إسناده السدى عن أبيه وفيه مقال معروف وأخرج بن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبو الشيخ في العظمة في قوله ) كل قد علم صلاته وتسبيحه ( قال الصلاة للإنسان والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه وأخرج ابن أبى حاتم عنه في قوله ) والطير صافات ( قال بسط أجنحتهن وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس في قوله ) يكاد سنا برقه ( يقول ضوء برقه وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال كل شىء يمشى على أربع إلا الإنسان وأقول هذه الطيور على اختلاف أنواعها تمشى على رجلين وهكذا غيرها كالنعامة فإنها تمشى على رجلين وليست من الطير فهذه الكلية المروية عنه رضى الله عنه لا تصح
سورة النور 47 57 )


"""""" صفحة رقم 44 """"""
النور : ( 47 ) ويقولون آمنا بالله . . . . .
شرع سبحانه في بيان أحوال من لم تحصل له الهداية إلى الصراط المستقيم فقال ) ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ( وهؤلاء هم المنافقون الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ويقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم فإنهم كما حكى الله عنهم هاهنا ينسبون إلى أنفسهم الإيمان بالله وبالرسول والطاعة لله ولرسوله نسبة بمجرد اللسان لا عن اعتقاد صحيح ولهذا قال ) ثم يتولى فريق منهم ( أى من هؤلاء المنافقين القائلين هذه المقالة من بعد ذلك أى من بعد ما صدر عنهم ما نسبوه إلى أنفسهم من دعوى الإيمان والطاعة ثم حكم عليهم سبحانه وتعالى بعدم الإيمان فقال ) وما أولئك بالمؤمنين ( أى ما أولئك القائلون هذه المقالة بالمؤمنين على الحقيقة فيشمل الحكم بنفى الايمان جميع القائلين ويندرج تحتهم من تولى اندراجا أوليا وقيل إن الإشارة بقوله أولئك راجع إلى من تولى والأول أولى والكلام مشتمل على حكمين الحكم الأول علي بعضهم بالتولى والحكم الثاني على جميعهم بعدم الإيمان وقيل أراد بمن تولى عن قبول حكمه ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل أراد رؤساء المنافقين وقيل أراد بتولى هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين ولا ينافى ما تحتمله هذه الآية باعتبار لفظها ورودها على سبب خاص كما سيأتي بيانه
النور : ( 48 ) وإذا دعوا إلى . . . . .
ثم وصف هؤلاء المنافقين بأن فريقا منهم يعرضون عن إجابة الدعوة إلى الله وإلى رسوله في خصوماتهم فقال ) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ( أى ليحكم الرسول بينهم فالضمير راجع إليه لأنه المباشر للحكم وإن كان الحكم في الحقيقة لله سبحانه ومثل ذلك قوله تعالى ) والله ورسوله أحق أن يرضوه ( وإذا في قوله ) إذا فريق منهم معرضون ( هى الفجائية أى فاجاء فريق منهم الإعراض عن المحاكمة إلى الله والرسول
النور : ( 49 ) وإن يكن لهم . . . . .
ثم ذكر سبحانه أن إعراضهم إنما هو إذا كان الحق عليهم وأما إذا كان لهم فإنهم


"""""" صفحة رقم 45 """"""
يذعنون لعلمهم بأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا يحكم إلا بالحق فقال ) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ( قال الزجاج الإذعان الإسراع مع الطاعة يقال أذعن لى بحقى أى طاوعنى لما كنت ألتمس منه وصار يسرع إليه وبه قال مجاهد وقال الأخفش وابن الأعرابي مذعنين مقرين وقال النقاش مذعنين خاضعين
النور : ( 50 ) أفي قلوبهم مرض . . . . .
ثم قسم الأمر في إعراضهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم فقال ) أفي قلوبهم مرض ( وهذه الهمزة للتوبيخ والتقريع لهم والمرض النفاق أى أكان هذا الإعراض منهم بسبب النفاق الكائن في قلوبهم ) أم ارتابوا ( وشكوا في أمر نبوته ( صلى الله عليه وسلم ) وعدله في الحكم ) أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ( والحيف الميل في الحكم يقال حاف في قضيته أى جار فيما حكم به ثم أضرب عن هذه الأمور التى صدرها بالإستفهام الإنكارى فقال ) بل أولئك هم الظالمون ( أى ليس ذلك لشىء مما ذكر بل لظلمهم وعنادهم فإنه لو كان الاعراض لشئ مما ذكر لما أتوا إليه مذعنين إذا كان الحق لهم وفى هذه الآية دليل على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله العادل في حكمه لأن العلماء ورثة االأنبياء والحكم من قضاة الإسلام العالمين بحكم الله العارفين بالكتاب والسنة العادلين في القضاء هو حكم بحكم الله وحكم رسوله فالداعي إلى التحاكم إليهم قد دعا إلى الله وإلى رسوله أى إلى حكمهما قال ابن خويزمنداد واجب على كل من دعى إلى مجلس الحاكم أن يجيب مالم يعلم أن الحاكم فاسق قال القرطبي في هذه الآية دليل علي وجوب إجبة الداعى إلى الحاكم لأن الله سبحانه ذم من دعى إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه بأقبح الذم فقال أفى قلوبهم مرض الآية انتهى فإن كان القاضي مقصرا لا يعلم بأحكام الكتاب والسنة ولا يعقل حجج الله ومعانى كلامه وكلام رسوله بل كان جاهلا جهلا بسيطا وهو من لا علم له بشىء من ذلك أو جهلا مركبا وهو من لا علم عنده بما ذكرنا ولكنه قد عرف بعض اجتهادات المجتهدين واطلع على شىء من علم الرأى فهذا في الحقيقة جاهل وإن اعتقد أنه يعلم بشىء من العلم فاعتقاده باطل فمن كان من القضاة هكذا فلا تجب الإجابة إليه لأنه ليس ممن يعلم بحكم الله ورسوله حتى يحكم به بين المتخاصمين إليه بل هو من قضاة الطاغوت وحكام الباطل فإن ما عرفه من علم الرأي إنما رخص في العمل به للمجتهد الذى هو منسوب إليه عند عدم الدليل من الكتاب والسنة ولم يرخص فيه لغيره ممن يأتى بعده وإذا تقرر لديك هذا وفهمته حق فهمه علمت أن التقليد والانتساب إلى عالم من العلماء دون غيره والتقيد بجميع ما جاء به من رواية ورأى وإهمال ما عداه من أعظم ما حدث في هذه الملة الإسلامية من البدع المضلة والفواقر الموحشة فإنا لله وإنا إليه راجعون وقد أوضحنا هذا في مؤلفنا الذى سميناه القول المفيد في حكم التقليد وفي مؤلفنا الذى سميناه أدب الطلب ومنتهى الأرب فمن أراد أن يقف على حقيقة هذه البدعة التى طبقت الأقطار الإسلامية فليرجع إليهما
النور : ( 51 ) إنما كان قول . . . . .
ثم لما ذكر ما كان عليه أهل النفاق أتبع بما يجب على المؤمنين أن يفعلوه إذا دعوا إلى حكم الله ورسوله فقال ) إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ( قرأ الجمهور بنصب قول على أنه خبر كان واسمها أن يقولوا وقرأ علي والحسن وابن أبى إسحاق برفع قول على أنه الاسم وأن المصدرية وما فى حيزها الخبر وقد رجحت القراءة الأولى بما تقرر عند النحاة من أنه إذا اجتمع معرفتان وكانت إحداهما أعرف جعلت التى هي أعرف اسما وأما سيبويه فقد خير بين كل معرفتين ولم يفرق هذه التفرقة وقد قدمنا الكلام على الدعوة إلى الله ورسوله للحكم بين المتخاصمين وذكرنا من تجب الإجابة إليه من القضاة ومن لا تجب ) أن يقولوا سمعنا وأطعنا ( أى أن يقولوا هذا القول لا قولا آخر وهذا وإن كان على طريقة الخبر فليس المراد به ذلك بل المراد به تعليم الأدب الشرعي عند هذه الدعوة من أحد


"""""" صفحة رقم 46 """"""
المتخاصمين للآخر والمعنى أنه ينبغي للمؤمنين أن يكونوا هكذا بحيث إذا سمعوا الدعاء المذكور قابلوه بالطاعة والإذعان قال مقاتل وغيره يقولون سمعنا قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأطعنا أمره وإن كان ذلك فيما يكرهونه ويضرهم ثم أثنى سبحانه عليهم بقوله وأولئك أى المؤمنون الذين قالوا هذا القول ) هم المفلحون ( أى الفائزون بخير الدنيا والآخرة
النور : ( 52 ) ومن يطع الله . . . . .
ثم أردف الثناء عليهم بثناء آخر فقال ) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ( وهذه الجملة مقررة لما قبلها من حسن حال المؤمنين وترغيب من عداهم إلى الدخول في عدادهم والمتابعة في طاعة الله ورسوله والخشية من الله عز وجل والتقوى له قرأ حفص ويتقه بإسكان القاف على نية الجزم وقرأ الباقون بكسرها لأن جزم هذا الفعل بحذف آخره وأسكن الهاء أبو عمرو وأبو بكر واختلس الكسرة يعقوب وقالون عن نافع والمثنى عن أبى عمرو وحفص وأشبع كسرة الهاء الباقون قال ابن الأنبارى وقراءة حفص على لغة من قال لم أر زيدا ولم أشتر طعاما يسقطون الياء للجزم ثم يسكنون الحرف الذى قبلها ومنه قول الشاعر قالت سليمى اشتر لنا دقيقا
وقول الاخر
عجبت لمولود وليس له أب وذى ولد لم يلده أبوان
وأصله يلد بكسر اللام وسكون الدال للجزم فلما سكن اللام التقى ساكنان فلو حرك الأول لرجع إلى ما وقع الفرار منه فحرك ثانيهما وهو الدال ويمكن أن يقال إنه حرك الأول على أصل التقاء الساكنين وبقى السكون على الدال لبيان ما عليه أهل هذه اللغة ولا يضر الرجوع إلى ما وقع الفرار منه فهذه الحركة غير تلك الحركة والإشارة بقوله فأولئك هم الفائزون إلى الموصوفين بما ذكر من الطاعة والخشية والتقوى أى هم الفائزون بالنعيم الدنيوى والأخروى لا من عداهم
النور : ( 53 ) وأقسموا بالله جهد . . . . .
ثم حكى سبحانه عن المنافقين أنهم لما كرهوا حكمه أقسموا بأنه لو أمرهم بالخروج إلى الغزو لخرجوا فقال ) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن ( أى لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ليخرجن وجهد أيمانهم منتصب على أنه مصدر مؤكد للفعل المحذوف الناصب له أى أقسموا بالله يجهدون أيمانهم جهدا ومعنى جهد أيمانهم طاقة ما قدروا أن يحلفوا مأخوذ من قولهم جهد نفسه إذا بلغ طاقتها وأقصى وسعها وقيل هو منتصب على الحال والتقدير مجتهدين في أيمانهم كقولهم افعل ذلك جهدك وطاقتك وقد خلط الزمخشري الوجهين فجعلهما واحدا وجواب القسم قوله ليخرجن ولما كانت مقالتهم هذه كاذبة وأيمانهم فاجرة رد الله عليهم فقال ) قل لا تقسموا ( أى رد عليهم زاجرا لهم وقل لهم لاتقسموا أى لا تحلفوا على ما تزعمونه من الطاعة والخروج إلى الجهاد إن أمرتم به وهاهنا تم الكلام ثم ابتدأ فقال طاعة معروفة وارتفاع طاعة على أنها خبر مبتدأ محذوف أى طاعتهم طاعة معروفة بأنها طاعة نفاقية لم تكن عن اعتقاد ويجوز أن تكون طاعة مبتدأ لأنها قد خصصت بالصفة ويكون الخبر مقدرا أى طاعة معروفة أولى بكم من أيمانكم ويجوز أن ترتفع بفعل محذوف أى لتكن منكم طاعة أو لتوجد وفي هذا ضعف لأن الفعل لا يحذف إلا إذا تقدم ما يشعر به وقرأ زيد بن على والترمذى طاعة بالنصب على المصدر لفعل محذوف آى اطيعوا طاعة ) إن الله خبير بما تعملون ( من الأعمال وما تضمرونه من المخالفة لما تنطق به ألسنتكم وهذه الجملة تعليل لما قبلها من كون طاعتهم طاعة نفاق
النور : ( 54 ) قل أطيعوا الله . . . . .
ثم أمر الله سبحانه نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) أن يأمرهم بطاعة الله ورسوله فقال ) قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ( طاعة ظاهرة وباطنة بخلوص اعتقاد وصحة نية وهذا التكرير منه تعالى لتأكيد وجوب الطاعة عليهم فإن قوله ) قل لا تقسموا طاعة معروفة ( في حكم الأمر بالطاعة وقيل إنهما مختلفان فالأول فهي بطريق الرد والتوبيخ والثانى أمر بطريق التكليف لهم والإيجاب عليهم فإن تولوا


"""""" صفحة رقم 47 """"""
حطاب للمأمورين وأصله فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين تخفيفا وفيه رجوع من الخطاب مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى الخطاب لهم لتأكيد الأمر عليهم والمبالغة في العناية بهدايتهم إلى الطاعة والانقياد وجواب الشرط قوله ) فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ( أى فاعلموا أنما على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ما حمل مما أمر به من التبليغ وقد فعل وعليكم ما حملتم أى ما أمرتم به من الطاعة وهو وعيد لهم كأنه قال لهم فإن توليتم فقد صرتم حاملين للحمل الثقيل ) وإن تطيعوه ( فيما أمركم به ونهاكم عنه تهتدوا إلى الحق وترشدوا إلى الخير وتفوزوا بالأجر وجملة ) وما على الرسول إلا البلاغ المبين ( مقررة لما قبلها واللام إما للعهد فيراد بالرسول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) وإما للجنس فيراد كل رسول والبلاغ المبين التبيلغ الواضح أو الموضح قيل يجوز أن يكون قوله ) فإن تولوا ( ماضيا وتكون الواو لضمير الغائبين وتكون هذه الجملة الشرطية مما أمر به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يقوله لهم ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة والأول أرجح ويؤيده الخطاب في قوله ) وعليكم ما حملتم ( وفي قوله ) وإن تطيعوه تهتدوا ( ويؤيده أيضا قراءة البزى ) فإن تولوا ( بتشديد التاء وإن كانت ضعيفة لما فيها من الجمع بين ساكنين
النور : ( 55 ) وعد الله الذين . . . . .
) وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ( هذه الجملة مقررة لما قبلها من أن طاعتهم لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سبب لهدايتهم وهذا وعد من الله سبحانه لمن آمن بالله وعمل الأعمال الصالحات بالاستخلاف لهم في الأرض لما استخلف الذين من قبلهم من الأمم وهو وعد يعم جميع الأمة وقيل هو خاص بالصحابة ولا وجه لذلك فإن الإيمان وعمل الصالحات لا يختص بهم بل يمكن وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة ومن عمل بكتاب الله وسنة رسوله فقد أطاع الله ورسوله واللام في ) ليستخلفنهم في الأرض ( جواب لقسم محذوف أو جواب للوعد بتنزيله منزلة القسم لأنه ناجز لا محالة ومعنى ليستخلفنهم في الأرض ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف الملوك في مملوكالتهم وقد أبعد من قال إنها مختصة بالخلفاء الأربعة أو بالمهاجرين أو بأن المراد بالأرض أرض مكة وقد عرفت أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وظاهر قوله ) كما استخلف الذين من قبلهم ( كل من استخلفه الله في أرضه فلا يخص ذلك ببنى إسرائيل ولا أمة من الأمم دون غيرها قرأ الجمهور ) كما استخلف ( بفتح الفوقية على البناء للفاعل وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر والمفضل عن عاصم بضمها على البناء للمفعول ومحل الكاف النصب على المصدرية أى استخلافا كما أستخلف وجملة ) وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ( معطوفة على ليستخلفنهم داخلة تحت حكمه كائنة من جملة الجواب والمراد بالتمكين هنا التثبيت والتقرير أى يجعله الله ثابتا مقررا ويوسع لهم في البلاد ويظهر دينهم على جميع الأديان والمراد بالدين هنا الإسلام كما في قوله ) ورضيت لكم الإسلام دينا ( ذكر سبحانه وتعالى الاستخلاف لهم أولا وهو جعلهم ملوكا وذكر التمكين ثانيا فأفاد ذلك أن هذا الملك ليس على وجه العروض والطرو بل على وجه الاستقرار والثبات بحيث يكون الملك لهم ولعقبهم من بعدهم وجملة ) وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ( معطوفة على التى قبلها قرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب وأبو بكر ليبدلنهم بالتخفيف من أبدل وهى قراءة الحسن واختارها أبو حاتم وقرأ الباقون بالتشديد من بدل واختارها أبو عبيد وهما لغتان وزيادة البناء تدل على زيادة المعنى فقراءة التشديد أرجح من قراءة التخفيف قال النحاس وزعم أحمد بن يحيى ثعلب أن بين التخفيف والتثقيل فرقا وأنه يقال بدلته أى غيرته وأبدلته أزلته وجعلت غيره قال النحاس وهذا القول صحيح والمعنى أنه سبحانه يجعل لهم مكان ما كانوا فيه من الخوف من الأعداء أمنا ويذهب عنهم أسباب الخوف الذى كانوا فيه بحيث لايخشون إلا الله


"""""" صفحة رقم 48 """"""
سبحانه ولا يرجون غيره وقد كان المسلمون قبل الهجرة وبعدها بقليل في خوف شديد من المشركين لا يخرجون إلا في السلاح ولا يمسون ويصبحون إلا على ترقب لنزول المضرة بهم من الكفار ثم صاروا في غاية الأمن والدعة وأذل الله لهم شياطين المشركين وفتح عليهم البلاد ومهد لهم في الأرض ومكنهم منها فلله الحمد وجملة يعبدوننى في محل نصب على الحال ويجوز أن تكون مستأنفة مسوقة للثناء عليهم وجملة ) لا يشركون بي شيئا ( في محل نصب على الحال من فاعل يعبدوننى أي يعبدوني غير مشركين بى في العبادة شيئا من الأشياء وقيل معناه لايراءون بعبادتي أحدا وقيل معناه لايخافون غيرى وقيل معناه لايحبون غيري ) ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ( أى من كفر هذه النعم بعد ذلك الوعد الصحيح أو من استمر على الكفر أو من كفر بعد إيمان فأولئك الكافرون هم الفاسقون أى الكاملون في الفسق وهو الخروج عن الطاعة والطغيان في الكفر
النور : ( 56 ) وأقيموا الصلاة وآتوا . . . . .
وجملة ) وأقيموا الصلاة ( معطوفة على مقدر يدل عليه ما تقدم كأنه قيل لهم فآمنوا واعملوا صالحا وأقيموا الصلاة وقيل معطوف على وأطيعوا الله وقيل التقدير فلا تكفروا وأقيموا الصلاة وقد تقدم الكلام على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وكرر الأمر بطاعة الرسول للتأكيد وخصه بالطاعة لأن طاعته طاعة لله ولم يذكر ما يطيعونه فيه لقصد التعميم كما يشعر به الحذف على ماتقرر في علم المعاني من أن مثل هذا الحذف مشعر بالتعميم ) لعلكم ترحمون ( أى افعلوا ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول راجين أن يرحمكم الله سبحانه
النور : ( 57 ) لا تحسبن الذين . . . . .
) لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ( قرأ ابن عامر وحمزة وأبو حيوة لايحسبن بالتحتية بمعنى لاتحسبن الذين كفروا وقرأ الباقون بالفوقية أى لا تحسبن يا محمد والموصول المفعول الأول ومعجزين الثاني لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين قاله الزجاج والفراء وأبو على وأما على القراءة الأولى فيكون المفعول الأول محذوفا أى لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم قال النحاس وما علمت أحدا بصريا ولا كوفيا إلا وهو يخطئ قراءة حمزة ومعجزين معناه فائتين وقد تقدم تفسيره وتفسير ما بعده
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرح عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عن قتادة في قوله ) ويقولون آمنا بالله وبالرسول ( الآية قال أناس من المنافقين أظهروا الإيمان والطاعة وهم في ذلك يصدون عن سبيل الله وطاعته وجهاد مع رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وأخرجوا أيضا عن الحسن قال إن الرجل كان يكون بينه وبين الرجل خصومة أو منازعة على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإذا دعى إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو محق أذعن وعلم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) سيقضى له بالحق وإذا أراد أن يظلم فدعى إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أعرض وقال أنطلق إلى فلان فأنزل الله سبحانه ) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ( إلى قوله هم الظالمون فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من كان بينه وبين أخيه شىء فدعاه إلى حكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم لاحق له قال ابن كثير بعد أن ساق هذا المتن ما لفظه وهذا حديث غريب وهو مرسل وقال ابن العربي هذا حديث باطل فأما قوله فهو ظالم فكلام صحيح وأما قوله فلاحق له فلايصح ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق انتهى وأقول أما كون الحديث مرسلا فظاهر وأما دعوى كونه باطلا فمحتاجة إلى برهان فقد أخرجه ثلاثة من أئمة الحديث عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم كما ذكرنا ويبعد كل البعد أن ينفق عليهم ما هو باطل وإسناده عند ابن أبى حاتم هكذا قال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا مبارك حدثنا الحسن فذكره وليس في هؤلاء كذاب ولا وضاع ويشهد له ما أخرجه الطبراني عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من دعي إلى سلطان فلم


"""""" صفحة رقم 49 """"""
يجب فهو ظالم لا حق له أنتهى ولا يخفاك أن قضاء العدل وحكام الشرع الذين هم على الصفة التي قدمنا لك قريبا هم سلاطين الدين المترجمون عن الكتاب والسنة المبينون للناس ما نزل إليهم وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال أتى قوم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا يا رسول الله لو أمرتنا أن نخرج من أموالنا لخرجنا فأنزل الله ) وأقسموا بالله جهد أيمانهم ( الآية وأخرج ابن أبى حاتم عن مقاتل في الآية قال ذلك في شأن الجهاد قال يأمرهم أن لا يحلفوا على شيء ) طاعة معروفة ( قال أمرهم أن يكون منهم طاعة معروفة للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) من غير أن يقسموا وأخرج ابن المنذر عن مجاهد طاعة معروفة يقول قد عرفت طاعتهم أى إنكم تكذبون به وأخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال قدم زيد بن أسلم على رسول الله صلى الله وآله وسلم فقال أرأيت إن كان علينا أمراء يأخذون منا الحق ولايعطونا قال فإنما عليهم ماحملوا وعليكم ماحملتم وأخرج ابن جرير وابن قانع والطبراني عن علقمة بن وائل الحضرمي عن سلمة بن يزيد الجعفي قال قلت يا رسول فذكر نحوه وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن الزبير عن جابر أنه سئل إن كان على إمام فاجر فلقيت معه أهل ضلالة أقاتل أم لا قال قاتل أهل الضلالة أينما وجدتهم وعلى الإمام ماحمل وعليكم ماحملتم وأخرج ابن أبى حاتم وابن مردويه عن البراء في قوله ) وعد الله الذين آمنوا منكم ( الآية قال فينا نزلت ونحن في خوف شديد وأخرج عبد بن حميد وابن أبى حاتم عن أبى العالية قال كان النبي صلى الله عليه واله وسلم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وعبادته وحده لاشريك له سرا وهم خائفون لايؤمرون بالقتال حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة فقدموا المدينة فأمرهم الله بالقتال وكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح فغبروا بذلك ماشاء الله ثم إن رجلا من أصحابه قال يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا ما يأتى علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لن تغبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيهم حديدة فأنزل الله ) وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ( إلى آخر الآية فأظهر الله نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) على جزيرة العرب فأمنوا ووضعوا السلاح ثم إن الله قبض نبيه فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبى بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا وكفروا النعمة فأدخل الله عليهم الخوف الذى كان رفع عنهم واتخذوا الحجر والشرط وغيروا فغير مابهم وأخرج ابن المنذر والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقى في الدلائل والضياء في المختارة عن أبى بن كعب قال لما قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحد فكانوا لايبيتون إلا في السلاح ولايصبحون إلا فيه فقالوا أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله فنزلت ) وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ( الآية وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ) يعبدونني لا يشركون بي شيئا ( قال لايخافون أحدا غيرى وأخرج الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد مثله قال ) ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ( العاصون وأخرج عبد بن حميد عن أبى العالية قال كفر بهذه النعمة ليس الكفر بالله وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ) معجزين في الأرض ( قال سابقين في الأرض


"""""" صفحة رقم 50 """"""
سورة النور 58 61 )
النور : ( 58 ) يا أيها الذين . . . . .
لما فرغ سبحانه من ذكر ماذكره من دلائل التوحيد رجع إلى ما كان فيه من الاستئذان فذكره هاهنا على وجه أخص فقال ) يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ( والخطاب للمؤمنين وتدخل المؤمنات فيه تغليبا كما في غيره من الخطابات قال العلماء هذه الآية خاصة ببعض الأوقات واختلفوا في المراد بقوله ليستأذنكم على أقوال الأول أنها منسوخة قاله سعيد بن المسيب وقال سعيد بن جبير إن الأمر فيها للندب لا للوجوب وقيل كان ذلك واجبا حيث كانوا لا أبواب لهم ولو عاد الحال لعاد الوجوب حكاه المهدوى عن ابن عباس وقيل إن الأمر هاهنا للوجوب وإن الآية محكمة غير منسوخة وأن حكمها ثابت على الرجال والنساء قال القرطبى وهو قول أكثر أهل العلم وقال أبو عبد الرحمن السلمى إنها خاصة بالنساء وقال ابن عمر هى خاصة بالرجال دون النساء والمراد بقوله ) ملكت أيمانكم ( العبيد والإماء والمراد بالذين لم يبلغوا الحلم الصبيان منكم أي من الأحرار ومعنى ثلاث مرات ثلاثة أوقات في اليوم والليلة وعبر بالمرات عن الأوقات لأن أصل وجوب الاستئذان هو بسبب مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا نفس الأوقات وانتصاب ثلاث مرات على الظرفية الزمانية أى ثلاثة أوقات ثم فسر تلك الأوقات بقوله ) من قبل صلاة الفجر ( الخ أو منصوب على المصدرية أى ثلاث استئذانات ورجح هذا أبو حيان فقال والظاهر من قوله ثلاث مرات ثلات استئذانات ورجع هذا أبو حيان فقال والظاهر من قوله ثلاث مرات ثلاث استتذانات لأنك إذا قلت ضربتك ثلاث مرات لايفهم منه إلا ثلاث ضربات ويرد بأن الظاهر هنا متروك للقرينة المذكورة وهو التفسير بالثلاثة الأوقات قرأ الحسن وأبو عمرو في رواية الحلم بسكون اللام وقرأ الباقون بضمها قال الأخفش الحلم من حلم الرجل بفتح اللام ومن الحلم حلم بضم اللام يحلم بكسر اللام


"""""" صفحة رقم 51 """"""
ثم فسر الثلاث المرات فقال ) من قبل صلاة الفجر ( وذلك لأنه وقت القيام عن المضاجع وطرح ثياب النوم وليس ثياب اليقظة وربما يبيت عريانا أو على حال لايحب أن يراه غيره فيها ومحله النصب على أنه بدل من ثلاث ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أى هى من قبل وقوله ) وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ( معطوف على محل ) من قبل صلاة الفجر ( ومن فى من الظهيرة للبيان أو بمعنى فى أو بمعنى اللام والمعنى حين تضعون ثيابكم التى تلبسونها في النهار من شدة حر الظهيرة وذلك عند انتصاف النهار فإنهم قد يتجردون عن الثياب لأجل القيلولة ثم ذكر سبحانه الوقت الثالث فقال ) ومن بعد صلاة العشاء ( وذلك لأنه وقت التجرد عن الثياب والخلوة بالأهل ثم أجمل سبحانه هذه الأوقات بعد التفصيل فقال ) ثلاث عورات لكم ( قرأ الجمهور ثلاث عورات برفع ثلاث وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بالنصب على البدل من ثلاث مرات قال ابن عطية إنما يصح البدل بتقدير أوقات ثلاث عورات فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ويحتمل أنه جعل نفس ثلاث مرات نفس ثلاث عورات مبالغة ويجوز أن يكون ثلاث عورات بدلا من الأوقات المذكورة أى من قبل صلاة الفجر الخ ويجوز أن تكون منصوبة بإضمار فعل أى أعنى ونحوه وأما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أى هن ثلاث قال أبو حاتم النصب ضعيف مردود وقال الفراء الرفع أحب إلى قال وإنما اخترت الرفع لأن المعنى هذه الخصال ثلاث عورات وقال الكسائي إن ثلاث عورات مرتفعة بالابتداء والخبر ما بعدها قال والعورات الساعات التي تكون فيها العورة قال الزجاج المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وعورات جمع عورة والعورة في الأصل الخلل ثم غلب فى الخلل الواقع فيما يهم حفظه ويتعين ستره أى هى ثلاث أوقات يختل فيها الستر وقرأ الأعمش عورات بفتح الواو وهى لغة هذيل وتميم فإنهم يفتحون عين فعلات سواء كان واو أو ياء ومنه أخو بيضات رايح متأوب
رفيق بمسح المنكبين سبوح
وقوله أبو بيضات رايح أو مبعد
عجلان ذا زاد وغير مزود
ولكم متعلق بمحذوف هو صفة لثلاث عورات أى كائنة لكم والجملة مستأنفة مسوقة لبيان علة وجوب الاستئذان ) ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ( أى ليس على المماليك ولا على الصبيان جناح أى إثم في الدخول بغير استئذان لعدم ما يوجبه من مخالفة الأمر والاطلاع علي العورات ومعنى بعدهن بعد كل واحدة من هذه العورات الثلاث وهى الأوقات المتخللة بين كل اثنين منها وهذه الجملة مستأنفة مقررة للأمر بالأستئذان في تلك الأحوال خاصة ويجوز أن تكون في محل رفع صفة لثلاث عورات على قراءة الرفع فيها قال أبو البقاء بعدهن أى بعد استئذانهم فيهن ثم حذف حرف الجر والمجرور فبقى بعد استئذانهم ثم حذف المصدر وهو الاستئذان والضمير المتصل به ورد بأنه لا حاجة إلى هذا التقدير الذى ذكره بل المعنى ليس عليكم جناح ولا عليهم أى العبيد والإماء والصبيان جناح في عدم الاستئذان بعد هذه الأوقات المذكورة وارتفاع طوافون على أنه خبر مبتدأ محذوف أى هم طوافون عليكم والجملة مستأنفة مبينة للعذر المرخص في ترك الاستئذان قال الفراء هذا كقولك في الكلام هم خدمكم وطوافون عليكم وأجاز أيضا نصب طوافين لأنه نكرة والمضمر فى عليكم معرفة ولايجيز البصريون أن تكون حالا من المضمرين اللذين في عليكم وفى بعضكم لاختلاف العاملين ومعنى طوافون عليكم أى يطوفون عليكم عليكم ومنه الحديث في الهرة


"""""" صفحة رقم 52 """"""
إنما هى من الطوافين عليكم أو الطوافات أى هم خدمكم فلا بأس أن يدخلوا عليكم في غير هذه الأوقات بغير إذن ومعنى ) بعضكم على بعض ( بعضكم يطوف أو طائف على بعض وهذه الجملة بدل مما قبلها أو مؤكدة لها والمعنى أن كلا منكم يطوف على صاحبه العبيد على الموالى والموالى على العبيد ومنه قول الشاعر ولما قرعنا النبع بالنبع بعضه
ببعض أبت عيدانه أن تكسرا
وقرأ ابن أبي عبلة طوافين بالنصب على الحال كما تقدم عن الفراء وإنما أباح سبحانه الدخول في غير تلك الأوقات الثلاثة بغير استئذان لأنها كانت العادة أنهم لايكشفون عوراتهم في غيرها والإشارة بقوله ) كذلك يبين الله لكم الآيات ( إلى مصدر الفعل الذى بعده كما فى سائر المواضع في الكتاب العزيز أى مثل ذلك التبيين يبين الله لكم الايات الدالة على ما شرعه لكم من الأحكام ) والله عليم حكيم ( كثير العلم بالمعلومات وكثير الحكمة فى أفعاله
النور : ( 59 ) وإذا بلغ الأطفال . . . . .
) وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ( بين سبحانه هاهنا حكم الأطفال الأحرار إذا بلغوا الحلم بعد مابين فيما مر حكم الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم في أنه لاجناح عليهم في ترك الاستئذان فيما عدا الأوقات الثلاثة فقال فليستأذنوا يعنى الذين بلغوا الحلم إذا دخلوا عليكم ) كما استأذن الذين من قبلهم ( والكاف نعت مصدر محذوف أى استئذانا كما استأذن الذين من قبلهم والموصول عبارة عن الذين قيل لهم ) لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ( الآية والمعنى أن هؤلاء الذين بلغوا الحلم يستأذنون في جميع الأوقات كما استأذن الذين من قبلهم من الكبار الذين أمروا بالاستئذان من غير استثناء ثم كرر ما تقدم للتأكيد فقال ) كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم ( وقرأ الحسن الحلم فحذف الضمة لثقلها قال عطاء واجب على الناس أن يستأذنوا إذا احتلموا أحرارا كانوا أو عبيدا وقال الزهري يستأذن الرجل على أمه وفى هذا المعنى نزلت هذه الآية
النور : ( 60 ) والقواعد من النساء . . . . .
والمراد بالقواعد من النساء العجائز التي قعدن عن الحيض والولد من الكبر واحدتها قاعد بلا هاء ليدل حذفها على أنه قعود الكبر كما قالوا امرأة حامل ليدل بحذف الهاء على أنه حمل حبل ويقال قاعدة في بيتها وحاملة على ظهرها قال الزجاج هن اللاتى قعدن عن التزويج وهو معنى قوله ) اللاتي لا يرجون نكاحا ( أى لايطمعن فيه لكبرهن وقال أبو عبيدة اللاتى قعدن عن الولد وليس هذا بمستقيم لأن المرأة تقعد عن الولد وفيها مستمعتع ثم ذكر سبحانه حكم القواعد فقال ) فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ( أى الثياب التي تكون على ظاهر البدن كالجلباب ونحوه لا الثياب التى على العورة الخاصة وإنما جاز لهن لانصراف الأنفس عنهن إذ لا رغبة للرجال فيهن فأباح الله سبحانه لهن مالم يبحه لغيرهن ثم استثنى حالة من حالاتهن فقال ) غير متبرجات بزينة ( أى غير مظهرات للزينة التى أمرت بإخفائها في قوله ) ولا يبدين زينتهن ( والمعنى من غير أن يردن بوضع الجلابيب إظهار زينتهن ولا متعرضات بالتزين لينظر إليهن الرجال والتبرج التكشف والظهور للعيون ومنه بروج مشيدة وبروج السماء ومنه قولهم سفينة بارجة أى لاغطاء عليها ) وأن يستعففن خير لهن ( أى وأن يتركن وضع الثياب فهو خير لهن من وضعها وقرأ عبد الله بن مسعود وأبى بن كعب وابن عباس ? أن يضعن من ثيابهن ? بزيادة من وقرأ ابن مسعود وان يعففن بغير سين ? والله سيمع عليم ? كثير السماع والعلم أو بليغهما
النور : ( 61 ) ليس على الأعمى . . . . .
) ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ( اختلف أهل العلم في هذه الاية هل هي محكمة إو منسوخة قال بالأول جماعة من العلماء وبالثاني جماعة قيل إن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما فى بيوتنا فكانوا يتحرجون من ذلك وقالوا لا ندخلها وهم غيب فنزلت هذه الآية رخصة لهم فمعنى الآية نفى الحرج عن


"""""" صفحة رقم 53 """"""
الزمنى في أكلهم من بيوت أقاربهم أو بيوت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج للغزو قال النحاس وهذا القول من أجل ماروى في الآية لما فيه من الصحابة والتابعين من التوقيف وقيل إن هؤلاء المذكورين كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء حذارا من استقذارهم إياهم وخوفا من تأذيهم بأفعالهم فنزلت وقيل إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به القدرة الكاملة على المشي على وجه يتعذر الإتيان به مع العرج وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه وقيل المراد بهذا الحرج المرفوع عن هؤلاء هو الحرج في الغزو أى لاحرج على هؤلاء في تأخرهم عن الغزو وقيل كان الرجل إذا أدخل أحدا من هؤلاء الزمنى إلى بيته فلم يجد فيه شيئا يطعمهم إياه ذهب بهم إلى بيوت قرابته فيتحرج الزمنى من ذلك فنزلت ومعنى قوله ) ولا على أنفسكم ( عليكم وعلى من يماثلكم من المؤمنين ) أن تأكلوا ( زنتم ومن معكم وهذا ابتداء كلام أى ولا عليكم أيها الناس والحاصل أن رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض إن كان باعتبار مؤاكلة الأصحاء أو دخول بيوتهم فيكون ولا على أنفسكم متصلا بما قبله وإن كان رفع الحرج عن أولئك باعتبار التكاليف التي يشترط فيها وجود البصر وعدم العرج وعدم المرض فقوله ) ولا على أنفسكم ( ابتداء كلام غير متصل بما قبله ومعنى ) من بيوتكم ( البيوت التى فيها متاعهم وأهلهم فيدخل بيوت الأولاد كذا قال المفسرون لأنها داخلة في بيوتهم لكون بيت ابن الرجل بيته فلذا لم يذكر سبحانه بيوت الأولاد وذكر بيوت الاباء وبيوت الأمهات ومن بعدهم قال النحاس وعارض بعضهم هذا فقال هذا تحكم على كتاب الله سبحانه بل الأولى في الظاهر أن يكون الابن مخالفا لهؤلاء ويجاب عن هذه المعارضة بأن رتبة الأولاد بالنسبة إلى الآباء لا تنقص عن رتبة الآباء بالنسبة إلى الأولاد بل للآباء مزيد خصوصية في أموال الأولاد لحديث أنت ومالك لأبيك وحديث ولد الرجل من كسبه ثم قد ذكر الله سبحانه هاهنا بيوت الإخوة والأخوات بل بيوت الأعمام والعمات بل بيوت الأخوال والخالات فكيف ينفى سبحانه الحرج عن الأكل من بيوت هؤلاء ولا ينفيه عن بيوت الأولاد وقد قيد بعض العلماء جواز الأكل من بيوت هؤلاء بالإذن منهم وقال آخرون لايشترط الإذن قيل وهذا إذا كان الطعام مبذولا فإن كان محرزا دونهم لم يجز لهم أكله ثم قال سبحانه ) أو ما ملكتم مفاتحه ( أى البيوت التي تملكون التصرف فيها بإذن أربابها وذلك كالوكلاء والعبيد والخزان فإنهم يملكون التصرف في بيوت من أذن لهم بدخول بيته وإعطائهم مفاتحه وقيل المراد بها بيوت المماليك قرأ الجمهور ملكتم بفتح الميم وتخفيف اللام وقرأ سعيد بن جبير بضم الميم وكسر اللام مع تشديدها وقرأ أيضا مفاتيحه بياء بين التاء والحاء وقرأ قتادة مفاتحه على الإفراد والمفاتح جمع مفتح والمفاتيح جمع مفتاح أو صديقكم أى لا جناح عليكم أن تأكلوا من بيوت صديقكم وإن لم يكن بينكم وبينه قرابة فرن الصديق في الغالب يسمح لصديقه بذلك وتطيب به نفسه والصديق يطلق على الواحد والجمع ومنه قول جرير
دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا
بأسهم أعداء وهن صديق
ومثله العدو والخليط والقطين والعشير ثم قال سبحانه ) ليس عليكم جناح أن تأكلوا ( من بيوتكم ) جميعا أو أشتاتا ( انتصاب جميعا وأشتاتا على الحال والأشتات جمع شت والشت المصدر بمعنى التفرق يقال شت القوم أى تفرقوا وهذه الجملة كلام مستأنف مشتمل على بيان حكم آخر من جنس ما قبله أي ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم مجتمعين أو متفرقين وقد كان بعض العرب يتحرج أن يأكل وحده حتى يجد له أكيلا يؤاكله فيأكل معه وبعض العرب كان لا يأكل إلا مع ضيف ومنه قول حاتم


"""""" صفحة رقم 54 """"""
اذا ما صنعت الزاد فالتمسى له
أكيلا فإني لست آكله وحدي
) فإذا دخلتم بيوتا ( هذا شروع في بيان أدب آخر أدب به عباده أى إذا دخلتم بيوتا غير البيوت التى تقدم ذكرها ) فسلموا على أنفسكم ( أي على أهلها الذين هم بمنزلة أنفسكم وقيل المراد البيوت المذكورة سابقا وعلى القول الأول فقال الحسن والنخعى هى المساجد والمراد سلموا على من فيها من صنفكم فإن لم يكن فى المساجد أحد فقيل يقول السلام على رسول الله وقيل يقول السلام عليكم مريدا للملائكة وقيل يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وقال بالقول الثاني أعنى أنها البيوت المذكورة سابقا جماعة من الصحابة والتابعين وقيل المراد بالبيوت هنا هى كل البيوت المسكونة وغيرها فيسلم على أهل المسكونة وأما غير المسكونة فيسلم على نفسه قال ابن العربي القول بالعموم في البيوت هو الصحيح وانتصاب تحية على المصدرية لأن قوله فسلموا معناه فحيوا أى تحية ثابتة ) من عند الله ( أى إن الله حياكم بها وقال الفراء أى إن الله أمركم أن تفعلوها طاعة له ثم وصف هذه التحية فقال مباركة أى كثيرة البركة والخير دائمتهما طيبة أى تطيب بها نفس المستمع وقيل حسنة جميلة وقال الزجاج أعلم الله سبحانه أن السلام مبارك طيب لما فيه من الأجر والثواب ثم كرر سبحانه فقال ) كذلك يبين الله لكم الآيات ( تأكيدا لما سبق وقد قدمنا أن الإشارة بذلك إلى مصدر الفعل ) لعلكم تعقلون ( تعليل لذلك التبيين برجاء تعقل آيات الله سبحانه وفهم معانيها
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال بلغنا أن رجلا من الأنصار وامرأته أسماء بنت مرشدة صنعا للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) طعاما فقالت أسماء يا رسول الله ما أقبح هذا إنه ليدخل على المرأة وزوجها وهما فيب ثوب واحد غلامهما بغير إذن فأنزل الله في ذلك ) يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ( يعنى العبيد والإماء ) والذين لم يبلغوا الحلم منكم ( قال من أحراركم من الرجال والنساء وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى في هذه الآية قال كان أناس من أصحاب رسول الله عليه وآله وسلم يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لايدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن وأخرج ابن مردويه عن ثعلبة القرظى عن عبد الله بن سويد قال سألت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن العورات الثلاث فقال إذا أنا وضعت ثيابى بعد الظهيرة لم يلج على أحد من الخدم من الذين لم يبلغوا الحلم ولا أحد لم يبلغ الحلم من الأحرار إلا بإذن وإذا وضعت ثيابى بعد صلاة العشاء ومن قبل صلاة الصبح وأخرجه عبد بن حميد والبخارى في الأدب عن عبد الله بن سويد من قوله وأخرج نحوه أيضا ابن سعد عن سويد بن النعمان وأخرج سعيد بن منصور وابن وأبي شيبة وأبو داود وابن مردويه والبيهقى في سننه عن ابن عباس قال إنه لم يؤمن بها أكثر الناس يعنى آية الإذن وإنى لآمر جاريتى هذه لجارية قصيرة قائمة على رأسه أن تستأذن علي وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس قال ترك الناس ثلاث آيات لم يعملوا بهن ) يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ( والاية التي في سورة النساء ) وإذا حضر القسمة ( الاية والآية التي في الحجرات ) إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( وأخرج ابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى في السنن عنه أيضا في الآية قال إذا خلا الرجل بأهله بعد العشاء فلايدخل عليه صبي ولا خادم إلا بإذنه حتى يصلى الغداة وإذا خلا بأهله عند الظهر فمثل ذلك ورخص لهم فى الدخول فيما بين ذلك بغير إذن وهو قوله ) ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ( فأما من بلغ الحلم فإنه لايدخل على الرجل وأهله إلا بإذن على كل حال وهو قوله ) وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ( وأخرج أبو داود ابن


"""""" صفحة رقم 55 """"""
المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه والبيهقى في السنن بسند صحيح من طريق عكرمة عنه أيضا أن رجلا سأله عن الاستئذان في الثلاث العورات التى أمر الله بها فى القران فقال ابن عباس إن الله ستير يحب الستر وكان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حجاب في بيوتهم فربما فجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيم في حجره وهو على أهله فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التى سمى الله ثم جاء الله بعد بالستور فبسط عليهم في الرزق فاتخذوا الستور واتخذوا الحجاب فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذى أمروا به وأخرج ابن أبي شيبة والبخارى في الأدب وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر في قوله ) ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ( قال هى على الذكور دون الإناث ولا وجه لهذا التخصيص فالاطلاع على العورات في هذه الأوقات كما يكرهه الأنسان من الذكور يكرهه من الإناث وأخرج ابن مردويه عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآل وسلم في الآية قالت نزلت في النساء أن يستأذن علينا وأخرج الحاكم وصححه عن على في الاية قال النساء فإن الرجال يستأذنون وأخرج الفريابى وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عن أبى عبد الرحمن السلمى فى هذه الآية قال هى فى السناء خاصه الرجال يستأذنون على كل حال بالليل والنهار وأخرج الفريابى عن موسى بن أبى عائشة قال سألت الشعبى عن هذه الآية أمنسوخة هى قال لا وأخرج سعيد بن منصور والبخارى في الأدب وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه عن عطاء أنه سأل ابن عباس أأستأذن على أختى قال نعم قلت إنها في حجرى وإنى أنفق عليها وإنها معى في البيت أأستأذن عليها قال نعم إن الله يقول ) ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ( الآية فلم يؤمر هؤلاء بالإذن إلا فى هؤلاء العورات الثلاث قال ) وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ( فالإذن واجب على كل خلق الله أجمعين وأخرج ابن أبى شيبة وابن جرير والبيهقى في سننه عن ابن مسعود قال عليكم إذن على أمهاتكم وأخرج سعيد بن منصور والبخارى في الأدب عنه قال يستأذن الرجل على أبيه وأمه وأخيه وأخته وأخرج ابن أبى شيبة والبخارى في الأدب عن جابر نحوه وأخرج ابن جرير والبيهقى في السنن عن عطاء بن يسار أن رجلا قال يا رسول الله أأستأذن على أمى قال نعم قال إنى معها في البيت قال استأذن عليها قال إنى خادمها أفأستأذن عليها كلما دخلت قال أتحب أن تراها عريانة قال لا قال فاستأذن عليها وهو مرسل وأخرج ابن أبى شيبة نحوه عن زيد بن أسلم أن رجلا سأل النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وهو أيضا مرسل واخرج أبو داود والبيهقى في السنن عن ابن عباس ) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ( الاية فنسخ واستثنى من ذلك ) والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا ( الآية وزخرج ابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى في السنن عنه قال هى المرأة لاجناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار وتضع عليها الجلباب مالم تتبرج بما يكرهه الله وهو قوله ) فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ( وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن المنذر وابن الأنبارى في المصاحف والبيهقى عن ابن عباس أنه كان يقرأ ) أن يضعن ثيابهن ( ويقول هو الجلباب وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عمر في الآية قال تضع الجلباب وأخرج عبد الرزاق والفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبرانى والبيهقى في السنن عن ابن مسعود ) أن يضعن ثيابهن ( قال الجلباب والرداء وأخرج ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير قال لما نزلت ) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ( قالت الأنصار ما بالمدينة مال أعز من الطعام كانوا يتحرجون أن


"""""" صفحة رقم 56 """"""
يأكلوا مع الأعمى يقولون إنه لايبصر موضع الطعام وكانوا يتحرجون الأكل مع الأعراج يقولون الصحيح يسبقه إلى المكان ولايستطيع أن يزاحم ويتحرجون الأكل مع المريض يقولون لايستطيع أن يأكل مثل الصحيح وكانوا يتحرجون أن يأكلوا في بيوت أقاربهم فنزلت ) ليس على الأعمى ( يعنى في الأكل مع الأعمى وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عن مقسم نحوه وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى عن مجاهد قال كان الرجل يذهب بالأعمى أو الأعرج أو المريض إلى بيت أبيه أو بيت أخيه أو بيت عمه أو بيت عمته أو بيت خاله أو بيت خالته فكان الزمنى يتحرجون من ذلك يقولون إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم فنزلت هذه الآية رخصة لهم وأخرج البزار وابن أبى حاتم وابن مردويه وابن النجار عن عائشة قالت كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول ( صلى الله عليه وسلم ) فيدفعون مفاتيحهم إلى أمنائهم ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما احتجتم إليه فكانوا يقولون إنه لايحل لنا أن نأكل إنهم أذنوا لنا من غير طيب نفس وإنما نحن زمنى فأنزل الله ) ولا على أنفسكم أن تأكلوا ( إلى قوله ) أو ما ملكتم مفاتحه ( وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى عن ابن عباس قال لما نزلت يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل قال المسلمون إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل والطعام هو أفضل الأموال فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد فكف الناس عن ذلك فأنزل الله ) ليس على الأعمى حرج ( إلى قوله ) أو ما ملكتم مفاتحه ( وهو الرجل يوكل الرجل بضيعته والذى رخص الله أن يأكل من ذلك الطعام والتمر ويشرب اللبن وكانوا أيضا يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره فرخص الله لهم فقال ) ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ( وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن الضحاك قال كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لا يخالطهم في طعامهم زعمى ولا مريض ولا أعرج لايستطع المزاحمة علي الطعام فزلت رخصة في مؤاكلتهم وزخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود فى مراسيله وابن جرير والبيهقى عن الزهرى أنه سئل عن قوله ) ليس على الأعمى حرج ( ما بال الأعمى والأعرج والمريض ذكروا هنا فقال أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن المسلمين كانوا وإذا غزوا خلفوا زمناهم وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم يقولون قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما فى بيوتنا وكانوا يتحرجون من ذلك يقولون لاندخلها وهم غيب فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبى حاتم عن قتادة قال كان هذا الحى من بنى كنانة بن خزيمة يرى أحدهم أن عليه مخزاة آن يأكل وحده في الجاهلية حتى إن كان الرجل يسوق الزود الحفل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه فأنزل الله ) ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ( وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة وأبى صالح قالا كانت الأنصار إذا نزل بهم الضيف لايأكلون حتى يأكل الضيف معهم فنزلت رخصة لهم وأخرج الثعلبى عن ابن عباس في الآية قال خرج الحارث غازيا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وخلف على أهله خالد بن يزيد فحرج أن يأكل من طعامه وكان مجهودا فنزلت وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عن قتادة فى قوله أو صديقكم قال إذا دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته ثم أكلت من طعامه بغير إذنه لم يكن بذلك بأس وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن زيد في قوله أو صديقكم قال هذا شىء قد انقطع إنما كان هذا فى أوله ولم يكن لهم أبواب وكانت الستور مرخاة فربما دخل البيت وليس فيه أحد فربها وجد الطعام وهو جائع فسوغه الله أن يأكله وقال ذهب ذلك اليوم البيوت فيها أهلها فإذا خرجوا أغلقوا فقد ذهب ذلك


"""""" صفحة رقم 57 """"""
وأخرج ابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى عن ابن عباس في قوله ) فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ( يقول إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أنفسكم ) تحية من عند الله ( وهو السلام لأنه اسم الله وهو تحية أهل الجنة وأخرج البخارى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله ) مباركة طيبة ( وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والحاكم وصححه والبيهقى في الشعب عن ابن عباس في قوله ) فسلموا على أنفسكم ( قال هو المسجد إذا دخلته فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وأخرج ابن أبى شيبة والبخارى في الأدب عن ابن عمر قال إذا دخل البيت غير المسكون أو المسجد فليقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين
سورة النور 62 64
النور : ( 62 ) إنما المؤمنون الذين . . . . .
جملة ) إنما المؤمنون ( مستأنفة مسوقة لتقدير ما تقدمها من الأحكام وإنما من صيغ الحصر والمعنى لايتم إيمان ولايكمل حتى يكون بالله ورسوله وجملة ) وإذا كانوا معه على أمر جامع ( معطوفة على آمنوا داخلة معه في حيز الصلة أى إذا كانوا مع رسول الله على أمر جامع أى على طاعة يجتمعون عليها نحو الجمعة والنحر والفطر والجهاد وأشباه ذلك وسمى الأمر جامعا مبالغة ) لم يذهبوا حتى يستأذنوه ( قال المفسرون كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر لم يخرج حتى يقوم بحيال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حيث يراه فيعرف أنه إنما قام ليستأذن فيأذن لمن يشاء منهم قال مجاهد وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده قال الزجاج أعلم الله أن المؤمنين إذا كانوا مع نبيه فيما يحتاج فيه إلى الجماعة لم يذهبوا حتى يستأذنوه وكذلك ينبغي أن يكونوا مع الإمام لايخالفونه ولايرجعون عنه في جمع من جموعهم إلا بإذنه وللإمام أن يأذن وله أن لايأذن على ما يرى لقوله تعالى ) فأذن لمن شئت منهم ( وقرأ اليمانى على أمر جميع والحاصل أن الأمر الجامع أو الجميع هو الذى يعم نفعه أو ضرره وهو الأمر الجليل الذى يحتاج إلى اجتماع أهل الرأي والتجارب قال العلماء كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن ثم قال سبحانه ) إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ( فبين سبحانه ءان المستأذنين هم المؤمنون بالله ورسوله كما حكم أولا بأن المؤمنين الكاملين الإيمان هم الجامعون بين الإيمان بهما وبين الاستئذان ) فإذا استأذنوك لبعض شأنهم ( أى استأذن المؤمنون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )


"""""" صفحة رقم 58 """"""
لبعض الأمور التى تهمهم فإنه يأذن لمن شاء منهم ويمنع من شاء على حسب ما تقتضيه المصلحة التى يراها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثم أرشده الله سبحانه إلى الاستغفار لهم وفيه إشارة إلى أن الاستئذان إن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الاخرة ) إن الله غفور رحيم ( أى كثير المغفرة والرحمة بالغ فيهما إلى الغاية التى ليس وراءها غاية
النور : ( 63 ) لا تجعلوا دعاء . . . . .
) لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ( وهذه الجملة مستأنفة مقررة لما قبلها أي لاتجعلوا دعوته إياكم كالدعاء من بعضكم لبعض في التساهل في بعض الأحوال عن الإجابة أو الرجوع بغير استئذان أو رفع الصوت وقال سعيد بن جبير ومجاهد المعنى قولوا يا رسول الله في رفق ولين ولا تقولوا يا محمد بتجهم وقال قتادة أمرهم أن يشرفوه ويفخموه وقيل المعنى لا تتعرضوا لدعاء الرسول عليكم بإسخاطه فإن دعوته موجبة ) قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ( التسلل الخروج في خفية يقال تسلل فلان من بين أصحابه إذا خرج من بينهم واللواذ من الملاوذة وهو أن تستتر بشيء مخافة من يراك وأصله أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا واللوذ ما يطيف بالجبل وقيل اللواذ الزوغان من شىء إلى شىء في خفية وانتصاب لواذا على الحال أى متلاوذين يلوذ بعضهم ببعض وينضم إليه وقيل هو منتصب على المصدرية لفعل مضمر هو الحال في الحقيقة أى يلوذون لواذا وقرأ زيد بن قطيب لواذا بفتح اللام وفي الآية بيان ما كان يقع من المنافقين فإنهم كانوا يتسللون عن صلاة الجمعة متلاوذين ينضم بعضهم إلى بعض استتارا من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقد كان يوم الجمعة أثقل يوم على المنافقين لما يرون من الاجتماع للصلاة والخطبة فكانوا يفرون على الحضور ويتسللون في خفية ويستتر بعضهم ببعض وينضم إليه وقيل اللواذ الفرار من الجهاد وبه قال الحسن ومنه قول حسان
وقريش تجول منكم لواذا
لم تحافظ وجف منها الحلوم
) فليحذر الذين يخالفون عن أمره ( الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أى يخالفون أمر النبى ( صلى الله عليه وسلم ) بترك العمل بمقتضاه وعدى فعل المخالفة بعن مع كونه متعديا بنفسه لتضمينه معنى الإعراض أو الصد وقيل الضمير لله سبحانه لأنه الآمر بالحقيقة ) أن تصيبهم فتنة ( مفعول يحذر وفاعلة الموصول والمعنى فليحذر المخالفون عن أمر الله أو أمر رسوله أو أمرهما جميعا إصابة فتنة لهم ) أو يصيبهم عذاب أليم ( أى في الآخرة كما أن الفتنة التى حذرهم من إصابتها لهم هى في الدنيا وكلمة أو لمنع الخلو قال القرطبى احتج الفقهاء على أن الأمر للوجوب بهذه الآية ووجه ذلك أن الله سبحانه قد حذر من مخالفة أمره وتوعد بالعقاب عليها بقوله ) أن تصيبهم فتنة ( الآية فيجب امتثال أمره وتحرم مخالفته والفتنة هنا غير مقيدة بنوع من أنواع الفتن وقيل هي القتل وقيل الزلازل وقيل تسلط سلطان جائر عليهم وقيل الطبع على قلوبهم قال أبو عبيدة والأخفش عن فى هذا الموضع زائدة وقال الخليل وسيبويه ليست بزائدة بل هى بمعنى بعد كقوله ) ففسق عن أمر ربه ( أى بعد أمر ربه والأولى ما ذكرناه من التضمين
النور : ( 64 ) ألا إن لله . . . . .
) ألا إن لله ما في السماوات والأرض ( من المخلوقات بأسرها فهى ملكه ) قد يعلم ما أنتم عليه ( أيها العباد من الأحوال التي أنتم عليها فيجازيكم بحسب ذلك ويعلم هاهنا بمعنى علم ويوم يرجون إليه معطوف على ما أنتم عليه أى يعلم ما أنتم عليه ويعلم يوم يرجعون إليه فيجازيكم فيه بما عملتم وتعليق علمه سبحانه بيوم يرجعون لابنفس رجعهم لزيادة تحقيق علمه لأن العلم بوقت وقوع الشىء يستلزم العلم بوقوعه على أبلغ وجه ) فينبئهم بما عملوا ( أى يخبرهم بما عملوا من الأعمال التى من جملتها مخالفة الأمر والظاهر من السياق أن هذا الوعيد للمنافقين ) والله بكل شيء عليم ( لايخفى عليه شىء من أعمالهم


"""""" صفحة رقم 59 """"""
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن إسحاق وابن المنذر والبيهقى فى الدلائل عن عروة ومحمد بن كعب القرظى قالا لما أقبلت قريش عام الأحزاب نزلوا بمجمع الأسيال من رومة بئر بالمدينة قائدها أبو سفيان وأقبلت غطفان حتى نزلوا بنقمى إلى جانب أحد وجاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الخبر فضرب الخندق على المدينة وعمل فيه المسلمون وأبطأ رجال من المنافقين وجعلوا يورون بالضعيف من العمل فيتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا إذن وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التى لابد منها يذكر ذلك لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ويستأذنه فى اللحوق لحاجته فيأذن له فإذا قضى حاجته رجع فأنزل الله في أولئك ) إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ( الآية وأخرج عبد بن حميد وابن أبى حاتم عن سعيد ابن جبير في الآية قال هى في الجهاد والجمعة والعيدين وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله ) على أمر جامع ( قال من طاعة الله عام وأخرج ابن أبى حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عنه في قوله ) لا تجعلوا دعاء الرسول ( الآية قال يعنى كدعاء أحدكم إذا دعا أخاه باسمه ولكن وقروه وقولوا له يارسول الله بانبي الله وأخرج عبد الغنى بن سعيد في تفسيره وأبو نعيم في الدلائل عنه أيضا في الآية قال لاتصيحوا به من بعيد يا أبا القاسم ولكن كما قال الله في الحجرات ) إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ( وأخرج أبو داود في مراسيله عن مقاتل قال كان لايخرج أحد لرعاف أو أحداث حتى يستأذن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يشير إليه بأصبعه التى تلى الإبهام فيأذن له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يشير إليه بيده وكان من المنافقين من يثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد فكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه يستتر به حتى يخرج فأنزل الله ) الذين يتسللون منكم لواذا ( الآية وأخرج أبو عبيد فى فضائله والطبرانى قال السيوطي بسند حسن عن عقبة بن عامر قال رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يقرأ هذه الآية في خاتمة سورة النور وهو جاعل أصبعيه تحت عينيه يقول بكل شىء بصير
25
S
تفسير
سورة الفرقان
هى سبع وسبعون آية
حول السورة
وهي مكية كلها في قول الجمهور وكذا أخرجه ابن الضريس والنحاس وابن مردويه من طرق عن ابن عباس وأخرجه ابن مردويه عن ابن الزبير قال القرطبي وقال ابن عباس وقتادة إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة وهي ) والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ( الآيات وأخرج مالك والشافعى والبخارى ومسلم وابن حبان والبيهقى في سننه عن عمر بن الخطاب قال سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم فلببته بردائه فقلت من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ قال أقرأنيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقلت كذبت فإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقلت إنى سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أرسله أقرئنا هشام فقرأ عليه القراءة التى سمعته يقرأ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كذلك أنزلت ثم قال أقرئنا عمر فقرأت القراءة


"""""" صفحة رقم 60 """"""
التى أقرأنى فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كذلك أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه
سورة الفرقان 1 6
الفرقان : ( 1 ) تبارك الذي نزل . . . . .
تكلم سبحانه في هذه السورة على التوحيد لأنه أقدم وأهم ثم في النبوة لأنها الواسطة ثم فى المعاد لأنه الخاتمة وأصل تبارك مأخوذ من البركة وهى النماء والزيادة حسية كانت أو عقلية قال الزجاج تبارك تفاعل من البركة قال ومعنى البركة الكثرة من كل ذى خير وقال الفراء إن تبارك وتقدس في العربية واحد ومعناهما العظمة وقيل المعنى تبارك عطاؤه أى زاد كثر وقيل المعنى دام وثبت قال النحاس وهذا أولاها في اللغة والاشتقاق من برك الشىء إذا ثبت ومنه برك الجمل أي دام وثبت واعترض ما قاله الفراء بأن التقديس إنما هو من الطهارة وليس من ذا فى شىء قال العلماء هذه اللفظة لاتستعمل إلا لله سبحانه ولا تستعمل إلا بلفظ الماضي والفرقان القرآن وسمى فرقانا لأنه يفرق بين الحق والباطل بأحكامه أو بين المحق والمبطل والمراد بعبده نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) ثم علل التنزيل ) ليكون للعالمين نذيرا ( فإن النذارة هى الغرض المقصود من الإنزال والمراد محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أو الفرقان والمراد بالعالمين هنا الإنس والجن لأن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) مرسل إليهما ولم يكن غيره من الأنبياء مرسلا إلى الثقلين والندير المنذر أى ليكون محمد منذرا أو ليكون إنزال القرآن منذرا ويجوز أن يكون النذير هنا بمعنى المصدر للمبالغة أي ليكون إنزاله إنذارا أو ليكون محمد إنذارا وجعل الضمير للنبى ( صلى الله عليه وسلم ) أولى لأن صدور الإنذار منه حقيقة ومن القرآن مجاز والحمل على الحقيقة أولى ولكونه أقرب مذكور وقيل إن رجوع الضمير إلى الفرقان أولى لقوله تعالى ) إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )
الفرقان : ( 2 ) الذي له ملك . . . . .
ثم إنه سبحانه وصف نفسه بصفات أربع الأولى ) له ملك السماوات والأرض ( دون غيره فهو المتصرف فيهما ويحتمل أن يكون الموصول الآخر بدلا أو بيانا للموصول الأول والوصف أولى وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وتوابعه من البقاء وغيره والصفة الثانية ) ولم يتخذ ولدا ( وفيه رد على النصارى واليهود والصفة الثالثة ) ولم يكن له شريك في الملك (


"""""" صفحة رقم 61 """"""
وفيه رد على طوائف المشركين من الوثنية والثنوية وأهل الشرك الخفى والصفة الرابعة ) وخلق كل شيء ( من الموجودات ) فقدره تقديرا ( أى قدر كل شيء مما خلق بحكمته على ما أراد وهيأه لما يصلح له قال الواحدى قال المفسرون قدر له تقديرا من الأجل والرزق فجرت المقادير على ماخلق وقيل أريد بالخلق هنا مجرد الإحداث والإيجاد مجازا من غير ملاحظة معنى التقدير وإن لم يخل عنه في نفس الأمر فيكون المعنى أوجد كل شىء فقدره لئلا يلزم التكرار
الفرقان : ( 3 ) واتخذوا من دونه . . . . .
ثم صرح سبحانه بتزييف مذاهب عبدة الأوثان فقال ) واتخذوا من دونه آلهة ( والضمير في اتخذوا للمشركين وإن لم يتقدم لهم ذكر لدلالة نفى الشريك عليهم أى اتخذ المشركون لأنفسهم متجاوزين الله آلهة ) لا يخلقون شيئا ( والجملة في محل مصب صفة الآلهة أى لايقدرون على خلق شىء من الأشياء وغلب العقلاء علي غيرهم لأن في معبودات الكفار الملائكة وعزير والمسيح ) وهم يخلقون ( أى يخلقهم الله سبحانه وقيل عبر عن الآلهة بضمير العقلاء جريا على اعتقاد الكفار أنها تضر وتنفع وقيل معنى ) وهم يخلقون ( أن عبدتهم يصورونهم ثم لما وصف سبحانه نفسه بالقدرة الباهرة وصف آلهة المشركين بالعجز البالغ فقال ) ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ( أى لايقدرون على أن يجلبوا لأنفسهم نفعا ولايدفعوا عنها ضررا وقدم ذكر الضر لأن دفعه أهم من جلب النفع وإذا كانوا بحيث لايقدرون على الدفع والنفع فيما يتعلق بأنفسهم فكيف يملكون ذلك لمن يعبدهم ثم زاد في بيان عجزهم فنصص على هذه الأمور فقال ) ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ( أى لايقدرون على إماتة الأحياء ولا إحياءالموتى ولا بعثهم من القبور لأن النشور الإحياء بعد الموت يقال أنشر الله الموتى فنشروا ومنه قول الأعشى
حتى يقول الناس مما رأوا
يا عجبا للميت الناشر
الفرقان : ( 4 ) وقال الذين كفروا . . . . .
ولما فرغ من بيان التوحيد وتزييف مذاهب المشركين شرع في ذكر شبه منكرى النبوة فالشبهة الأولى ما حكاه عنهم بقوله ) وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك ( أى كذب افتراه أى اختلقه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) والإشارة بقوله هذا إلى القرآن ) وأعانه عليه ( أى علي الاختلاق ) قوم آخرون ( يعنون من اليهود قيل وهم أبو فكيهة يسار مولى الحضرمى وعداس مولى حويطب بن عبد العزى وجبر مولى ابن عامر وكان هؤلاء الثلاثة من اليهود وقد مر الكلام على مثل هذا في النحل ثم رد الله سبحانه عليهم فقال ) فقد جاؤوا ظلما وزورا ( أى فقد قالوا ظلما هائلا عظيما وكذابا ظاهرا وانتصاب ظلما بجاءوا فإن جاء قد يستعمل استعمال أتى ويعدى تعديته وقال الزجاج إنه منصوب بنزع الخافض والأصل جاءوا بظلم وقيل هو منتصب على الحال وإنما كان ذلك منهم ظلما لأنهم نسبوا القبيح إلى من هو مبرأ منه فقد وضعوا الشىء في غير موضعه وهذا هو الظلم وأما كون ذلك منهم زورا فظاهر لأنهم قد كذبوا فى هذه المقالة
الفرقان : ( 5 ) وقالوا أساطير الأولين . . . . .
ثم ذكر الشبهة الثانية فقال ) وقالوا أساطير الأولين ( أى أحاديث الأولين وما سطروه من الأخبار قال الزجاج واحد الأساطير أسطورة مثل أحاديث وأحدوثة وقال غيره أساطير جمع أسطار مثل أقاويل وأقوال اكتتبها أى استكتبها أو كتبها لنفسه ومحل اكتتبها النصب على أنه حال من أساطير أو محله الرفع على أنه خبر ثان لأن أساطير مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أى هذه أساطير الأولين اكتتبها ويجوز أن يكون أساطير مبتدأ واكتتبها خبره ويجوز أن يكون معنى اكتتبها جمعها من الكتب وهو الجمع لا من الكتابة بالقلم والأول أولى وقرأ طلحة اكتتبها مبنيا للمفعول والمعنى اكتتبها له كاتب لأنه كان أميا لا يكتب ثم حذفت اللام فأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه ثم بنى الفعل للضمير الذى هو إياه فانقلب مرفرعا مستترا بعد أن كان منصوبا بارزا كذا قال في الكشاف واعترضه أبو حيان ) فهي تملى عليه ( أى تلقى عليه تلك الأساطير بعد ما اكتتبها ليحفظها من أفواه


"""""" صفحة رقم 62 """"""
من يمليها عليه من ذلك المكتتب لكونه أميا لايقدر على أن يقرأها من ذلك المكتوب بنفسه ويجوز أن يكون المعنى اكتتبها أراد اكتتابها ) فهي تملى عليه ( لأنه يقال أمليت علي فهوه يكتب ) بكرة وأصيلا ( غدوة وعشيا كأنهم قالوا إأن هؤلاء يعلمون محمد طرق النهار وقيل معنى بكرة وأصيلا دائما في جميع الأوقات
الفرقان : ( 6 ) قل أنزله الذي . . . . .
فأجاب سبحانه عن هذه الشبهة بقوله ) قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ( أى ليس ذلك مما يفترى ويفتعل بإعانة قوم وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة وأخبار الأولين بل هو أمر سماوى أنزله الذي يعلم كل شىء لايغيب عنه شيء من الأشياء فلهذا عجزتم عن معارضته ولم تأتوا بسورة منه وخص السر للإشارة إلى انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لاتبلغ إليها عقول البشر والسر الغيب أى يعلم الغيب الكائن فيهما وجملة ) إنه كان غفورا رحيما ( تعليل لتأخير العقوبة أى إنكم وإن كنتم مستحقين لتعجيل العقوبة بما تفعلونه من الكذب على رسوله والظلم له فإنه لايعجل عليكم بذلك لأنه كثير المغفرة والرحمة
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس تبارك تفاعل من البركة وأخرج الفريابى وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن مجاهد في قوله ) وأعانه عليه قوم آخرون ( قال يهود ) فقد جاؤوا ظلما وزورا ( قال كذبا وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عن قتادة في قوله ) تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ( هوالقرآن فيه حلاله وحرامه وشرائعه ودينه وفرق الله بين الحق والباطل ) ليكون للعالمين نذيرا ( قال بعث الله محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) نذيرا من الله لينذر الناس بأس الله ووقائعه بمن قبلكم ) وخلق كل شيء فقدره تقديرا ( قال بين لكل شىء من خلقه صلاحه وجعل ذلك بقدر معلوم ) واتخذوا من دونه آلهة ( قال هى الأوثان التي تعبد من دون الله ) لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ( وهو الله الخالق الرازق وهذه الأوثان تخلق ولا تخلق شيئا ولا تضر ولا تنفع ولا تملك ولا حياة ولا نشورا يعنى بعثا ) وقال الذين كفروا ( هذا قول مشركي العرب ) إن هذا إلا إفك افتراه ( هو الكذب ) افتراه وأعانه عليه ( أى على حديثه هذا وأمره قوم آخرون ) أساطير الأولين ( كذب الأولين وأحاديثهم
الفرقان 7 16


"""""" صفحة رقم 63 """"""
الفرقان : ( 7 ) وقالوا ما لهذا . . . . .
لما فرغ سبحانه من ذكر ما طعنوا به على القرآن ذكر ما طعنوا به على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال ) وقالوا ما لهذا الرسول ( وفى الإشارة هنا تصغير لشأن المشار إليه وهو رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وسموه رسولا استهزاء وسخرية ) يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ( أى ما باله يأكل الطعام كما نأكل ويتردد فى الأسواق لطلب المعاش منا نتردد وزعموا أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الطعام والكسب وما الاستفهامية في محل رفع على الابتداء والاستفهام للاستنكار وخبر المبتدأ لهذا الرسول وجملة يأكل في محل نصب على الحال وبها تتم فائدة الإخبار كقوله ) فما لهم عن التذكرة معرضين ( والإنكار متوجه إلى السبب مع تحقيق المسبب وهو الأكل والمشى ولكنه استبعد تحقق ذلك لانتفاء سببه عندهم تهكما واستهزاء والمعنى أنه إن صح ما يدعيه من النبوة فما باله لم يخالف حاله حالنا ) لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ( طلبوا أن يكون النبى ( صلى الله عليه وسلم ) مصحوبا بملك يعضده ويساعده تنزلوا عن اقتراح أن يكون الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ملكا مستغنيا عن الأكل والكسب إلى اقتراح أن يكون معه ملك يصدقه ويشهد له بالرسالة قرأ الجمهور فيكون بالنصب على كونه جواب التحضيض وقريء فيكون بالرفع على أنه معطوف على أنزل وجاز عطفه على الماضى لأن المراد به المستقبل
الفرقان : ( 8 ) أو يلقى إليه . . . . .
) أو يلقى إليه كنز ( معطوف على أنزل ولايجوز عطفه على فيكون والمعنى أو هلا يلقى إليه كنز تنزلوا من مرتبة نزول الملك معه إلى اقتراح أن يكون معه كنز يلقى إليه من السماء ليستغنى به على طلب الرزق ) أو تكون له جنة يأكل منها ( قرأ الجمهور تكون بالمثناة الفوقية وقرأ الأعمش وقتادة يكون بالتحتية لأن تأنيث الجنة غير حقيقى وقرأ نأكل بالنون حمزة وعلي وخلف وقرأ الباقون يأكل بالمثناة التحتية أى بستان نأكل نحن من ثماره أو يأكل هو وحده منه ليكون له بذلك مزية علينا حيث يكون أكله من جنته قال النحاس والقراءتان حسنتان وإن كانت القراءة بالياء أبين لأنه قد تقدم ذكر النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وحده فعود الضمير إليه بين ) وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ( المراد بالظالمون هنا هم القائلون بالمقالات الأولى وإنما وضع الظاهر موضع المضمر مع الوصف بالظلم للتسجيل عليهم به أى ما تتبعون إلا رجلا مغلوبا على عقله بالسحر وقيل ذا سحر وهى الرئة أى بشرا له رئة لا ملكا وقد تقدم بيان مثل هذا في سبحان
الفرقان : ( 9 ) انظر كيف ضربوا . . . . .
) انظر كيف ضربوا لك الأمثال ( ليتوصلوا بها إلى تكذيبك والأمثال هى الأقوال النادرة والاقتراحات الغريبة وهى ما ذكروه هاهنا فضلوا عن الصواب فلايجدون طريقا إليه ولا وصلوا إلى شىء منه بل جاءوا بهذه المقالات الزائفة التى لا تصدر عن أدنى العقلاء وأقلهم تمييز ولهذا قال ) فلا يستطيعون سبيلا ( أى لايجدون إلى القدح في نبوة هذا النبي طريقا من الطرق
الفرقان : ( 10 ) تبارك الذي إن . . . . .
) تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ( أى تكاثر خير الذى إن شاء جعل لك في الدنيا معجلا خيرا من ذلك الذى اقترحوه ثم فسر الخير فقال ) جنات تجري من تحتها الأنهار ( فجنات بدل من خيرا ) ويجعل لك قصورا ( معطوف على موضع جعل وهو الجزم وبالجزم قرأ الجمهور وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر برفع يجعل على أنه مستأنف وقد تقرر فى علم الإعراب أن الشرط إذا كان ماضيا جاز في جوابه الجزم والرفع فجاز أن يكون جعل هاهنا في محل جزم ورفع


"""""" صفحة رقم 64 """"""
فيجوز فيما عطف عليه أن يجزم ويرفع وقريء بالنصب وقريء بإدغام لام لك في لام يجعل لاجتماع المثلين وقريء بترك الإدغام لأن الكلمتين منفصلتان والقصر البيت من الحجارة لأن الساكن به مقصور عن أن يوصل إليه وقيل هو بيت الطين وبيوت الصوف والشعر
الفرقان : ( 11 ) بل كذبوا بالساعة . . . . .
ثم أضرب سبحانه عن توبيخهم بما حكاه عنهم من الكلام الذى لايصدر عن العقلاء فقال ) بل كذبوا بالساعة ( أى بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة فلهذا لاينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها ثم ذكر سبحانه ما أعده لمن كذب بالساعة فقال ) وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا ( أى نارا مشتعلة متسعرة والجملة في محل نصب على الحال أى بل كذبوا بالساعة والحال أنا أعتدنا قال أبو مسلم أعتدنا أى جعلناه عتيدا ومعدا لهم
الفرقان : ( 12 ) إذا رأتهم من . . . . .
) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا ( هذه الجملة الشرطية في محل نصب صفة لسعير لأنه مؤنث بمعنى النار قيل معنى إذا رأتهم إذا ظهرت لهم فكانت بمرأى الناظر في البعد وقيل المعنى إذا رأتهم خزنتها وقيل إن الرؤية منها حقيقية وكذلك التغيظ والزفير ولا مانع من أن يجعلها الله سبحانه مدركة هذا الإدراك ومعنى من مكان بعيد أنها رأتهم وهى بعيدة عنهم قيل بينها وبينهم مسيرة خمسمائة عام ومعنى التغيظ أن لها صوتا يدل على التغيظ على الكفار أو لغيلانها صوتا يشبه صوت المغتاظ والزفير هو الصوت الذى يسمع من الجوف قال الزجاج المراد سماع ما يدل على الغيظ وهو الصوت أى سمعوا لها صوتا يشبه صوت المتغيظ وقال قطرب أراد علموا لها تغيظا وسمعوا لها زفيرا كما قال الشاعر متقلدا سيفا ورمحا
أى وحاملا رمحا وقيل المعنى سمعوا فيها تغيظا وزفيرا للمعذبين كما قال ) لهم فيها زفير وشهيق ( وفي اللام متقاربان تقول افعل هذا فى الله ولله
الفرقان : ( 13 ) وإذا ألقوا منها . . . . .
) وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا ( وصف المكان بالضيق للدلالة على زيادة الشدة وتناهي البلاء عليهم وانتصاب مقرنين علي الحال أى إذا ألقوا منها مكانا ضيقا حال كونهم مقرنين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامع مصفدين بالحديد وقيل مكتفين وقيل قرنوا مع الشياطين أى قرن كل واحد منهم إلى شيطانه وقد تقدم الكلام على مثل هذا فى سورة إبراهيم دعوا هنالك أى في ذلك المكان الضيق ثبورا أى هلاكا قال الزجاج وانتصابه على المصدرية أى ثبرنا ثبورا وقيل منتصب على أنه مفعول له والمعنى أنهم يتمنون هنالك الهلاك وينادونه لما حل بهم من البلاء
الفرقان : ( 14 ) لا تدعوا اليوم . . . . .
فأجيب عليهم بقوله ) لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ( أى فيقال لهم هذه المقالة والقائل لهم هم الملائكة أى اتركوا دعاء ثبور واحد فإن ما أنتم فيه من الهلاك أكبر من ذلك وأعظم كذا قال الزجاح ) وادعوا ثبورا كثيرا ( والثبور مصدر يقع على القليل والكثير فلهذا لم يجمع ومثله ضربته ضربا كثيرا وقعد قعودا طويلا فالكثرة ها هنا هى بحسب كثرة الدعاء المتعلق به الحسب كثرته في نفسه فإنه شيء واحد والمعنى لاتدعوا على أنفسكم بالثبور دعاء واحدا وادعوه أدعية كثيرة فإن ما أنتم فيه من العذاب أشد من ذلك لطول مدته وعدم تناهيه وقيل هذا تمثيل وتصوير لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك قول وقيل إن المعنى إنكم وقعتم فيما ليسي ثبوركم فيه واحدا بل هو ثبور كثير لأن العذاب أنواع والأولى أن المراد بهذا الجواب عليهم الدلالة على خلود عذابهم وإقناطهم عن حصول ما يتمنونه من الهلاك المنجى لهم مما هم فيه
الفرقان : ( 15 ) قل أذلك خير . . . . .
ثم وبخهم الله سبحانه توبيخا بالغا على لسان رسوله فقال ) قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ( والإشارة بقوله ذلك إلى السعير المتصفة بتلك الصفات العظيمة أى أتلك السعير خير أم جنة الخلد وفي إضافة الجنة إلى الخلد إشعار بدوام نعيمها وعدم انقطاعه ومعنى ) التي وعد المتقون ( التى وعدها المتقون والمجىء بلفظ خير هنا مع أنه لا خير في النار أصلا لأن العرب قد تقول ذلك ومنه ما حكاه سيبويه عنهم أنهم يقولون السعادة


"""""" صفحة رقم 65 """"""
أحب إليك أم الشقاوة وقيل ليس هذا من باب التفضيل وإنما هو كقولك عنده خير قال النحاس وهذا قول حسن كما قال أتهجوه ولست له بكفء
فشركما لخيركما الفداء
ثم قال سبحانه ) كانت لهم جزاء ومصيرا ( أى كانت تلك الجنة للمتقين جزاء على أعمالهم ومصيرا يصيرون إليه
الفرقان : ( 16 ) لهم فيها ما . . . . .
) لهم فيها ما يشاؤون ( أى مايشاءونه من النعيم وضروب الملاذ كما فى قوله ) ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ( وانتصاب خالدين على الحال وقد تقدم تحقيق معنى الخلود ) كان على ربك وعدا مسؤولا ( أى كان ما يشاءونه وقيل كان الخلود وقيل كان الوعد المدلول عليه بقوله وعد المتقون ومعنى الوعد المسئول الوعد المحقق بأن يسأل ويطلب كما فى قوله ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك وقيل إن الملائكة تسأل لهم الجنة كقوله وأدخلهم جنات عدن التى وعدتهم وقيل المراد به الوعد الواجب وإن لم يسأل
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن ابن عباس أن عتبة بن ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر ابن الحارث وأبا البحترى والأسود بن عبد المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيه بن الحجاج ومنبه بن الحجاج اجتموا فقال بعضهم لبعض ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا منه فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك قال فجاءهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر منك فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا وإن كنت تطلب به الشرف فنحن نسودك وإن كنت تريد به ملكا ملكناك فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما بي مما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثنى إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرنى أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم قالوا يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضنا عليك أو قالوا فإذا لم تفعل هذا فسل لنفسك وسل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا من ذهب وفضة تغنيك عما نراك تبتغى فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما أنا بفاعل ما أنا بالذى يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثنى بشيرا ونذيرا فأنزل الله في ذلك ) وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ( ) وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا ( أى جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلى فلا يخالفون لفعلت وأخرج الفريابى وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه عن خيثمة قال قيل للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) إن شئت أعطيناك من خزائن الأرض ومفاتيحها مالم يعط نبى قبلك ولا نعطها أحدا بعدك ولا نيقصك ذلك مما لك عند الله شيئا وإن شئت جمعتها لك في الآخرة فقال اجمعوها لى فى الآخرة فأنزل الله سبحانه ) تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ( وأخرج نحوه عنه ابن مردويه من طريق أخرى وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم من طريق خالد بن دريك عن رجل من الصحابة قال قال النبى صلى الله عليه


"""""" صفحة رقم 66 """"""
وآله وسلم من يقل على مالم أقل أو ادعى إلى غير والديه أو انتمى إلى غير مواليه فليتبوأ بين عينى جهنم مقعدا قيل يا رسول الله وهل لها من عينين قال نعم أما سمعتم الله يقول ) إذا رأتهم من مكان بعيد ( وأخرج آدم ابن أبى إياس في تفسيره عن ابن عباس في قوله ) إذا رأتهم من مكان بعيد ( قال من مسيرة مائة عام وذلك إذا أتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام يشد بكل زمام سبعون ألف ملك لو تركت لأتت على كل بر وفاجر ) سمعوا لها تغيظا وزفيرا ( تزفر زفرة لاتبقى قطرة من دمع إلا بدت ثم تزفر الثانية فتقطع القلوب من أماكنها وتبلغ القلوب الحناجر وزخرج ابن أبى حاتم عن يحيى بن أسيد أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سئل عن قول الله ) وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين ( قال والذى نفسى بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس ) دعوا هنالك ثبورا ( قال ويلا لاتدعوا اليوم ثبورا واحدا يقول لاتدعوا اليوم ويلا واحدا وأخرج ابن أبى شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه والبيهقى في البعث قال السيوطى بسند صحيح عن أنس قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن أول ما يكسى حلته من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من بعده وهو ينادى يا ثبوراه ويقولون ياثبورهم حتى يقف على الناس فيقول ياثبوراه ويقولون يا ثبورهم فيقال لهم لاتدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا وإسناد أحمد هكذا حدثنا عفان عن حميد بن سلمة عن على بن زيد عن أنس أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فذكره وفى على بن زيد بن جدعان مقال معروف وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس ) كان على ربك وعدا مسؤولا ( يقول سلوا الذى وعدتكم تنجزوه
سورة الفرقان ( 17 24 )


"""""" صفحة رقم 67 """"""
الفرقان : ( 17 ) ويوم يحشرهم وما . . . . .
قوله ) ويوم نحشرهم ( الظرف منصوب بفعل مضمر أى واذكر وتعليق التذكير باليوم مع أن المقصود ذكر مافيه للمبالغة والتأكيد كما مر مرارا قرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وحفص ويعقوب وأبو عمر في رواية الدورى يحشرهم بالياء التحتية واختارها أبو عبيد وأبو حاتم لقوله في أول الكلام كان على ربك والباقون بالنون على التعظيم ماعدا الأعرج فإنه قرأ نحشرهم بكسر الشين في جميع القرآن قال ابن عطية هى قليلة فى الاستعمال قوية في القياس لأن يفعل بكسر العين في المتعدى أقيس من يفعل بضمها ورده أبو حبان باستواء المضموم والمكسور إلا أن يشتهر أحدهما اتبع ) وما يعبدون من دون الله ( معطوف على مفعول نحشر وغلب غير العقلاء من الأصنام والأوثان ونحوها على العقلاء من الملائكة والجن والمسيح تنبيها على أنها جميعا مشتركة في كونها غير صالحة لكونها آلهة أو لأن من يعبد من لايعقل أكثر ممن يعبد من يعقل منها فغلبت اعتبارا بكثرة من يعبدها وقال مجاهد وابن جريج المراد الملائكة والإنس والجن والمسيح وعزير بدليل خطابهم وجوابهم فيما بعد وقال الضحاك وعكرمة والكلبي المراد الأصنام خاصة وإنها وإن كانت لا تسمع ولا تتكلم فإن الله سبحانه يجعلها يوم القيامة سامعة ناطقة ) فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ( قرأ ابن عامر وأبو حيوة وابن كثير وحفص فنقول بالنون وقرأ الباقون بالياء التحتية واختارها أبو عبيد كما اختار القراءة بها فى نحشرهم وكذا أبو حاتم والاستفهام في قوله ? ءأنتم أضللتم ? للتوبيخ والتقريع والمعنى أكان ضلالهم بسببكم وبدعوتكم لهم إلى عبادتكم أم هم ضلوا عن سبيل الحق بأنفسهم لعدم التفكير فيما يستدل به على الحق والتدبر فيما يتوصل به إلى الصواب
الفرقان : ( 18 ) قالوا سبحانك ما . . . . .
وجملة قالوا سبحانك مستأنفة جواب سؤال مقدر ومعنى سبحانك التعجب مما قيل لهم لكونهم ملائكة أو أنبياء معصومين أو جمادات لا تعقل أى تنزيها لك ) ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ( أى ما صح ولا استقام لنا أن نتخذ من دونك أولياء فنعبدهم فكيف ندعو عبادك إلى عبادتنا نحن مع كوننا لا نعبد غيرك والولي يطلق على التابع كما يطلق على المتبوع هذا معنى الاية على قراءة الجمهور نتخذ مبنيا للفاعل وقرأ الحسن وأبو جعفر نتخذ مبنيا للمفعول أى ما كان ينبغى لنا أن نتخذنا المشركون أولياء من دونك قال أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر لاتجوز هذه القراءة ولو كانت صحيحة لحذفت من الثانية قال أبو عبيدة لا تجوز هذه القرادة لأن الله سبحانه ذكر من مرتين ولو كان كما قرأ لقال أن نتخذ من دونك أولياء وقيل إن من الثانية زائدة ثم حكى عنهم سبحانه بأنهم بعد هذا الجواب ذكروا سبب ترك المشركين للإيمان فقال ) ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر ( وفى هذا ما يدل على أنهم هم الذين ضلوا السبيل ولم يضلهم غيرهم والمعنى ما أضللناهم ولكنك يارب متعتهم ومتعت آباءهم بالنعم ووسعت عليهم الرزق وأطلت لهم العمر حتى غفلوا عن ذكرك ونسوا موعظتك والتدبر لكتابك والنظر في عجائب صنعك وغرائب مخلوقاتك وقرأ أبو عيسى الأسود القاريء ينبغى مبنيا للمفعول قال ابن خالويه زعم سيبويه أنها لغة وقيل المراد بنسيان الذكر هنا هو ترك الشكر ) وكانوا قوما بورا ( أى وكان هؤلاء الذين أشركوا بك وعبدوا غيرك في قضائك الأزلى قوما بورا أى هلكى مأخوذ من البوار وهو الهلاك يقال رجل بائر وقوم بور يستوى فيه الواحد والجماعة لأنه مصدر يطلق على القليل والكثير ويجوز أن يكون جمع بائر وقيل البوار الفساد يقال بارت بضاعته أى فسدت وأمر بائر أى فاسد وهى لغة الأزد وقيل المعنى لا خير فيهم مأخوذ من بوار الأرض وهو تعطيلها من الزرع فلا يكون فيها خير وقيل إن البوار الكساد ومنه بارت السلعة إذا كسدت


"""""" صفحة رقم 68 """"""
الفرقان : ( 19 ) فقد كذبوكم بما . . . . .
) فقد كذبوكم بما تقولون ( في الكلام حذف والتقدير فقال الله عند تبرى المعبودين مخاطبا للمشركين العابدين لغير الله فقد كذبوكم أى فقد كذبكم المعبودون بما تقولون أى فى قولكم إنهم آلهة ) فما تستطيعون ( أى الآلهة صرفا أي دفعا للعذاب عنكم بوجه من الوجوه وقيل حيلة ولا نصرا أى ولا يستطيعون نصركم وقيل المعنى فما يستطيع هؤلاء الكفار لما كذبهم المعبودون صرفا للعذاب الذى عذبهم الله به ولا نصرا من الله وهذا الوجه مستقيم على قراءة من قرأ تستطيعون بالفوقية وهى قراءة حفص وقرأ الباقون بالتحتية وقال ابن زيد المعنى فقد كذبوكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وعلى هذا فمعنى بما تقولون ما تقولونه من الحق وقال أبو عبيد المعنى فما يستطيعون لكم صرفا عن الحق الذى هداكم الله إليه ولا نصرا لأنفسهم بما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم وقرأ الجمهور بما تقولون بالتاء الفوقية على الخطاب وحكى الفراء أنه يجوز أن يقرأ فقد كذبوكم مخففا بما يقولون أى كذبوكم فى قولهم وكذا قرأ بالياء التحتية مجاهد والبزى ) ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ( هذا وعيد لكل ظالم ويدخل تحته الذين فيهم السياق دخولا أوليا والعذاب الكبير عذاب النار وقريء يذقه بالتحتية وهذه الاية وأمثالها مقيدة بعدم التوبة
الفرقان : ( 20 ) وما أرسلنا قبلك . . . . .
ثم رجع سبحانه إلى خطاب رسوله موضحا لبطلان ما تقدم من قوله يأكل الطعام ويمشى في الأسواق فقال ) وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ( قال الزجاج الجملة الواقعة بعد إلا صفة لموصوف محذوف والمعنى وما أرسلنا قبلك أحد من المرسلين إلا آكلين وماشين وإنما حذف الموصوف لأن في قوله من المرسلين دليلا عليه نظيره ) وما منا إلا له مقام معلوم ( أى وما منا أحد وقال الفراء لا محل لها من الإعراب وإنما هى صلة لموصول محذوف هو المفعول والتقدير إلا من أنهم فالضمير فى أنهم وما بعده راجع إلى من المقدرة ومثله قوله تعالى ) وإن منكم إلا واردها ( أى إلا من يردها وبه قرأ الكسائى قال الزجاج هذا خطأ لأن من الموصولة لايجوز حذفها وقال ابن الأنبارى إنها في محل نصب على الحال والتقدير إلا وأنهم فالمحذوف عنده الواو قرأ الجمهور إلا إنهم بكسر إن لوجود اللام في خبرها كما تقرر في علم النحو وهو مجمع عليه عندهم قال النحاس إلا أن علي بن سليمان الأخفش حكى لنا عن محمد بن يزيد المبرد أنه قال يجوز في إن هذه الفتح وإن كان بعدها اللام وأحسبه وهما وقرأ الجمهور يمشون بفتح الياء وسكون الميم وتخفيف الشين وقرأ علي وابن عوف وابن مسعود بضم الياء وفتح الميم وضم الشين المشددة وهى بمعنى القراءة الأولى قال الشاعر أمشى بأعطان المياه وأتقى
قلائص منها صعبة وركوب
وقال كعب بن زهير منه تظل سباع الحى ضامزة
ولا تمشى بواديه الأراجيل
) وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ( هذا الخطاب عام للناس وقد جعل سبحانه بعض عبيدة فتنة لبعض فالصحيح فتنة للمريض والغنى فتنة للفقير وقيل المراد بالبعض الأول كفار الأمم وبالبعض الثانى الرسل ومعنى الفتنة الابتلاء والمحنة والأول أولى فإن البعض من الناس ممتحن بالبعض مبتلى به فالمريض يقول لم لم أجعل كالصحيح وكذا كل صاحب آفة والصحيح مبتلى بالمريض فلا يضجر منه ولا يحقره والغنى مبتلى بالفقير يواسيه والفقير مبتلى بالغنى يحسده ونحو هذا مثله وقيل المراد بالآية أنه كان إذا أراد الشريف أن يسلم ورأى الوضيع قد أسلم قبله أنف وقال لا أسلم بعده فيكون له على السابقة والفضل فيقيم على كفره فذلك افتتان


"""""" صفحة رقم 69 """"""
بعضهم لبعض واختار هذا الفراء والزجاج ولا وجه لقصر الآية على هذا فإن هؤلاء إن كانوا سبب النزول فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ثم قال سبحانه بعد الإخبار بجعل البعض للبعض فتنة أتصبرون هذا الاستفهام للتقرير وفى الكلام حذف تقديره أم لا تصبرون أى أتصبرون على ما ترون من هذه الحال الشديدة والابتلاء العظيم قيل موقع هذه الجملة الأستفهامية هاهنا موقع قوله أيكم عملا أحسن في قوله ليبلوكم أيكم أحسن عملا ثم وعد الصابرين بقوله ) وكان ربك بصيرا ( أى بكل من يصبر ومن لايصبر فيجازى كلا منهما بما يستحقه وقيل معنى أتصبرون اصبروا مثل قوله ) فهل أنتم منتهون ( أى انتهوا
الفرقان : ( 21 ) وقال الذين لا . . . . .
) وقال الذين لا يرجون لقاءنا ( هذه المقالة من جملة شبههم التى قدحوا بها فى النبوة والجملة معطوفة على وقالوا ما لهذا أى وقال المشركون الذين لايبالون بلقاء الله كما فى قول الشاعر لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما
على أى جنب كان فى الله مصرعى
أى لا أبالى وقيل المعنى لا يخافون لقاء ربهم كقول الشاعر إذا لسعته النحل لم يرج لسعها
وخالفها في بيت نوب عوامل
أي لم يخف وهى لغة تهامة قال الفراء وضع الرجاء موضع الخوف وقيل لايأملون ومنه قول الشاعر أترجو أمة قتلت حسينا
شفاعة جده يوم الحساب
والحمل على المعنى الحقيقى أولى فالمعنى لا يأملون لقاء ما وعدنا على الطاعة من الثواب ومعلوم أن من لايرجو الثواب لايخاف العقاب ) لولا أنزل علينا الملائكة ( أى هلا أنزلوا علينا فيخبرونا أن محمدا صادق أو هلا أنزلوا علينا رسلا يرسلهم الله ) أو نرى ربنا ( عيانا فيخبرنا بأن محمدا رسول ثم أجاب سبحانه عن شبهتهم هذه فقال ) لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ( أى أضمروا الاستكبار عن الحق والعناد في قلوبهم كما فى قوله ) إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ( والعتو مجاوزة الحد في الطغيان والبلوغ إلى أقصى غاياته ووصفه بالكبر لكون التكلم بما تكلموا به من هذه المقالة الشنيعة في غاية الكبر والعظم فإنهم لم يكتفوا بإرسال البشر حتى طلبوا إرسال الملائكة إليهم بل جاوزوا ذلك إلى التخيير بينه وبين مخاطبة الله سبحانه ورؤيته في الدنيا من دون أن يكون بينهم وبينه ترجمان ولقد بلغ هؤلاد الرذالة بأنفسهم مبلغا هى أحقر وأقل وأرذل من أن تكون من أهله أو تعد من المستعدين له وهكذا من جهل قدر نفسه ولم يقف عند حده ومن جهلت نفسه قدره رأي غيره منه مالا يرى
الفرقان : ( 22 ) يوم يرون الملائكة . . . . .
وانتصاب ) يوم يرون الملائكة ( بفعل محذوف أى واذكر يوم يرون الملائكة رؤية ليست على الوجه الذى طلبوه والصورة التي اقترحوها بل على وجه آخر وهو يوم ظهورهم لهم عند الموت أو عند الحشر ويجوز أن يكون انتصاب هذا الظرف بما يدل عليه قوله ) لا بشرى يومئذ للمجرمين ( أى يمنعون البشرى يوم يرون أو لا توجد لهم بشرى فيه فزعلم سبحانه بأن الوقت الذى يرون فيه الملائكة وهو وقت الموت أو يوم القيامة قد حرمهم الله البشرى قال الزجاج المجرمون فى هذا الموضع الذين اجترموا الكفر بالله ) ويقولون حجرا محجورا ( أى ويقول الكفار عند مشاهدتهم للملائكة حجرا محجورا وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو وهجوم نازلة يضعونها موضع الاستعاذة يقال للرجل أتفعل كذا فيقول حجرا محجورا أى حراما عليك التعرض لى وقيل إن هذا من قول الملائكة أي يقولون للكفار حراما محرما أن يدخل أحدكم الجنة ومن ذلك قول الشاعر ألا أصبحت أسماء حجرا محرما
وأصبحت من أدنى حمومتها حماء


"""""" صفحة رقم 70 """"""
أى أصبحت أسماء حراما محرما وقال آخر حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها
حجر حرام إلا تلك الدهاريس
وقد ذكر سيبويه في باب المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها هذه الكلمة وجعلها من جملتها
الفرقان : ( 23 ) وقدمنا إلى ما . . . . .
) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ( هذا وعيد آخر وذلك أنهم كانوا يعملون أعمالا لها صورة الخير من صلة الرحم وإغاثة الملهوف وإطعام الطعام وأمثالها ولم يمنع من الإثابة عليها إلا الكفر الذى هم عليه فمثلت حالهم وأعمالهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقدم إلى ما معهم من المتاع فأفسده ولم يترك منها شيئا وإلا فلا قدوم هاهنا قال الواحدى معنى قدمنا عمدنا وقصدنا يقال قدم فلان إلى أمر كذا إذا قصده أو عمده ومنه قول الشاعر وقدم الخوارج الضلال
إلى عباد ربهم فقالوا
إن دماءكم لنا حلال
وقيل هو قدوم الملائكة أخبر به عن نفسه تعالى والهباء واحده هباءة والجمع أهباء قال النضر بن شميل الهباء التراب الذى تطيره الربح كأنه دخان وقال الزجاج هو ما يدخل من الكوة مع ضوء الشمس يشبه الغبار وكذا قال الأزهرى والمنثور المفرق والمعنى أن الله سبحانه أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور لم يكتف سبحانه يتشبيه عملهم بالهباء حتى وصفه بأنه متفرق متبدد وقيل إن الهباء ما أذرته الرياح من يابس أوراق الشجر وقيل هو الماء المهراق وقيل الرماد والأول هو الذى ثبت في لغة العرب ونقله العارفون بها
الفرقان : ( 24 ) أصحاب الجنة يومئذ . . . . .
ثم ميز سبحانه حال الأبرار من حال الفجار فقال ) أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا ( أي أفضل منزلا فى الجنة ) وأحسن مقيلا ( أى موضع قائلة وانتصاب مستقرا على التمييز قال الأزهرى القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن مع ذلك يوم قال النحاس والكوفيون يجيزون العسل أحلى من الخل
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن مجاهد فى قوله ) ويوم نحشرهم ( الآية قال عيسى وعزير والملائكة وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس ) قوما بورا ( قال هلكى وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن في قوله ) ومن يظلم منكم ( قال هو الشرك وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال يشرك وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عن قتادة ) وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ( يقول إن الرسل قبل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) كانوا بهذه المنزلة يأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق ) وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ( قال بلاء وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى في الشعب عن الحسن ) وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ( قال يقول الفقير لوشاء الله لجعلنى غنيا مثل فلان ويقول السقيم لو شاء لجعلني صحيحا مثل فلان ويقول الأعمى لو شاء الله لجعلنى بصيرا مثل فلان وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس فى قوله ) وعتوا عتوا كبيرا ( قال شدة الكفر وأخرج الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ) يوم يرون الملائكة ( قال يوم القيامة وأخرج أبي وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية العوفى نحوه وأخرج الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عن مجاهد ) ويقولون حجرا محجورا ( قال عوذا معاذا الملائكة تقوله وفى لفظ قال حراما محرما أن تكون البشرى فى اليوم إلا للمؤمنين وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم من طريق عطية العوفى عن أبى سعيد الخدرى فى قوله ) ويقولون حجرا محجورا ( قال حراما محرما


"""""" صفحة رقم 71 """"""
أن نبشركم بما نبشر به المتقين وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن الحسن وقتادة ) ويقولون حجرا محجورا ( قالا هى كلمة كانت العرب تقولها كان الرجل إذا نزلت به شدة قال حجرا محجورا حراما محرما وأخرج الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن مجاهد ) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ( قال عمدنا إلى ماعملوا من خير ممن لا يتقبل منه فى الدنيا وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عن على بن أبي طالب في قوله ) هباء منثورا ( قال الهباء شعاع الشمس الذى يخرج من الكوة وأخرج عبد الرزاق والفريابى وابن المنذر وابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب قال الهباء وهيج الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شىء فجعل الله أعمالهم كذلك وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس قال الهباء الذى يطير من النار إذا اضطرمت يطير منها الشرر فإذا وقع لم يكن شيئا وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه قال هو ما تسفي الريح وتبثه وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عنه أيضا قال هو الماء المهراق وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا ) خير مستقرا وأحسن مقيلا ( قال في الغرف من الجنة وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال لا ينصرف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء ثم قرأ ) أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا )
سورة الفرقان ( 25 34 )
الفرقان : ( 25 ) ويوم تشقق السماء . . . . .
قوله ) ويوم تشقق السماء بالغمام ( وصف سبحانه هاهنا بعض حوادث يوم القيامة والتشقق التفتح قرأ عاصم والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وأبو عمر تشقق بتخفيف الشين وأصله تتشقق وقرأ الباقون بتشديد الشين على الأدغام واختار القراءة الأولى أبو عبيد واختار الثانية أبو حاتم ومعنى تشققها بالغمام أنها تتشقق عن الغمام قال أبو على الفارسى تشقق السماء وعليها غمام كما تقول ركب الأمير بسلاحه أي وعليه سلاحه وخرج بثيابه أي وعليه ثيابه ووجه ما قاله أن الباء وعن يتعاقبان كما تقول رميت بالقوس وعن القوس


"""""" صفحة رقم 72 """"""
وروى أن السماء تتشقق عن سحاب رقيق أبيض وقيل إن السماء تتشقق بالغمام الذى بينها وبين الناس والمعنى أنه يتشقق السحاب بتشقق السماء وقيل إنها تشقق لنزول الملائكة كما قال سبحانه بعد هذا ) ونزل الملائكة تنزيلا ( وقيل إن الباء فى الغمام سببية أى بسبب الغمام يعنى بسبب طلوعه منها كأنه الذى تتشقق به السماء وقيل إن الباء متعلقة بمحذوف أى ملتبسة بالغمام قرأ ابن كثير ? وننزل الملائكة ? مخففا من الإنزال بنون بعدها نون ساكنة وزاى مخففة بكسرة مضارع أنزل والملائكة منصوبة على المفعولية وقرأ الباقون من السبعة ونزل بضم النون وكسر الزاى المشددة ماضيا مبنيا للمفعول وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء نزل بالتشديد ماضيا مبنيا للفاعل وفاعلة الله سبحانه وقرأ أبى بن كعب ? أنزل الملائكة ? وروى عنه أنه قرأ تنزلت الملائكة وقد قرى فى الشواذ بغير هذه وتأكيد هذا الفعل بقوله تنزيلا يدل على أن هذا التنزيل علي نوع غريب ونمط عجيب قال أهل العلم إن هذا تنزيل رضا ورحمة لاتنزيل سخط وعذاب
الفرقان : ( 26 ) الملك يومئذ الحق . . . . .
) الملك يومئذ الحق للرحمن ( الملك مبتدأ والحق صفة له وللرحمن الخبر كذا قال الزجاج أى الملك الثابت الذى لايزول للرحمن يومئذ لأن الملك الذى يزول وينقطع ليس بملك في الحقيقة وفائدة التقييد بالظرف أن ثبوت الملك المذكور له سبحانه خاصة فى هذا اليوم وأما فيما عداه من أيام الدنيا فلغيره ملك في الصورة وإن لم يكن حقيقيا وقيل إن خبر المبتدأ هو الظرف والحق نعت للملك والمعنى الملك الثابت للرحمن خاص في هذا اليوم ) وكان يوما على الكافرين عسيرا ( أى وكان هذا اليوم مع كون الملك فيه لله وحده شديدا على الكفار لما يصابون به فيه وينالهم من العقاب بعد تحقيق الحساب وأما على المؤمنين فهو يسير غير عسير لما ينالهم فيه من الكرامة والبشرى العظيمة
الفرقان : ( 27 ) ويوم يعض الظالم . . . . .
) ويوم يعض الظالم على يديه ( الظرف منصوب بمحذوف أى واذكر كما انتصب بهذا المحذوف الظرف الأول أعنى يوم تشقق ويوم يعض الظالم على يديه الظاهر أن العض هنا حقيقة ولا مانع من ذلك ولا موجب لتأويله وقيل هو كناية عن الغيظ والحسرة والمراد بالظالم كل ظالم يرد ذلك المكان وينزل ذلك المنزل ولا ينافيه ورود الآية على سبب خاص فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ) يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ( يقول فى محل نصب على الحال ومقول القول هو ياليتنى الخ والمنادى محذوف أى ياقوم ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا طريقا وهو طريق الحق ومشيت فيه حتى أخلص من هذه الأمور المضلة والمراد اتباع النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فيما جاء به
الفرقان : ( 28 ) يا ويلتى ليتني . . . . .
) يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ( دعاء على نفسه بالويل والثبور على مخاللة الكافر الذى أضله فى الدنيا وفلان كناية عن الأعلام قال النيسابورى زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح إلا حكاية لايقال جاءنى فلان ولكن يقال قال زيد جاءنى فلان لأنه اسم اللفظ الذى هو علم الاسم وكذلك جاء فى كلام الله وقيل فلان كناية عن علم ذكور من يعقل وفلانه عن علم إناثهم وقيل كناية عن نكرة من يعقل من الذكور وفلانة عمن يعقل من الإناث وأما الفلان والفلانة فكناية عن غير العقلاء وفل يختص بالنداء إلا فى ضرورة كقول الشاعر فى لجة أمسك فلانا عن فل
وقوله
حدثاني عن فلان وفل وليس فل مرخما من فلان خلافا للفراء وزعم أبو حيان أن ابن عصفور وابن مالك وهما فى جعل فلان كناية علم من يعقل وقرأ الحسن ياويلتى بالياء الصريحة وقرأ الدورى بالإمالة قال أبو على وترك الإمالة أحسن لأن أصل هذه اللفظة الياء فأبدلت الكسرة فتحة والياء التاء فرارا من الياء فمن أمال رجع إلى الذى فر منه
الفرقان : ( 29 ) لقد أضلني عن . . . . .
) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ( أى والله لقد أضلنى هذا الذى اتخذته خليلا عن القرآن أو عن الموعظة أو كلمة الشهادة أو مجموع ذلك بعد إذ جاءنى وتمكنت منه وقدرت عليه ) وكان الشيطان للإنسان خذولا ( الخذل ترك الإغاثة


"""""" صفحة رقم 73 """"""
ومنه خذلان إبليس للمشركين حيث يوالونه ثم يتركهم عند استغاثتهم به وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى أو من تمام كلام الظالم وأنه سمى خليله شيطانا بعد أن جعله مضلا أو أراد بالشيطان إبليس لكونه الذى حمله على مخاللة المضلين
الفرقان : ( 30 ) وقال الرسول يا . . . . .
) وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ( معطوف على ) وقال الذين لا يرجون لقاءنا ( والمعنى إن قومى اتخذوا هذا القرآن الذى جئت به إليهم وأمرتنى بإبلاغه وأرسلتني به مهجورا متروكا لم يؤمنوا به ولا قبلوه بوجه من الوجوه وقيل هو من هجر إذا هذى والمعنى أنهم اتخذوه هجرا وهذيانا وقيل معنى مهجورا مهجورا فيه ثم حذف الجار وهجرهم فيه قولهم إنه سحر وشعر وأساطير الأولين وهذا القول يقوله الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يوم القيامة وقيل إنه حكاية لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) فى الدنيا
الفرقان : ( 31 ) وكذلك جعلنا لكل . . . . .
) وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين ( هذا تسلية من الله سبحانه لرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) والمعنى أن الله سبحانه جعل لكل نبى من الأنبياء الداعين إلى الله عدوا يعاديه من مجرمى قومه فلا تجزع يا محمد فإن هذا دأب الأنبياء قبلك واصبر كما صبروا ) وكفى بربك هاديا ونصيرا ( قال المفسرون الباء زائدة أى كفى ربك وانتصاب نصيرا وهاديا على الحال أو التمييز أى يهدى عباده إلى مصالح الدين والدنيا وينصرهم على الأعداء
الفرقان : ( 32 ) وقال الذين كفروا . . . . .
) وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ( هذا من جملة اقتراحاتهم وتعنتاتهم أى هلا نزل الله علينا هذا القرآن دفعة واحدة غير منجم واختلف في قائل هذه المقالة فقيل كفار قريش وقيل اليهود قالوا هلا أتيتنا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور وهذا زعم باطل ودعوى داحضة فإن هذه الكتب نزلت مفرقة كما نزل القرآن ولكنهم معاندون أو جاهلون لايدرون بكيفية نزول كتب الله سبحانه على أنبيائه ثم رد الله سبحانه عليهم فقال ) كذلك لنثبت به فؤادك ( أى نزلنا القرآن كذلك مفرقا والكاف في محل نصب على أنها نعت مصدر محذوف وذلك إشارة إلى مايفهم من كلامهم أى مثل ذلك التنزيل المفرق الذى قدحوا فيه واقترحوا خلافه نزلناه لنقوى بهذا التنزيل على هذه الصفة فؤادك فإن إنزاله مفرقا منجما على حسب الحوادث أقرب إلى حفظك له وفهمك لمعانيه وذلك من أعظم أسباب التثبيت واللام متعلقة بالفعل المحذوف الذى قدرناه وقال أبو حاتم إن الأخقش قال إنها جواب قسم محذوف قال وهذا قول مرجوح وقرأ عبد الله ليثبت بالتحتية أى الله سبحانه وقيل إن هذه الكلمة أعنى كذلك هى من تمام كلام المشركين والمعنى كذلك أى كالتوراة والإنجيل والزبور فيوقف على قوله كذلك ثم يبتدأ بقوله ) لنثبت به فؤادك ( على معنى أنزلناه عليك متفرقا لهذا الغرض قال ابن الأنبارى وهذا أجود وأحسن قال النحاس وكان ذلك أى إنزال القرآن منجما من أعلام النبوة لأنهم لايسألونه عن شىء إلا أجيبوا عنه وهذا لايكون إلا من نبى فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم ) ورتلناه ترتيلا ( هذا معطوف على الفعل المقدر أى كذلك نزلناه ورتلناه ترتيلا ومعنى الترتيل أن يكون آية بعد آية قال النخعى والحسن وقتادة وقيل إن المعني بيناه تبيينا حكى هذا عن ابن عباس وقال مجاهد بعضه في إثربعض وقال السدى فصلناه تفصيلا قال ابن الأعرابي ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتبين
الفرقان : ( 33 ) ولا يأتونك بمثل . . . . .
ثم ذكر سبحانه أنهم محجوجون فى كل أوان مدفوع قولهم بكل وجه وعلى كل حالة فقال ) ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ( أى لايأتيك يا محمد المشركون بمثل من أمثالهم التى من جملتها اقتراحاتهم المتعنتة إلا جئناك في مقابلة مثلهم بالجواب الحق الثابت الذى يبطل ماجاءوا به من المثل ويدمغه ويدفعه فالمراد بالمثل هنا السؤال والاقتراح وبالحق جوابه الذى يقطع ذريعته ويبطل شبهته ويحسم مادته ومعنى ) وأحسن تفسيرا ( جئناك


"""""" صفحة رقم 74 """"""
بأحسن نفسير فأحسن تفسيرا معطوف على الحق والاستثناء بقوله ) إلا جئناك ( مفرغ والجملة فى محل نصب على الحال أى لايأتونك بمثل إلا فى حال إيتائنا إياك ذلك
الفرقان : ( 34 ) الذين يحشرون على . . . . .
ثم أوعد هؤلاء الجهلة وذمهم فقال ) الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم ( أى يحشرون كائنين على وجوهم والموصول مبتدأ وخبره أولئك أو هو خبر مبتدأ محذوف أى هم الذين ويجوز نصبه علي الذم ومعنى يحشرون على وجوهم يسحبون عليها إلى جهنم ) أولئك شر مكانا ( أى منزلا ومصيرا ) وأضل سبيلا ( وأخطا طريقا وذلك لأنهم قد صاروا في النار وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية فى سورة سبحان وقد قيل إن هذا متصل بقوله أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج عبد بن حميد وابن أبى الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والحاكم عن ابن عباس فى قوله ) ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا ( قال يجمع الله الخلق يوم القيامة فى صعيد واحد الجن والانس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق فتنشق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن فى الأرض من الجن والإنس وجميع الخلق فيحيطون بالجن والإنس وجميع الخلق فيقول أهل الأرض أفيكم ربنا فيقولون لا ثم تنشق السماء الثانية وذكر مثل ذلك ثم كذلك فى كل سماء إلى السماء السابعة وفى كل سماء أكثر من السماء التي قبلها ثم ينزل ربنا فى ظلل من الغمام وحوله الكروبيون وهم أكثر من أهل السموات السبع والإنس والجن وجميع الخلق لهم قرون ككعوب القثاء وهم تحت العرش لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله تعالى ما بين إخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام ومن ركبته إلى فخذه مسيرة خمسمائة عام ومن فخذه إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام وإسناده عند ابن جرير هكذا قال حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنى الحجاج بن مبارك بن فضالة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران أنه سمع ابن عباس فذكره وأخرجه ابن أبى حاتم باسناد هكذا قال حدثنا محمد بن عمار بن الحرث مأمول حدثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد به وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم فى الدلائل بسند قال السيوطى صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أن أبا معيط كان يجلس مع النبى ( صلى الله عليه وسلم ) بمكة لايؤذيه وكان رجلا حليما وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه وكان لأبى معيط خليل غائب عنه بالشام فقالت قريش صبأ أبو معيط وقدم خليله من الشام ليلا فقال لامرأته مافعل محمد مما كان عليه فقالت أشد ما كان أمرا فقال ما فعل خليلى أبو معيط فقالت صبأ فبات بليلة سوء فلما أصبح أتاه أبو معيط فحياه فلم يرد عليه التحية فقال مالك لاترد على تحيتى فقال كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت قال أو قد فعلتها قريش قال نعم قال فما يبريء صدورهم إن أنا فعلته قال تأتيه فى مجلسه فتبزق فى وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلم من الشتم ففعل فلم يرد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على أن مسح وجهه من البزاق ثم ألتفت إليه فقال إن وجدتك خارجا من جبال مكة أضرب عنقك صبرا فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج فقال له أصحابه أخرج معنا قال وعدنى هذا الرجل إن وجدنى خارجا من جبال مكة أن يضرب عنقى صبرا فقالوا لك جمل أحمر لايدرك فلو كانت الهزيمة طرت عليه فخرج معهم فلما هزم الله المشركين وحمل به جمله فى جدود من الأرض فأخذه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أسيرا فى سبعين من قريش وقدم إليه أبو معيط فقال أتقتلنى من بين هؤلاء قال نعم بما بزقت فى وجهى فأنزل الله فى أبى معيط ) ويوم يعض الظالم على يديه ( إلي قوله ) وكان الشيطان للإنسان خذولا ( وأخرج أبو نعيم هذه القصة


"""""" صفحة رقم 75 """"""
من طريق الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس وذكر أن خليل أبى معيط هو أبى بن خلف وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أيضا في قوله ) ويوم يعض الظالم على يديه ( قال أبى بن خلف وعقبة بن أبى معيط وهما الخليلان فى جهنم وأخرج ابن مردويه عنه أيضا فى قوله ) وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين ( قال كان عدو النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أبو جهل وعدو موسى قارون وكان قارون ابن عم موسى وأخرج ابن أبى حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء فى المختارة عن ابن عباس قال قال المشركون لو كان محمد كما يزعم نبيا فلم يعذبه ربه ألا ينزل عليه القرآن جملة واحدة ينزل عليه الآية والآيتين والسورة والسورتين فأنزل الله على نبيه جواب ما قالوا ) وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ( إلى ) وأضل سبيلا ( وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ) لنثبت به فؤادك ( قال لنشدد به فؤادك ونربط على قلبك ) ورتلناه ترتيلا ( قال رسلناه ترسيلا يقول شيئا بعد شىء ولا يأتونك بمثل يقول لو أنزلنا عليك القرآن جملة واحدة ثم سألوك لم يكن عنده ما يجيب ولكنا نمسك عليك فإذا سألوك أجبت
سورة الفرقان ( 35 44 )
الفرقان : ( 35 ) ولقد آتينا موسى . . . . .
اللام فى قوله ) ولقد آتينا موسى الكتاب ( جواب قسم محذوف أى والله لقد آتينا موسى التوراة ذكر سبحانه طرفا من قصص الأولين تسلية له ( صلى الله عليه وسلم ) بأن تكذيب قوم أنبياء الله لهم عادة للمشركين بالله وليس ذلك بخاص بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) وهرون عطف بيان ويجوز أن ينصب على القطع ووزيرا المفعول الثانى وقيل حال والمفعول الثانى معه والأول أولى قال الزجاج الوزير في اللغة الذى يرجع إليه ويعمل برأيه والوزر ما يعتصم به ومنه ) كلا لا وزر ( وقد تقدم تفسير الوزير فى طه والوزارة لاتنافى النبوة فقد كان يبعث فى الزمن الواحد أنبياء ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضا وقد كان هارون فى أول الأمر وزيرا لموسى
الفرقان : ( 36 ) فقلنا اذهبا إلى . . . . .
ولاشتراكهما فى النبوة قيل لهما قيل لهما ) اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا ( وهم فرعون


"""""" صفحة رقم 76 """"""
وقومه والايات هى التسع التى تقدم ذكرها وإن لم يكونوا قد كذبوا بها عند أمر الله لموسى وهارون بالذهاب بل كان التكذيب بعد ذلك لكن هذا الماضى بمعنى المستقبل على عادة إخبار الله أى اذهبا إلى القوم الذين يكذبون بآياتنا وقيل إنما وصفوا بالتكذيب عند الحكاية لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بيانا لعلة استحقاقهم للعذاب وقيل يجوز أن يراد إلى القوم الذين آل حالهم إلى أن كذبوا وقيل إن المراد بوصفهم بالتكذيب عند الإرسال إنهم كانوا مكذبين للآيات الإلهية وليس المراد آيات الرسالة قال القشيرى وقوله تعالى فى موضع آخر ) اذهب إلى فرعون إنه طغى ( لاينافى هذا لأنهما إذا كانا مأمورين فكل واحد مأمور ويمكن أن يقال إن تخصيص موسى بالخطاب فى بعض المواطن لكونه الأصل فى الرسالة والجمع بينهما فى الخطاب لكونهما مرسلين جميعا ) فدمرناهم تدميرا ( فى الكلام حذف أى فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم أى أهلكناهم إثر ذلك التكذيب إهلاكا عظيما وقيل إن المراد بالتدمير هنا الحكم به لأنه لم يحصل عقب بعث موسى وهارون إليهم بل بعده بمدة
الفرقان : ( 37 ) وقوم نوح لما . . . . .
) وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ( فى نصب قوم أقوال العطف على الهاء والميم فى دمرناهم أو النصب بفعل محذوف أى اذكر أو بفعل مضمر يفسره ما بعده وهو أغرقناهم أى أغرقنا قوم نوح أغرقناهم وقال الفراء هو منصوب بأغرقناهم المذكور بعده من دون تقدير مضمر يفسره ما بعده ورده النحاس بأن أغرقنا لايتعدى إلى مفعولين حتى يعمل فى الضمير المتصل وفى قوم نوح ومعنى ) لما كذبوا الرسل ( أنهم كذبوا نوحا وكذبوا من قبله من رسل الله وقال الزجاج من كذب نبيا فقد كذب جميع الأنبياء وكان إغراقهم بالطوفان كما تقدم فى هود ) وجعلناهم للناس آية ( أي جعلنا إغراقهم أو قصتهم للناس آية أى عبرة لكل الناس على العموم يتعظ بها كل مشاهد لها وسامع لخبرها ) وأعتدنا للظالمين ( المراد بالظالمين قوم نوح على الخصوص ويجوز أن يكون المراد كل من سلك مسلكهم فى التكذيب والعذاب الزليم هو عذاب الآخرة
الفرقان : ( 38 ) وعادا وثمود وأصحاب . . . . .
وانتصاب عادا بالعطف على قوم نوح وقيل على محل الظالمين وقيل على مفعول جعلناهم وثمود معطوف على عادا وقصة عاد وثمود قد ذكرت فيما سبق ) وأصحاب الرس ( الرس فى كلام العرب البئر التى تكون غير مطوية والجمع رساس كذا قال أبو عبيدة ومنه قول الشاعر وهم سائرون إلى أرضهم
تنابلة يحفرون الرساسا
قال السدى هى بئر بانطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار فنسبوا إليها وهو صاحب يس الذى قال ياقوم اتبعوا المرسلين وكذا قال مقاتل وعكرمة وغيرهما وقيل هم قوم بأذربيجان قتلوا أنبياءهم فجفت أشجارهم وزروعهم فماتوا جوعا وعطشا وقيل كانوا يعبدون الشجر وقيل كانوا يعبدون الأصنام فأرسل الله إليهم شعيبا فكذبوه وآذوه وقيل هم قوم أرسل الله إليهم نبيا فأكلوه وقيل هم أصحاب الأخدود وقيل إن الرس هى البئر المعطلة التى تقدم ذكرها وأصحابها أهلها وقال فى الصحاح والرس اسم بئر كانت لبقية ثمود وقيل الرس ماء ونخل لبنى أسد وقيل الثلج المتراكم فى الجبال والرس اسم واد ومنه قول زهير بكرن بكورا واستحرن بسحرة
فهن لوادى الرس كاليد للفم
والرس أيضا الإصلاح بين الناس والإفساد بينهم فهو من الأضداد وقيل هم أصحاب حنطلة بن صفوان وهم الذين ابتلاهم الله بالطائر المعروف بالعنقاء ) وقرونا بين ذلك كثيرا ( معطوف على ماقبله والقرون جمع قرن أى أهل قرون والقرن مائة سنة وقيل مائة وعشرون وقيل القرن أربعون سنة والإشارة بقوله بين ذلك


"""""" صفحة رقم 77 """"""
إلى ما تقدم ذكره من الأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك
الفرقان : ( 39 ) وكلا ضربنا له . . . . .
) وكلا ضربنا له الأمثال ( قال الزجاج أى وأنذرنا كلا ضربنا لهم الأمثال وبينا لهم الحجة ولم نضرب لهم الأمثال الباطلة كما يفعله هؤلاء الكفرة فجعله منصوبا بعقل مضمر يفسره ما بعده لأن حذرنا وذكرنا وأنذرنا فى معنى ضربنا ويجوز أن يكون معطوفا على ما قبله والتنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف وهو الأمم أى كل الأمم ضربنا لهم الأمثال و أما كلا الأخرى فهى منصوبة بالفعل الذى بعدها والتتبير الإهلاك بالعذاب قال الزجاج كل شىء كسرته وفتته فقد تبرته وقال غير واضحة والأخفش معنى ) تبرنا تتبيرا ( أدمرنا تدميرا أبدلت التاء والباء من الدال والميم
الفرقان : ( 40 ) ولقد أتوا على . . . . .
) ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء ( هذه جملة مستأنفة مبينة بمشاهدتهم لآثار هلاك بعض الأمم والمعنى ولقد أتوا أى مشركوا مكة على قرية قوم لوط التى أمطرت مطر السوء وهو الحجارة أى هلكت بالحجارة التى أمطروا بها وانتصاب مطر على المصدرية أو على أنه مفعول ثان إذ المعنى أعطيتها وأوليتها مطر السوء أو على أنه نعت مصدر محذوف أي إمطار مثل مطر السوء وقرأ أبو السمأل السوء بضم السين وقد تقدم تفسير السوء فى براءة ) أفلم يكونوا يرونها ( الاستفهام للتقريع والتوبيخ أى يرون القرية المذكورة عند سفرهم إلى الشام للتجارة فإنهم يمرون بها والفاء للعطف على مقدر أى لم يكونوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها ) بل كانوا لا يرجون نشورا ( أضرب سبحانه عما سبق من عدم رؤيتهم لتلك الآثار إلى عدم رجاء البعث منهم المستلزم لعدم رجائهم للجزاء ويجوز أن يكون معنى يرجون يخافون
الفرقان : ( 41 ) وإذا رأوك إن . . . . .
) وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا ( أي ما يتخذونك إلا هزوءا أى مهزوءا بك قصر معاملتهم له على اتخاذهم إياه هزوا فجواب إذا هو إن يتخذونك وقيل الجواب محذوف وهو قالوا أهذا الذى وعلى هذا فتكون جملة ) إن يتخذونك إلا هزوا ( معترضة والأول أولى وتكون جملة ) أهذا الذي بعث الله رسولا ( فى محل نصب على الحال بتقدير القول أى قائلين أهذا الخ وفى اسم الإشارة دلالة على استحقارهم له وتهكمهم به والعائد محذوف أى بعثه الله وانتصاب رسولا على الحال أى مرسلا واسم الإشارة مبتدأ وخبره الموصول وصلته
الفرقان : ( 42 ) إن كاد ليضلنا . . . . .
) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا ( أى قالوا إن كاد هذا الرسول ليضلنا ليصرفنا عن آلهتنا فنترك عبادتها وإن هنا هى المخففة وضمير الشأن محذوف أى إنه كاد أن يصرفنا عنها ) لولا أن صبرنا عليها ( أى حبسنا أنفسنا على عبادتها ثم إنه سبحانه أجاب عليهم فقال ) وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ( أى حين يرون عذاب يوم القيامة الذى يستحقونه ويستوجبونه بسبب كفرهم من هو أضل سبيلا أى أبعد طريقا عن الحق والهدى أهم أم المؤمنون
الفرقان : ( 43 ) أرأيت من اتخذ . . . . .
ثم بين لهم سبحانه أنه لاتمسك فيما ذهبوا إليه سوى التقليد واتباع الهوى فقال معجبا لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) أرأيت من اتخذ إلهه هواه ( قدم المفعول الثانى للعناية كما تقول علمت منطلقا زيدا أى أطاع هواه طاعة كطاعة الإله أى انظر إليه يا محمد وتعجب منه قال الحسن معنى الآية لايهوى شيئا إلا اتبعه ) أفأنت تكون عليه وكيلا ( الاستفهام للإنكار والاستبعاد أى أفأنت تكون عليه حفيظا وكفيلا حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من الكفر ولست تقدر على ذلك ولا تطيقه فليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك وإنما عليك البلاغ وقد قيل إن هذه الاية منسوخة بآية القتال
الفرقان : ( 44 ) أم تحسب أن . . . . .
ثم انتقل سبحانه من الإنكار الأول إلى إنكار آخر فقال ) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ( أى أتحسب أن أكثرهم يسمعون ماتتلو عليهم من آيات القرآن ومن المواعظ أو يعقلون معانى ذلك ويفهمونه حتى تعتنى بشأنهم وتطمع فى إيمانهم وليسوا كذلك بل هم بمنزلة من لايسمع ولا يعقل ثم بين سبحانه حالهم وقطع مادة الطمع فيهم فقال ) إن هم إلا كالأنعام (


"""""" صفحة رقم 78 """"""
أى ماهم فى الانتفاع بما يسمعونه إلا كالبهائم التى هى مسلوبة الفهم والعقل فلا تطمع فيهم فإن فائدة السمع والعقل مفقودة وإن كانوا يسمعون ما يقال لهم ويعقلون ما يتلى عليهم ولكنهم لما لم ينتفعوا بذلك كانوا كالفاقد له ثم أضرب سبحانه عن الحكم عليهم بأنهم كالأنعام إلى ماهو فوق ذلك فقال ) بل هم أضل سبيلا ( أى أضل من الأنعام طريقا قال مقاتل البهائم تعرف ربها وتهتدى إلى مراعيها وتنقاد لأربابها وهؤلاء لاينقادون ولا يعرفون ربهم الذى خلقهم ورزقهم وقيل إنما كانوا أضل من الأنعام لأنه لا حساب عليها ولا عقاب لها وقيل إنما كانوا أضل لأن البهائم إذا لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك بخلاف هؤلاء فإنهم اعتقدوا البطلان عنادا ومكابرة وتعصبا وغمطا للحق
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عن قتادة فى قوله ) وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا ( قال عونا وعضدا وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله ) فدمرناهم تدميرا ( قال أهلكناهم بالعذاب وأخرج ابن جرير عنه قال الرس قرية من ثمود وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال الرس بئر بأذربيجان وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس أنه سأل كعبا عن أصحاب الرس قال صاحب يس الذى قال ياقوم اتبعوا المرسلين فرسصه قومه فى بئر بالزحجار وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن محمد بن كعب القرظى قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود وذلك أن الله بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلا ذلك الأسود ثم إن أهل القرية غدوا على النبى فحفروا له بئرا فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره ثم يأتي يحطبه فيبيعه فيشتري طعاما وشرابا ثم يأتى به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة فيعينه الله عليها فيدلى طعامه وشرابه ثم يردها كما كانت فكان كذلك ماشاء الله أن يكون ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها فلما أراد أن يحملها وجد سنة فاضطجع فنام فضرب على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه ذهب فتمطى فتحول لشقه الآخر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى ثم إنه ذهب فاحتمل حزمته ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع ثم ذهب إلى الحفرة فى موضعها الذى كانت فيه فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه بد فاستخرجوه فآمنوا به وصدقوه وكان النبى يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل فيقولون ما ندرى حتى قبض ذلك النبى فأذهب الله الأسود من نومته بعد ذلك إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة قال ابن كثير فى تفسيره بعد إخراجه وفيه غرابة ونكارة ولعل فيه إدراجا انتهى الحديث أيضا مرسل وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن زرارة بن أوفى قال القرن مائة وعشرون عاما وأخرج هؤلاء عن قتادة قال القرن سبعون سنة وأخرج ابن مردويه عن أبى سلمة قال القرن مائة سنة وقد روى مرفوعا إلى النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال القرن مائة سنة وقال القرن خمسون سنة وقال القرن أربعون سنة وما أظنه يصح شىء من ذلك وقد سمى الجماعة من الناس قرنا كما فى الحديث الصحيح خير القرون قرنى وأخرج الحاكم فى الكنى عن ابن عباس قال كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك ثم يقول كذب النسابون قال الله ) وقرونا بين ذلك كثيرا ( وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ) ولقد أتوا على القرية ( قال هى سدوم قرية لوط ) التي أمطرت مطر السوء ( قال الحجارة وأخرج ابن أبى حاتم وابن مردويه عن ابن عباس فى قوله ) أرأيت من اتخذ إلهه هواه ( قال كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زمانا من الدهر في الجاهلية


"""""" صفحة رقم 79 """"""
فإذا وجد حجرا أحسن منه رمى به وعبد الآخر فأنزل الله الآية وأخرج ابن المنذر وابن أبى حاتم فى الآية قال ذلك الكافر لايهوى شيئا إلا اتبعه
سورة الفرقان ( 45 54 )
الفرقان : ( 45 ) ألم تر إلى . . . . .
لما فرغ سبحانه من ذكر جهالة الجاهلين وضلالتهم أتبعه بذكر طرف من دلائل التوحيد مع مافيها من عظيم الإنعام فأولها الاستدلال بأحوال الظل فقال ) ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ( هذه الرؤية إما بصرية والمراد بها ألم تبصر إلى صنع ربك أوألم تبصر إلى الظل كيف مده ربك وإما قلبية بمعنى العلم فإن الظل متغير وكل متغير حادث ولكل حادث موجد قال الزجاج ألم تر ألم تعلم وهذا من رؤية القلب قال وهذا الكلام على القلب والتقدير ألم تر إلى الظل كيف مده ربك يعنى الظل من وقت الإسفار إلى طلوع الشمس وهو لا شمس معه وبه قال الحسن وقتادة وقيل هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها قال أبو عبيدة الظل بالغداة والفىء بالعشى لأنه يرجع بعد زوال الشمس سمى فيئا لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب قال حميد ابن ثور يصف سرحة وكنى بها عن امرأة فلا الظل من برد الضحى تستطيعه
ولا الفىء من برد العشى تذوق
وقال ابن السكيت الظل ما نسخته الشمس والفىء مانسخ الشمس وحكى أبو عبيدة عن رؤبة قال كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فىء وظل ومالم تكن عليه الشمس فهو ظل انتهى وحقيقة الظل أنه أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة وهذا التوسط هو أعدل من الطرفين لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس والضوء الكامل لقوته يبهر الحس البصرى ويؤذي بالتسخين ولذلك وصفت الجنة به بقوله وظل ممدود وجملة ) ولو شاء لجعله ساكنا ( معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه أى لو شاء الله سبحانه سكونه لجعله ساكنا ثابتا دائما مستقرا لاتنسخه الشمس وقيل المعنى لو شاء لمنع الشمس الطلوع والأول أولى والتعبير بالسكون عن الإقامة والاستقرار سائغ ومنه قولهم سكن فلان بلد كذا إذا أقام به واستقر فيه وقوله ) ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ( معطوف على قوله مد الظل داخل فى حكمه أى جعلناها علامة يستدل بها بأحوالها على أحواله وذلك لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل فى الطريق


"""""" صفحة رقم 80 """"""
من جهة أنه يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص
الفرقان : ( 46 ) ثم قبضناه إلينا . . . . .
وقوله ) ثم قبضناه ( معطوف أيضا على مد داخل فى حكمه والمعنى ثم قبضنا ذلك الظل الممدود ومحوناه عند إيقاع شعاع الشمس موقعه بالتدريج حتى انتهى الإظلال إلى العدم والاضمحلال وقيل المراد فى الآية قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهى الأجرام النيرة والأول أولى والمعنى أن الظل يبقى فى هذا الجو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضا وخلفه فى هذا الجو شعاع الشمس فأشرقت على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها فإذا غربت فليس هنالك ظل إنما فيه بقية نور النهار وقال قوم قبضه بغروب الشمس لأنها إذا لم تغرب فالظل فيه بقية وإنما يتم زواله بمجىء الليل ودخول الظلمة عليه وقيل المعنى ثم قبضنا ضياء الشمس بالفىء ) قبضا يسيرا ( ومعنى إلينا أن مرجعه إليه سبحانه كما أن حدوثه منه قبضا يسيرا أي على تدريج قليلا قليلا بقدر ارتفاع الشمس وقيل يسيرا سريعا وقيل المعنى يسيرا علينا أى يسيرا قبضه علينا ليس بعسير
الفرقان : ( 47 ) وهو الذي جعل . . . . .
) وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ( شبه سبحانه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر قال ابن جرير وصف الليل باللباس تشبيها من حيث أنه يستر الأشياء ويغشاها واللام متعلقة بجعل ) والنوم سباتا ( أى وجعل النوم سباتا أى راحة لكم لأنكم تنقطعون عن الاشتغال وأصل السبات التمدد يقال سبتت المرأة شعرها أى نقضته وأرسلته ورجل مسبوت أى ممدود الخلقة وقيل للنوم ثبات لأنه بالتمدد يكون وفى التمدد معنى الراحة وقيل السبت القطع فالنوم انقطاع عن الاشتغال ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الاشتغال قال الزجاج السبات النوم وهو أن ينقطع عن الحركة والروح فى بدنه أى جعلنا نومكم راحة لكم وقال الخليل السبات نوم ثقيل أى جعلنا نومكم ثقيلا ليكمل الإجمام والراحة ) وجعل النهار نشورا ( أى زمان بعث من ذلك السبات شبه اليقظة بالحياة كما شبه النوم بالسبات الشبية بالممات وقال فى الكشاف إن السبات الموت واستدل على ذلك بكون النشور فى مقابلته
الفرقان : ( 48 ) وهو الذي أرسل . . . . .
) وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ( قرئ الريح وقريء بشرا بالباء الموحدة وبالنون وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى فى الأعراف ) وأنزلنا من السماء ماء طهورا ( أى يتطهر به كما يقال وضوء للماء الذى يتوضأ به قال الأزهرى الطهور في اللغة الطاهر المطهر والطهور ما يتطهر به قال ابن الأنبارى الطهور بفتح الطاء الاسم وكذلك الوضوء والوقود وبالضم المصدر هذا هو المعروف فى اللغة وقد ذهب الجمهور إلى أن الطهور هو الطاهر المطهر ويؤيد ذلك كونه بناء مبالغة وروي عن أبى حنيفة أنه قال الطهور هو الطاهر واستدل لذلك بقوله تعالى ) وسقاهم ربهم شرابا طهورا ( يعنى طاهرا ومنه قول الشاعر خليلى هل فى نظرة بعد توبة
أدواى بها قلبى علي فجور
إلى رجح الأكفان غيد من الظبى
عذاب الثنايا ريقهن طهور
فوصف الريق بأنه طهور وليس بمطهر ورجح القول الأول ثعلب وهو راجح لما تقدم من حكاية الأزهرى لذلك عن أهل اللغة وأما وصف الشاعر للريق بأنه طهور فهو على طريق المبالغة وعلى كل حال فقد ورد الشرع بأن الماء طاهر فى نفسه مطهر لغيره قال الله تعالى ) وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ( وقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) خلق الماء طهورا
الفرقان : ( 49 ) لنحيي به بلدة . . . . .
ثم ذكر سبحانه علة الإنزال فقال ) لنحيي به ( أى بالماء المنزل من السماء ) بلدة ميتا ( وصف البلدة بميتا وهى صفة للمذكر لأنها بمعنى البلد وقال الزجاج أراد بالبلد المكان والمراد بالإحياء هنا إخراج النبات من المكان الذى لانبات فيه ) ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ( أى نسقى ذلك الماء قرأ أبو عمرو وعاصم فى رواية عنهما وأبو حيان وابن أبى عبلة بفتح النون من نسقيه وقرأ الباقون بضمها ومن فى مما خلقنا للابتداء وهي متعلقة بنسقيه ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنه حال


"""""" صفحة رقم 81 """"""
والأنعام قد تقدم الكلام عليها والأناسى جمع إنسان على ماذهب إليه سيبويه وقال الفراء والمبرد والزجاج إنه جمع إنسى وللفراء قول آخر إنه جمع إنسان والأصل أناسين مثل سرحان وسراحين وبستان وبساتين فجعلوا الباء عوضا من النون
الفرقان : ( 50 ) ولقد صرفناه بينهم . . . . .
) ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ( ضمير صرفناه ذهب الجمهور إلى أنه راجع إلى ماذكر من الدلائل أى كررنا أحوال الإظلال وذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر فى القرآن وفى سائر الكتب السماوية ليتفكروا ويعتبروا فأبى أكثر هم إلا كفران النعمة وجحدها وقال آخرون إنه يرجع إلى أقرب المذكورات وهو المطر أى صرفنا المطر بينهم فى البلدان المختلفة فنزيد منه فى بعض البلدان وننقص فى بعض آخر منها وقيل الضمير راجع إلى القرآن وقد جرى ذكره في أول السورة حيث قال ) تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ( وقوله ) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ( وقوله اتخذوا هذا القرآن مهجورا والمعنى ولقد كررنا هذا القرآن برنزال آياته بين الناس ليذكروا به ويعتبروا بما فيه فأبى أكثرهم ) إلا كفورا ( به وقيل هو راجع إلى الريح وعلى رجوع الضمير إلى المطر فقد اختلف فى معناه فقيل ماذكرناه وقيل صرفناه بينهم وابلا وطشا وطلا ورذاذا وقيل تصريفه تنويع الانتفاع به فى الشرب والسقى والزراعات به والطهارات قال عكرمة إن المراد بقوله ) فأبى أكثر الناس إلا كفورا ( هو قولهم فى الأنواء مطرنا بنوء كذا قال النحاس ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافا أن الكفر هنا قولهم مطرنا بنوء كذا وقرأ عكرمة صرفناه مخففا وقرأ الباقون بالتثقيل وقرأ حمزة والسكائي ليذكروا مخففة الذال من الذكر وقرأ الباقون بالتثقيل من التذكر
الفرقان : ( 51 ) ولو شئنا لبعثنا . . . . .
) ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ( أى رسولا ينذرهم كما قسمنا المطر بينهم ولكنا لم نفعل ذلك بل جعلنا نذيرا واحدا وهو أنت يا محمد فقابل ذلك بشكر النعمة
الفرقان : ( 52 ) فلا تطع الكافرين . . . . .
) فلا تطع الكافرين ( فيما يدعونك إليه من اتباع آلهتهم بل اجتهد فى الدعوة واثبت فيها و الضمير فى قوله ) وجاهدهم به جهادا كبيرا ( راجع إلى القرآن أي جاهدهم بالقرآن واتل عليهم مافيه من القوارع والزواجرت والأوامر والنواهى وقيل الضمير يرجع إلى الإسلام وقيل بالسيف والأول أولى وهذه السورة مكية والأمر بالقتال إنما كان بعد الهجرة وقيل الضمير راجع إلى ترك الطاعة المفهوم من قوله ) فلا تطع الكافرين ( وقيل الضمير يرجع إلي مادل عليه قوله ) ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ( لأنه سبحانه لو بعث فى كل قرية نذيرا لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة القرية التي أرسل إليها وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فلا جرم اجتمع عليه كل المجاهدات فكبر جهاده وعظم وصار جامعا لكل مجاهدة ولا يخفى مافى هذين الوجهين من البعد
الفرقان : ( 53 ) وهو الذي مرج . . . . .
ثم ذكر سبحانه دليلا رابعا على التوحيد فقال ) وهو الذي مرج البحرين ( مرج خلى وخلط وأرسل يقال مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها فى المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء قال مجاهد أرسلهما وأفاض أحدهما إلى الاخر وقال ابن عرفة خلطهما فهما يلتقيان يقال مرجته إذا خلطته ومرج الدين والأمر اختلط واضطرب ومنه قوله ) في أمر مريج ( وقال الأزهرى مرج البحرين خلى بينهما يقال مرجت الدابة إذا خليتها ترعى وقال ثعلب المرج الإجراء فقوله مرج البحرين أى أجراهما قال الأخفش ويقول قوم أمرج البحرين مثل مرج فعل وأفعل بمعنى ) هذا عذب فرات ( الفرات البليغ العذوبة وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل كيف مرجهما فقيل هذا عذب وهذا ملح ويجوز أن يكون فى محل نصب على الحال قيل سمى الماء الحلو فراتا لأنه يفرت العطش أى يقطعه ويكسره ) وهذا ملح أجاج ( أى بليغ الملوحة هذا معنى الأجاج وقيل الأجاج البليغ فى الحرارة وقيل البليغ في المرارة وقرأ طلحة ملح بفتح الميم وكسر اللام ) وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ( البرزخ الحاجز والحائل الذي جعله الله بينهما من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمارج ومعنى ) حجرا محجورا ( ستر مستورا


"""""" صفحة رقم 82 """"""
يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر فالبرزخ الحاجز والحجز المانع وقيل معنى ) حجرا محجورا ( هو ماتقدم من أنها كلمة يقولها المتعوذ كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له هذا القول وقيل حدا محدودا وقيل المراد من البحر العذب الأنهار العظام كالنيل والفرات وجيحون ومن البحر الأجاج البحار المشهورة والبرزخ بينهما الحائل من الأرض وقيل معنى ) حجرا محجورا ( حراما محرما أن يعذب هذا المالح بالعذب أو يملح هذا العذب بالمالح ومثل هذه الآية قوله سبحانه فى سورة الرحمن ) مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان )
الفرقان : ( 54 ) وهو الذي خلق . . . . .
ثم ذكر سبحانه حالة من أحوال خلق الإنسان والماء فقال ) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا ( والمراد بالماء هنا ماء النطفة أى خلق من ماء النطفة إنسانا فجعله نسبا وصهرا وقيل المراد بالماء الماء المطلق الذى يراد فى قوله ) وجعلنا من الماء كل شيء حي ( والمراد بالنسب هو الذي لايحل نكاحه قال الفراء والزجاج واشتقاق الصهر من صهرت الشىء إذا خلطته وسميت المناكح صهرا لاختلاط الناس بها وقيل الصهر قرابة النكاح فقرابة الزوجة هم الأختان وقرابة الزوج هم الأحماء والأصهار تعمهما قاله الأصمعى قال الواحدى قال المفسرون النسب سبعة أصناف من القرابة يجمعها قوله ) حرمت عليكم أمهاتكم ( إلى قوله وأمهات نسائكم ومن هنا إلى قوله وأن تجمعوا بين الأختين تحريم بالصهر وهو الخلطة التى تشبه القرابة حرم الله سبعة أصناف من النسب وسبعة من جهة الصهر قد اشتملت الآية المذكورة على ستة منها والسابعة قوله ) ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ( وقد جعل ابن عطية والزجاج وغيرهما الرضاع من جملة النسب ويؤيده قوله ( صلى الله عليه وسلم ) يحرم في الرضاع ما يحرم من النسب ) وكان ربك قديرا ( أى بليغ القدرة عظيمها ومن جملة قدرته الباهرة خلق الإنسان وتقسيمه إلى القسمين المذكورين
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله ) ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ( قال بعد الفجر قبل أن تطلع الشمس وأخرج ابن أبى حاتم عنه بلفظ ألم تر أنك إذا صليت الفجر كان بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلا ثم بعث الله عليه الشمس دليلا فقبض الظل وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عنه أيضا فى الآية قال مد الظل مابين طلوع الفجر إلي طلوع الشمس ) ولو شاء لجعله ساكنا ( قال دائما ) ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ( يقول طلوع الشمس ) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ( قال سريعا وأخرج أهل السنن وأحمد وغيرهم من حديث أبى سعيد قال قيل يارسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهى بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال إن الماء طهور لاينجسه شىء وفى إسناد هذا الحديث كلام طويل قد استوفيناه فى شرحنا على المنتقى وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والحاكم وصححه والبيهقى فى سننه عن ابن عباس قال ما من عام بأقل مطر من عام ولكن الله يصرفه حيث يشاء ثم قرأ هذه الآية ) ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ( الآية وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس فى قوله ) وجاهدهم به ( قال بالقرآن وأخرج ابن جرير عنه ) وهو الذي مرج البحرين ( يعنى خلط أحدهما على الآخر فليس يفسد العذب المالح وليس يفسد المالح العذب وأخرج ابن أبى حاتم عنه أيضا فى قوله ) وحجرا محجورا ( يقول حجر أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن المغيرة قال سئل عمر بن الخطاب ) نسبا وصهرا ( فقال ما أراكم إلا وقد عرفتم النسب وأما الصهر فالأختان والصحابة


"""""" صفحة رقم 83 """"""
سورة الفرقان ( 55 67 )
الفرقان : ( 55 ) ويعبدون من دون . . . . .
لما ذكر سبحانه دلائل التوحيد عاد إلى ذكر قبائح الكفار وفضائح سيرتهم فقال ) ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ( إن عبدوه ) ولا يضرهم ( إن تركوه ) وكان الكافر على ربه ظهيرا ( الظهير المظاهر أى المعاون على ربه بالشرك والعدواة والمظاهرة على الرب هى المظاهرة على رسوله أو على دينه قال الزجاج لأنه يتابع الشيطان ويعاونه على معصية الله لأن عبادتهم للأصنام معاونة للشيطان وقال أبو عبيدة المعنى وكان الكافر على ربه هينا ذليلا من قول العرب ظهرت به أى جعلته خلف ظهرك لم تلتفت إليه ومنه قوله ) واتخذتموه وراءكم ظهريا ( أى هينا ومنه أيضا قول الفرزدق تميم بن بدر لا تكونن حاجتى
بظهر فلا يعيا على جوابها
وقيل إن المعنى وكان الكافر على ربه الذى يعبده وهو الصنم قويا غالبا يعمل به مايشاء لأن الجماد لاقدرة له على دفع ونفع ويجوز أن يكون الظهير جمعا كقوله ) والملائكة بعد ذلك ظهير ( والمعنى أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على رسول الله أو على دين والمراد بالكافر هنا الجنس ولا ينافيه كون سبب النزول هو كافر معين كما قيل إنه أبو جهل
الفرقان : ( 56 ) وما أرسلناك إلا . . . . .
) وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ( أي مبشرا للمؤمنين بالجنة ومنذرا للكافرين بالنار
الفرقان : ( 57 ) قل ما أسألكم . . . . .
) قل ما أسألكم عليه من أجر ( أى قل لهم يا محمد ما أسألكم على القرآن من أجر أو على تبليغ الرسالة المدلول عليه بالإرسال والاستثناء فى قوله ) إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ( منقطع أى لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليفعل وقيل هو متصل والمعنى إلا من شاء أن يتقرب إليه سبحانه بالطاعة وصور ذلك بصورة الأجر من حيث أنه مقصود الحصول
الفرقان : ( 58 ) وتوكل على الحي . . . . .
ولما بين سبحانه أن الكفار متظاهرون على رسول الله وأمره أن لايطلب منهم أجرا ألبتة أمره أن يتوكل عليه فى دفع المضار وجلب المنافع فقال ) وتوكل على الحي الذي لا يموت ( وخص صفة الحياة إشارة إلى أن الحي هو الذى يوثق به في المصالح ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء


"""""" صفحة رقم 84 """"""
المنقطعة حياتهم فإنهم إذا ماتوا ضاع من يتوكل عليهم والتوكل اعتماد العبد على الله فى كل الأمور ) وسبح بحمده ( أى نزهه عن صفات النقصان وقيل معنى سبح صل والصلاة تسمى تسبيحا ) وكفى به بذنوب عباده خبيرا ( أى حسبك وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك كفى بالله ربا والخبير المطلع على الأمور بحيث لايخفى عليه منها شىء
الفرقان : ( 59 ) الذي خلق السماوات . . . . .
ثم زاد فى المبالغة فقال ) الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ( قد تقدم تفسير هذا في الأعراف والموصول فى محل جر على أنه صفة للحى وقال بينهما ولم يقل بينهن لأنه أراد النوعين كما قال القطامى ألم يحزنك أن جبال قيس
وتغلب قد تباتتا انقطاعا
فإن قيل يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السموات والأرض كما تفيده ثم فيقال إن كلمة ثم لم تدخل على خلق العرش بل على رفعه على السموات والأرض والرحمن مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف وهو صفة أخرى للحى وقد قرأه الجمهور بالرفع وقيل يجوز أن يكون بدلا من الضمير في استوى أو يكون مبتدأ وخبره الجملة أى فاسأل على رأى الأخفش كما فى قول الشاعر وقائلة خولان فانكح فتاتهم
وقرأ زيد ابن على الرحمن بالجر على أنه نعت للحى أو للموصول ) فاسأل به خبيرا ( الضمير فى به يعود إلى ما ذكر من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش والمعنى فاسأل بتفاصيل ما ذكر إجمالا من هذه الأمور وقال الزجاج والأخفش الباء بمعنى عن أى فاسأل عنه كقوله ) سأل سائل بعذاب واقع ( وقول امريء القيس
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلم
وقال امرؤ القيس
فإن تسألوني بالنساء فإننى خبير بأدواء النساء طبيب
والمراد بالخبير الله سبحانه لأنه لا يعلم تفاصيل تلك المخلوقات إلا هو ومن هذا قول العرب لو لقيت فلانا للقيك به الأسد أى للقيك بلقائك إياه الأسد فخبيرا منتصب على المفعولية أو على الحال المؤكدة واستضعف الحالية أبو البقاء فقال يضعف أن يكون خبيرا حالا من فاعل اسأل لأن الخبير لا يسأل إلا على جهة التوكيد كقوله ) وهو الحق مصدقا ( قال ويجوز أن يكون حالا من الرحمن إذا رفعته باستوى وقال ابن جرير يجوز أن تكون الباء فى به زائدة والمعنى فاسأله حال كونه خبيرا وقيل قوله به يجرى مجرى القسم كقوله ) واتقوا الله الذي تساءلون به ( والوجه الأول أقرب هذه الوجوه
الفرقان : ( 60 ) وإذا قيل لهم . . . . .
ثم أخبر سبحانه عنهم بأنهم جهلوا معنى الرحمن فقال ) وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ( قال المفسرون إنهم قالوا ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة قال الزجاج الرحمن اسم من أسماء الله فلما سمعوه أنكروا فقالوا وما الرحمن ) أنسجد لما تأمرنا ( والاستفهام للإنكار أى لانسجد للرحمن الذى تأمرنا بالسجود له ومن قرأ بالتحيتة فالمعني أنسجد لما يأمرنا محمد بالسجود له ومن قرأ بالتحيته فالمعنى أنسجد لما يأمرنا محمد بالسجود له وقد قرأ المدنيون والبصريون لما تأمرنا بالفوقية واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم وقرأ الأعمش وحمزة والكسائى بالتحتية قال أبو عبيد يعنون الرحمن قال النحاس وليس يجب أن يتأول علي الكوفيين فى قراءتهم هذا التأويل البعيد ولكن الأولى أن يكون التأويل لهم اسجدوا لما يأمرنا النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فتصح القراءة على هذا وإن كانت الأولى أبين ) وزادهم نفورا ( أى زادهم الأمر بالسجود نفورا عن الدين وبعد عنه وقيل زادهم ذكر الرحمن تباعدا من الإيمان كذا قال مقاتل والأول أولى
الفرقان : ( 61 ) تبارك الذي جعل . . . . .
ثم ذكر سبحانه مالو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن فقال ) تبارك الذي جعل في السماء بروجا ( المراد بالبروج بروج


"""""" صفحة رقم 85 """"""
النجوم أى منازلها الاثنا عشر وقيل هى النجوم الكبار والأول أولى وسميت بروجا وهى القصور العالية لأنها للكواكب كالمنازل الرفيعة لمن يسكنها واشتقاق البرج من التبرج وهو الظهور ) وجعل فيها سراجا ( أى شمسا ومثله قوله تعالى ) وجعل الشمس سراجا ( قرأ الجمهور سراجا بالإفراد وقرأ حمزة والكسائى سرجا بالجمع أى النجوم العظام الوقادة ورجح القراءة الأولى أبو عبيد قال الزجاج فى تأويل قراءة حمزة والكسائى أراد الشمس والكواكب ) وقمرا منيرا ( أى ينير الأرض إذا طلع وقرأ الأعمش قمرا بضم القاف وإسكاف الميم وهي قراءة ضعيفة شاذة
الفرقان : ( 62 ) وهو الذي جعل . . . . .
) وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ( قال أبو عبيدة الخلفة كل شيء بعد شيء الليل خلفه للنهار والنهار خلفه لليل لأن أحدهما يخلف الاخر ويأتى بعده ومنه خلفه النبات وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف ومنه قول زهير بن أبى سلمى بها العين والآرام يمشين خلفه
وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
قال الفراء فى تفسير الآية يقول يذهب هذا ويجىء هذا وقال مجاهد خلفه من الخلاف هذا أبيض وهذا أسود وقيل يتعاقبان فى الضياء والظلام والزيادة والنقصان وقيل هو من باب حذف المضاف أى جعل الليل والنهار ذوى خلفة أى اختلاف ) لمن أراد أن يذكر ( قرأ حمزة مخففا وقرأ الجمهور بالتشديد فالقراءة الأولى من الذكر لله والقراءة الثانية من التذكر له وقرأ أبي بن كعب يتذكر ومعنى الآية أن المتذكر المعتبر إذا نظر فى اختلاف الليل والنهار علم أنه لابد فى انتقالهما من حال إلى حال من ناقل ) أو أراد شكورا ( أى أراد أن يشكر الله على ما أودعه فى الليل والنهار من النعم العظيمة والألطاف الكثيرة قال الفراء ويذكر ويتذكر يأتيان بمعنى واحد قال الله تعالى واذكروا ما فيه وفى حرف عبد الله ويذكروا ما فيه
الفرقان : ( 63 ) وعباد الرحمن الذين . . . . .
) وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ( هذا كلام مستأنف مسوق لبيان صالحى عباد الله سبحانه وعباد الرحمن مبتدأ وخبره الموصول مع صلته والهون مصدر وهو السكينة والوقار وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن الهون متعلق بيمشون أى يمشون على الأرض مشيا هونا قال ابن عطية ويشبه أن يتأول هذا على أن تكون أخلاق ذلك الماشى هونا مناسبة لمشيه وأما أن يكون المراد صفة المشي وحده فباطل لأنه رب ماش هونا رويدا وهو ذئب أطلس وقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يتكفأ فى مشيه كأنما يمشى فى صيب ) وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ( ذكر سبحانه أنهم يتحملون مايرد عليهم من أذى أهل الجهل والسفه فلا يجهلون مع من يجهل ولا يسافهون أهل السفه قال النحاس ليس هذا السلام من التسليم إنما هو من التسلم تقول العرب سلاما أى تسلما منك أى براءة منك منصوب على أحد أمرين إما على أنه مصدر لفعل محذوف أى قالوا سلمنا سلاما وهذا على قول سيبويه أو على أنه مفعول به أي قالوا هذا اللفظ ورجحه ابن عطية وقال مجاهد معنى سلاما سدادا أي يقول للجاهل كلاما يدفعه به برفق ولين قال سيبويه لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين لكنه على قوله تسليما منكم ولا خير ولا شر بيننا وبينكم قال المبرد كان ينبغى أن يقال لم يؤمر المسلمون يومئذ بحربهم ثم أمروا بحربهم وقال محمد بن يزيد أخطأ سيبويه فى هذا وأساء العبارة قال النحاس ولا نعلم لسيبويه كلاما فى معنى الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية لأنه قال فى آخر كلامه فنسختها آية السيف وأقول هكذا يكون كلام الرجل إذا تكلم فى غير علمه ومشى فى غير طريقته ولم يؤمر المسلمون بالسلام على المشركين ولا نهوا عنه بل أمروا بالصفح والهجر الجميل فلا حاجة إلى دعوى النسخ قال النضر بن شميل حدثنى الخليل قال أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من علم من رأيت فإذا هو على سطح فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا


"""""" صفحة رقم 86 """"""
استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ماقال فقال لنا أعرابى إلى جنبه أمركم أن ترتفعوا قال الخليل هو من قول الله ) ثم استوى إلى السماء ( قال فصعدنا إليه فقال هل لكم فى خبز فطير ولبن هجر فقلنا الساعة فارقناه فقال سلاما فلم ندر ماقال فقال الأعرابي إنه سالمكم متاركة لا خير فيها ولا شر قال الخليل هو من قول الله ) وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما
الفرقان : ( 64 ) والذين يبيتون لربهم . . . . .
والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ( البيتوتة هى أن يدركك الليل نمت أو لم تنم قال الزجاج من أدركه الليل فقد بات نام أو لم ينم كما يقال بات فلان قلقا والمعنى يبيتون لربهم سجدا على وجوههم وقياما على أقدامهم ومنه قول امريء القيس فبتنا قياما عند رأس جوادنا
يزاولنا عن نفسه ونزاوله
الفرقان : ( 65 ) والذين يقولون ربنا . . . . .
) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ( أى هم مع طاعتهم مشفقون وجلون خائفون من عذابه والغرام اللازم الدائم ومنه سمى الغريم لملازمته ويقال فلان مغرم بكذا أى ملازم له مولع به هذا معناه فى كلام العرب كما ذكره ابن الأعرابى وابن عرفة وغيرهما ومنه قول الأعشى إن يعاقب يكن غراما
وإن يعط جزيلا فإنه لايبالي
وقال الزجاج الغرام أشد العذاب وقال أبو عبيدة هو الهلاك وقال ابن زيد الشر
الفرقان : ( 66 ) إنها ساءت مستقرا . . . . .
وجملة ) إنها ساءت مستقرا ومقاما ( تعليل لما قبلها والمخصوص محذوف أي هي وانتصاب مستقرا على الحال أو التمييز وكذا مقاما قيل هما مترادفان وإنما عطف أحدهما على الآخر لاختلاف لفظيهما وقيل بل هما مختلفان معنى فالمستقر للعصاة فإنهم يخرجون والمقام الكفار فإنهم يخلدون وساءت من أفعال الذم كبئست ويجوز أن يكون هذا من كلام الله سبحانه ويجوز أن يكون حكاية لكلامهم
الفرقان : ( 67 ) والذين إذا أنفقوا . . . . .
ثم وصفهم سبحانه بالتوسط فى الإنفاق فقال ) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ( قرأ حمزة والكسائى والأعمش وعاصم ويحيى بن وثاب يقتروا بفتح التحتية وضم الفوقية من قتر يقتر كقعد يقعد وقرأ أبو عمرو وابن كثير بفتح التحتية وكسر التاء الفوقية وهى لغة معروفة حسنة وقرأ أهل المدينة وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم التحتية وكسر الفوقية قال أبو عبيدة يقال قتر الرجل على عياله يقتر ويقتر قترا وأقتر يقتر إقتارا ومعنى الجميع التضييق فى الإنفاق قال النحاس ومن أحسن ما قبل فى معنى الآية أن من أنفق فى غير طاعة الله فهو الإسراف ومن أمسك عن طاعة الله فهو الإقتار ومن أنفق فى طاعة الله فهو القوام وقال إبراهيم النخعى هو الذى لايجيع ولا يعرى ولاينفق نفقة يقول الناس قد أسرف وقال يزيد بن أبى حبيب أولئك أصحاب محمد كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ولايلبسون ثوبا للجمال ولكن كانوا يريدون من الطعام مايسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة الله ومن اللباس مايستر عوراتهم ويقيهم الحر والبرد وقال أبو عبيدة لم يزيدوا على المعروف ولم يبخلوا كقوله ) ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ( قرأ حسان بن عبد الرحمن ) وكان بين ذلك قواما ( بكسر القاف وقرأ الباقون بفتحها فقيل هما بمعني وقيل القوام بالكسر ما يدوم عليه الشىء ويستقر وبالفتح العدل والاستقامة قاله ثعلب وقيل بالفتح العدل بين الشيئين وبالكسر ما يقام به الشىء لايفضل عنه ولا ينقص وقيل بالكسر السداد والمبلغ واسم كان مقدر فيها أى كان إنفاقهم بين ذلك قواما وخبرها قواما قال الفراء وروي عن الفراء قول اخر وهو أن اسم كان بين ذلك وتبنى بين على الفتح لأنها من الظروف المفتوحة وقال النحاس ما أدرى ما وجه هذا لأن بين إذا كانت فى موضع رفع رفعت


"""""" صفحة رقم 87 """"""
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ) وكان الكافر على ربه ظهيرا ( يعنى أبا الحكم الذى سماه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أبا جهل بن هشام وأخرج ابن أبى حاتم عنه فى قوله ) قل ما أسألكم عليه من أجر ( قال قل لهم يا محمد لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من أجر يقول عرض من عرض الدنيا وأخرج الخطيب فى كتاب النجوم عنه أيضا فى قوله ) تبارك الذي جعل في السماء بروجا ( قال هى هذه الاثنا عشر برجا أولها الحمل ثم الثور ثم الجوزاء ثم السرطان ثم الأسد ثم السنبلة ثم الميزان ثم العقرب ثم القوس ثم الجدى ثم الدلو ثم الحوت وأخرج ابن أبى حاتم عنه أيضا ) وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ( ثال أبيض وأسود وأخرج ابن جرير وابن المنذر أخرج وابن أبى حاتم عنه أيضا يقول من فاته شىء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار ومن النهار أدركه بالليل وأخرج الطيالسي وابن أبى حاتم عن الحسن أن عمر أطال صلاة الضحى فقيل له صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه فقال إنه بقي علي من وردي شيء فأحببت أن أتمه أو قال أقضيه وتلا هذه الآية ) وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ( الآية وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله ) وعباد الرحمن ( قال هم المؤمنون ) الذين يمشون على الأرض هونا ( قال بالطاعة والعفاف والتواضع وأخرج ابن أبى حاتم عنه قال هونا علما وحلما وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله ) إن عذابها كان غراما ( قال الدائم وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله ) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ( قال هم المؤمنون لايسرفون فينفقوا فى معصية الله ولايقترون فيمنعوا حقوق الله
سورة الفرقان ( 68 77 )
الفرقان : ( 68 ) والذين لا يدعون . . . . .
قوله ) والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ( لما فرغ من ذكر إتيانهم بالطاعات شرع فى بيان اجتنابهم للمعاصى فقال والذين لايدعون مع الله سبحانه ربا من الأرباب والمعنى لايشركون به شيئا بل يوحدونه ويخلصون


"""""" صفحة رقم 88 """"""
له العبادة والدعوة ) ولا يقتلون النفس التي حرم الله ( أى حرم قتلها ) إلا بالحق ( أى بما يحق أن تقتل به النفوس من كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أوقتل نفس بغير نفس ) ولا يزنون ( أى يستحلون الفروج المحرمة بغير نكاح ولا ملك يمين ) ومن يفعل ذلك ( أى شيئا مما ذكر يلق فى الآخرة أثاما والأثام في كلام العرب العقاب قال الفراء آثمة الله يؤثمه أثاما وآثاما أى جازاه جزاء الإثم وقال عكرمة ومجاهد إن أثاما واد فى جهنم جعله الله عقابا للكفرة وقال السدى جبل فيها وقرئ يلق بضم الياء وتشديد القاف قال أبو مسلم والأثام الإثم واحد والمراد هنا جزاء الآثام فأطلق اسم الشىء على جزائه وقرأ الحسن يلق أياما جمع يوم يعنى شدائد والعرب تعبر عن ذلك بالأيام وما أظن هذه القراءة تصح عنه
الفرقان : ( 69 ) يضاعف له العذاب . . . . .
) يضاعف له العذاب ( قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي يضاعف ويخلد بالجزم وقرأ ابن كثير يضعف بتشديد العين وطرح الألف والجزم وقرأ طلحة بن سليمان نضعف بضم النون وكسر العين المشددة والجزم وهى قراءة أبى جعفر وشيبة وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر بالرفع فى الفعلين على الاستئناف وقرأ طلحة بن سليمان وتخلد بالفوقية خطابا للكافر وروى عن أبى عمرو أنه قرأ ويخلد بضم الياء التحتية وفتح اللام قال أبو على الفارسي وهى غلط من جهة الرواية ووجه الجزم فى يضاعف أنه بدل من يلق لاتحادهما فى المعنى ومثله قول الشاعر إن على الله أن تبايعا
تؤخذ كرها أو تجىء طائعا
والضير فى قوله ) ويخلد فيه ( راجع إلى العذاب المضاعف أى يخلد في العذاب المضاعف مهانا ذليلا حقيرا
الفرقان : ( 70 ) إلا من تاب . . . . .
) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ( قيل هو استثناء متصل وقيل منقطع قال أبو حيان لايظهر الاتصال لأن المشتنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب فيصير التقدير إلا من تاب وأمن وعمل عملا صالحا فلا يضاعف له العذاب ولايلزم من انتفاء التضعف انتفاء العذاب غير المضعف قال والأولى عندى أن تكون منقطعا أى لكن من تاب قال القرطبى لاخلاف بين العلماء أن الاستثناء عام فى الكافر والزانى واختلفوا فى القاتل من المسلمين وقد تقدم بيانه فى النساء والمائدة والإشارة بقوله ) فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ( إلى المذكورين سابقا ومعنى تبديل السيئات حسنات أنه يمحو عنهم المعاصى ويثبت لهم مكانها طاعات قال النحاس من أحسن ما قيل فى ذلك أنه يكتب موضع كافر مؤمن وموضع عاص مطيع قال الحسن قوم يقولون التبديل فى الآخرة وليس كذلك إنما التبديل فى الدنيا يبدل الله لهم إيمانا مكان الشرك وإخلاصا من الشك وإحصانا من الفجور قال الزجاج ليس يجعل مكان السيئة الحسنة ولكن يجعل مكان السيئة التوبة والحسنة مع التوبة وقيل إن السيئات تبدل بحسنات وبه قال جماعة من الصحابة ومن بعدهم وقيل التبديل عبارة عن الغفران أى يغفر الله لهم تلك السيئات لا أن يبدلها حسنات وقيل المراد بالتبديل أن يوفقه لأضداد ماسلف منه ) وكان الله غفورا رحيما ( هذه الجملة مقررة لما قبلها من التبديل
الفرقان : ( 71 ) ومن تاب وعمل . . . . .
) ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ( أى من تاب عما اقترف وعمل صالحا بعد ذلك فإنه يتوب بذلك إلى الله متابا أى يرجع إليه رجوعا صحيحا قويا قال القفال يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين ولهذا قال ) إلا من تاب وآمن ( ثم عطف عليه من تاب من المسلمين وأتبع توبته عملا صالحا فله حكم التائبين أيضا وقيل أى من تاب بلسانه ولم يحقق التوبة بفعله فليست تلك التوبة نافعة بل من تاب وعمل صالحا فحقق توبته بالأعمال الصالحة فهو الذى تاب إلى الله متابا أى تاب حق التوبة وهى النصوح ولذلك أكد بالمصدر ومعنى الآية من أراد التوبة وعزم عليها فليتب إلى الله فالخبر فى معنى الأمر كذا قيل لئلا يتحد الشرط والجزاء فإنه لايقال من


"""""" صفحة رقم 89 """"""
تاب فإنه يتوب
الفرقان : ( 72 ) والذين لا يشهدون . . . . .
ثم وصف سبحانه هؤلاء التائبين العاملين للصالحات فقال ) والذين لا يشهدون الزور ( أى لا يشهدون الشهادة الكاذبة أو لايحضرون الزور والزور هوالكذب والباطل ولا يشاهدونه وإلى الثانى ذهب جمهور المفسرين قال الزجاج الزور فى اللغة الكذب ولاكذب فوق الشرك بالله قال الواحدى أكثر المفسرين على أن الزور هاهنا بمعنى الشرك والحاصل أن يشهدون إن كان من الشهادة ففي الكلام مضاف محذوف أى لايشهدون شهادة الزور وإن كان من الشهود والحضور كما ذهب إليه الجمهور فقد اختلفوا فى معناه فقال قتادة لايساعدون أهل الباطل على باطلهم وقال محمد بن الحنفية لايحضرون اللهو والغناء وقال ابن جريج الكذب وروى عن مجاهد أيضا والأولى عدم التخصيص بنوع من أنواع الزور بل المراد الذين لايحضرون مايصدق عليه اسم الزور كائنا ما كان ) وإذا مروا باللغو مروا كراما ( أى معرضين عنه غير ملتفتين إليه واللغو كل ساقط من قول أو فعل قال الحسن اللغو المعاصى كلها وقيل المراد مروا بذوى اللغو يقال فلان يكرم عما يشينه أى يتنزه ويكرم نفسه عن الدخول فى اللغو والاختلاط بأهله
الفرقان : ( 73 ) والذين إذا ذكروا . . . . .
) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم ( أى بالقرآن أو بما فيه موعظة وعبرة ) لم يخروا عليها صما وعميانا ( أى لم يقعوا عليها حال كونهم صما وعميانا ولكنهم أكبوا عليها سامعين مبصرين وانتفعوا بها قال ابن قتيبة المعنى لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها وعمى لم يبصروها قال ابن جرير ليس ثم خرور بل كما يقال قعد يبكى وإن كان غير قاعد قال ابن عطية كأن المستمع للذكر قائم فإذا أعرض عنه كان ذلك خرورا وهو السقوط على غير نظام قيل المعنى إذا تليت عليهم آيات الله وجلت قلوبهم فخروا سجدا وبكيا ولم يخروا عليها صما وعميانا قال الفراء أى لم يقعدوا على حالهم الأول كأن لم يسمعوا قال فى الكشاف ليس بنفى للخرور وإنما هو إثبات ونفى للصمم والعمى وأراد أن النفى متوجه إلى القيد لا إلى المقيد
الفرقان : ( 74 ) والذين يقولون ربنا . . . . .
) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ( من ابتدائية أو بيانية قرأ نافع وابن كثير وابن عباس والحسن وذرياتنا بالجمع وقرأ أبو عمر وحمزة والكسائي وطلحة وعيسى وذريتنا بالإفراد والذرية تقع على الجمع كما فى قوله ذرية ضعافا وتقع على الفرد كما فى قوله ذرية طيبة وانتصاب قرة أعين على المفعولية يقال قرت عينه قرة قال الزجاج يقال أقر الله عينك أى صادف فؤادك ما يحبه وقال المفضل فى قرة العين ثلاثة أقوال أحدها برد دمعها لأنه دليل السرور والضحك كما أن حره دليل الحزن والغم والثانى نومها لأنه يكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن والثالث حصول الرضا ) واجعلنا للمتقين إماما ( أى قدوة يقتدى بنا فى الخير وإنما قال إماما ولم يقل أئمة لأنه يريد به الجنس كقوله ) ثم نخرجكم طفلا ( قال الفراء قال إماما ولم يقل أئمة كما قال للاثنين أنا رسول رب العالمين يعني أنه من الواحد الذى أريد به الجمع وقال الأخفش الإمام جمع أم من أم يأم جمع على فعال نحو صاحب وصحاب وقائم وقيام وقيل إن إماما مصدر يقال أم فلان فلانا إماما مثل الصيام والقيام وقيل أرادوا اجعل كل واحد منا إماما وقيل أرادوا اجعلنا إماما واحدا لاتحاد كلمتنا وقيل إنه من الكلام المقلوب وأن المعنى واجعل المتقين لنا إماما وبه قال مجاهد وقيل إن هذا الدعاء صادر عنهم بطريق الانفراد وأن عبارة كل واحد منهم عند الدعاء واجعلنى للمتقين إماما ولكنها حكيت عبارات الكل بصيغة المتكلم مع الغير لقصد الإيجاز كقوله ) يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ( وفى هذا إبقاء إماما على حاله ومثل مافى الآية قول الشاعر يا عاذلاتي لاتزدن ملامتي
إن العواذل ليس لى بأمين


"""""" صفحة رقم 90 """"""
أى أمناء قال القفال وعندى أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه قيل اجعلنا حجة للمتقين ومثله البينة يقال هؤلاء بينة فلان قال النيسابورى قيل فى الآية دلالة على أن الرياسة الدينية مما يجب أن تطلب ويرغب فيها والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم فى الطاعة المبلغ الذى يشار إليهم ويقتدى بهم
الفرقان : ( 75 ) أولئك يجزون الغرفة . . . . .
والإشارة بقوله ) أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ( إلى المتصفين بتلك الصفات وهو مبتدأ وخبره ما بعده والجمل مستأنفة وقيل إن أولئك وما بعده خبر لقوله وعباد الرحمن كذا قال الزجاج والغرفة الدرجة الرفيعة وهى أعلى منازل الجنة وأفضلها وهى فى الأصل لكل بناء مرتفع والجمع غرف وقال الضحاك الغرفة الجنة والباء فى ) بما صبروا ( سببية وما مصدرية أى يجزون الغرفة بسبب صبرهم على مشاق التكليف ) ويلقون فيها تحية وسلاما ( قرأ أبو بكر والمفضل والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف يلقون بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف واختار هذه القراءة الفراء قال لأن العرب تقول فلان يلقى بالسلام والتحية والخير وقل ما يقولون يلقى وقرأ الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لقوله ) ولقاهم نضرة وسرورا ( والمعنى أنه يحى بعضهم بعضا ويرسل إليهم الرب سبحانه بالسلام قيل التحية البقاء الدائم والملك العظيم وقيل هى بمعنى السلام وقيل إن الملائكة تحييهم وتسلم عليهم والظاهر أن هذه التحية والسلام هى من الله سبحانه لهم ومن ذلك قوله سبحانه ) تحيتهم يوم يلقونه سلام ( وقيل معنى التحية الدعاء لهم بطول الحياة ومعنى السلام الدعاء لهم بالسلامة من الافات
الفرقان : ( 76 ) خالدين فيها حسنت . . . . .
وانتصاب خالدين فيها على الحال أى مقيمين فيها من غير موت ) حسنت مستقرا ومقاما ( أى حسنت الغرفة مستقرا يستقرون فيه ومقاما يقيمون به وهذا فى مقابل ما تقدم من قوله ساءت مستقرا ومقاما
الفرقان : ( 77 ) قل ما يعبأ . . . . .
) قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ( بين سبحانه أنه غنى عن طاعة الكل وإنما كلفهم لينتفعوا بالتكليف يقال ما عبأت بفلان أى ما باليت به ولا له عندى قدر وأصل يعبأ من العبء وهو الثقل قال الخليل ما أعبأ بفلان أى ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره ويدعى أن وجوده وعدمه سواء وكذا قال أبو عبيدة قال الزجاج ما يعبأ بكم ربى يريد أى وزن يكون لكم عنده والعبء الثقل وما استفهامية أو نافية وصرح الفراء بأنها استفهامية قال ابن الشجرى وحقيقة القول عندى أن موضع ما نصب والتقدير أى عبء يعبأ بكم أى أى مبالاة يبالى بكم لولا دعاؤكم أى لولا دعاؤكم إياه لتعبدوه وعلى هذا فالمصدر الذى هو الدعاء مضاف إلى مفعوله وهو اختيار الفراء وفاعله محذوف وجواب لولا محذوف تقديره لولا دعاؤكم لم يعبأ بكم ويؤيد هذا قوله ) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( والخطاب لجميع الناس ثم خص الكفار منهم فقال فقد كذبتم وقرأ ابن الزبير فقد كذب الكافرون وفى هذه القراءة دليل بين على أن الخطاب لجميع الناس وقيل إن المصدر مضاف إلى الفاعل أى لولا استغاثتكم إليه فى الشدائد وقيل المعنى ما يعبأ بكم أى بمغفرة ذنوبكم لولا دعاؤكم الآلهة معه وحكى ابن جني أن ابن عباس قرأ كقراءة ابن الزبير وحكى الزهراوى والنحاس أن ابن مسعود قرأ كقراءتهما وممن قال بأن الدعاء مضاف إلى الفاعل القتيبى والفارسي قالا والأصل لولا دعاؤكم آلهة من دونه وجواب لولا محذوف تقديره على هذا الوجه لولا دعاؤكم لم يعذبكم ويكون معنى فقد كذبتم على الوجه الأول فقد كذبتم بما دعيتم إليه وعلى الوجه الثاني فقد كذبتم بالتوحيد ثم قال سبحانه ) فسوف يكون لزاما ( أى فسوف يكون جزاء التكذيب لازما لكم وجمهور المفسرين على أن المراد باللزام هنا ما لزم المشركين يوم بدر وقالت طائفة هو عذاب الاخرة قال أبو عبيدة لزاما فيصلا أى فسوف يكون فيصلا بينكم وبين المؤمنين قال


"""""" صفحة رقم 91 """"""
الزجاج فسوف يكون تكذيبكم لزاما يلزمكم فلا تعطون التوبة وجمهور القراء على كسر اللام من لزاما وأنشد أبو عبيدة لصخر فاما ينجوا من خسف أرض
فقد لقيا حتوفهما لزاما
قال ابن جرير لزاما عذابا دائما وهلاكا مفنيا يلحق بعضكم ببعض كقول أبى ذؤيب ففاجأه بعادية لزام
كما يتفجر الحوض اللفيف
يعنى باللزام الذى يتبع بعضه بعضا وباللفيف المتساقط من الحجارة المنهدمة وحكى أبو حاتم عن أبى زيد قال سمعت أبا السماك يقرأ لزاما بفتح اللام قال أبو جعفر يكون مصدر لزم والكسر أولى
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال سئل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أى الذنب أكبر قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أى قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت ثم أى قال أن تزانى حليلة جارك فأنزل الله تصديق ذلك ) والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ( وأخرجا وغيرهما أيضا عن ابن عباس أن ناسا من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ثم أتوا محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت ) والذين لا يدعون ( الآية ونزلت قل ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم الآية وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن عبد الله بن عمرو فى قوله ) يلق أثاما ( قال واد فى جهنم وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال لما نزلت ) والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ( الاية اشتد ذلك علي المسلمين فقالوا مامنا أحد إلا أشرك وقتل وزنى فأنزل الله ) يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ( الآية يقول لهؤلاء الذين أصابوا هذا فى الشرك ثم نزلت هذه الآية ) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ( فأبدلهم الله بالكفر الإسلام وبالمعصية الطاعة وبالإنكار المعرفة وبالجهالة العلم وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال قرأنهاا على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سنين ) والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ( ثم نزلت ) إلا من تاب وآمن ( فما رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فرح بشىء قط فرحه بها وفرحه ) إنا فتحنا لك فتحا مبينا ( وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عنه فى قوله ) فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ( قال هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات فرغب الله بهم عن ذلك فحولهم إلى الحسنات فأبدلهم مكان السيئات الحسنات وأخرج أحمد وهناد والترمذى وابن جرير والبيهقى فى الأسماء والصفات عن أبى ذر قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه فيعرض عليه صغارها وينحى عنه كبارها فيقال عملت يوم كذا كذا وهو يقر ليس ينكر وهو مشفق من الكبائر أن تجيء فيقال أعطوه بكل سيئة عملها حسنة والأحاديث فى تكفير السيئات وتبديلها بالحسنات كثيرة وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس فى قوله ) والذين لا يشهدون الزور ( قال إن الزور كان صنما بالمدينة يلعبون حوله كل سبعة أيام وكان أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا مروا به مروا كراما لاينظرون إليه وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس ) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ( قال يعنون من يعمل بالطاعة فتقر به أعيننا فى الدنيا والآخرة ) واجعلنا للمتقين إماما ( قال أئمة هدى يهتدى بنا ولا تجعلنا أئمة ضلالة لأنه قال لأهل السعادة ) وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا (


"""""" صفحة رقم 92 """"""
ولأهل الشقاوة وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار وأخرج الحكيم الترمذى عن سهل بن سعد عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فى قوله ) أولئك يجزون الغرفة ( قال الغرفة قال الغرفة من ياقوتة حمراء أو زبرجدة خضراء أو درة بيضاء ليس فيها فصم ولا وصم وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله ) قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ( يقول لولا إيمانكم فأخبر الله أنه لاحاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين ولوكانت له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين ) فسوف يكون لزاما ( قال موتا وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنبارى عنه أنه كان يقرأ فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزاما وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن الزبير أنه قرأها كذلك وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه ) فسوف يكون لزاما ( قال القتلى يوم بدر وفى الصحيحين عنه قال خمس قد مضين الدخان والقمر واللزوم والبطشة واللزام
ع26
تفسير
سورة الشعراء
وآياتها مائتان وسبع وعشرون آية
حول السورة
وهى مكية عند الجمهور وكذا أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير وأخرج النحاس عن ابن عباس قال سورة الشعراء أنزلت بمكة سوى خمس آيات من آخرها نزلت بالمدينة وهى ) والشعراء يتبعهم الغاوون ( إلى آخرها وأخرج القرطبى فى تفسيره عن البراء أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قال إن الله أعطانى السبع الطوال مكان التوراة ة أعطاني المئين مكان الإنجيل وأعطانى الطواسين مكان الزبور وفضلنى بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبى قبلى وأخرج أيضا عن ابن عباس قال قال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أعطيت السورة التى تذكر فيها البقرة من الذكر الأول وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش وأعطيت المفصل نافلة قال ابن كثير فى تفسيره لا ووقع في تفسير مالك المروى عنه تسميتها بسورة الجمعة


"""""" صفحة رقم 93 """"""
سورة الشعراء ( 1 22 )
الشعراء : ( 1 ) طسم
قوله طسم قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وأبو بكر والمفضل وحمزة والكسائى وخلف بإمالة الطاء وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة والزهرى بين اللفظين واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم وقرأ الباقون بالفتح مشبعا وقرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي بإدغام النون من طسن فى الميم وقرأ الأعمش وحمزة بأظهارها قال الثعلبى الإدغام اختيار أبى عبيد وأبى حاتم قال النحاس وحكى الزجاج فى كتابه فيما يجرى وما لايجرى أنه يجوز أن يقال طاسين ميم بفتح النون وضم الميم كما يقال هذا معدى كرب وقرأ عيسى ويروى عن نافع بكسر الميم على البناء وفى مصحف عبد الله بن مسعود ط س م هكذا حروفا مقطعة فيوقف على كل حرف وقفة يتميز بها عن غيره وكذلك قرأ أبو جعفر ومحله الرفع على الابتداء إن كان اسما للسورة كما ذهب إليه الأكثر أو على أنه خبر مبتدأ محذوف ويجوز أن يكون فى محل نصب بتقدير اذكر أو اقرأ وأما إذا كان مسرودا على نمط التعديد كما تقدم فى غير موضع من هذا التفسير فلا محل له من الإعراب وقد قيل إنه اسم من أسماء الله سبحانه وقيل اسم من أسماء القرآن
الشعراء : ( 2 ) تلك آيات الكتاب . . . . .
والإشارة بقوله ) تلك آيات الكتاب المبين ( إلى السورة ومحلها الرفع على أنها وما بعدها خبر للمبتدأ إن جعلنا طسم مبتدأ وإن جعلناه خبر لمبتدأ محذوف فمحلها الرفع على أنه مبتدأ خبره مابعده أو خبر مبتدأ محذوف أو بدل من طسم والمراد بالكتاب هنا القرآن والمبين المبين المظهر أو البين الظاهر إن كان من أبان بمعنى بان
الشعراء : ( 3 ) لعلك باخع نفسك . . . . .
) لعلك باخع نفسك ( أى قاتل نفسك ومهلكها ) ألا يكونوا مؤمنين ( أى لعدم إيمانهم بما جئت به والبخع فى الأصل أن يبلغ بالذبح النخاع بالنون قاموس وهو عرق في القفا وقد مضى تحقيق هذا فى سورة الكهف وقرأ قتادة باخع نفسك بالإضافة وقرأ الباقون بالقطع قال الفراء أن فى قوله ) ألا يكونوا مؤمنين ( فى موضع نصب لأنها جزاء قال النحاس وإنما يقال إن مكسورة لأنها جزء هكذا التعارف والقول فى هذا ما قاله الزجاج فى كتابه فى القرآن أنها فى موضع نصب مفعول لأجله والمعنى لعلك قاتل نفسك لتركهم الإيمان وفى هذا تسلية لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لأنه كان حريصا على إيمان قومه شديد الأسف لما يراه من إعراضهم
الشعراء : ( 4 ) إن نشأ ننزل . . . . .
وجملة ) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ( مستأنفة مسوقة لتعليل ما سبق من التسلية والمعنى إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية تلجئهم إلى الإيمان ولكن قد سبق القضاء بأنا لاننزل ذلك ومعنى ) فظلت أعناقهم لها خاضعين ( أنهم صاروا منقادين لها أى فتظل أعناقهم الخ قيل وأصله فضلوا لها خاضعين


"""""" صفحة رقم 94 """"""
فأقحمت الأعناق لزيادة التقرير والتصوير لأن الأعناق موضع الخضوع وقيل أنها لما وضعت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم ووصفت بما يوصفون به قال عيسى بن عمر خاضعين وخاضعة هنا سواء واختاره المبرد والمعنى أنها إذا ذلت رقابهم ذلوا فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها ويسوغ فى كلام العرب أن يترك الخبر عن الأول ويخبر عن الثانى ومنه قول الراجز طول الليالى أسرعت فى نقضى
طوين طولى وطوين عرضي
فأخبر عن الليالي وترك الطول ومنه قول جرير أرى مر السنين أخذن منى
كما أخذ السرار من الهلال
وقال أبو عبيد والكسائى إن المعنى خاضعيها هم وضعفه النحاس وقال مجاهد أعناقهم كبراؤهم قال النحاس وهذا معروف فى اللغة يقال جاءنى عنق من الناس أى رؤساء منهم وقال أبو زيد والأخفش أعناقهم جماعاتهم يقال جاءنى عنق من الناس أي جماعة
الشعراء : ( 5 ) وما يأتيهم من . . . . .
) وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين ( بين سبحانه أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين إلى الإيمان يأتيهم بالقرآن حالا بعد حال وأن لايجدد لهم موعظة وتذكيرا إلا جددوا ماهو نقيض المقصود وهو الإعراض والتكذيب والاستهزاء ومن فى من ذكر مزيدة لتأكيد العموم ومن فى من ربهم لابتداء الغاية والاستثناء مفرغ من أعم العام محله النصب على الحالية من مفعول يأتيهم وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة الانبياء
الشعراء : ( 6 ) فقد كذبوا فسيأتيهم . . . . .
) فقد كذبوا ( أى بالذكر الذى يأتيهم تكذيبا صريحا ولم يكتفوا بمجرد الإعراض وقيل إن الإعراض بمعنى التكذيب لأن من أعرض عن شىء ولم يقبله فقد كذبه وعلى هذا فيكون ذكر التكذيب للدلالة على صدور ذلك منهم على وجه التصريح والأول أولى فالإعراض عن الشىء عدم الالتفات إليه ثم انتقلوا عن هذا إلى ماهو أشد منه وهو التصريح بالتكذيب ثم انتقلوا عن التكذيب إلى ماهو أشد منه وهو الأستهزاء كما يدل عليه قوله ) فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون ( والأنباء هى مايستحقونه من العقوبة آجلا وعاجلا وسميت أنباء لكونها مما أنبأ عنه القرآن وقال ) ما كانوا به يستهزؤون ( ولم يقل ماكانوا عنه معرضين أو ماكانوا به يكذبون لأن الاستهزاء أشد منهما ومستلزم لهما وفى هذا وعيد شديد وقد مر تفسير مثل هذا فى سورة الأنعام
الشعراء : ( 7 ) أو لم يروا . . . . .
ثم ذكر سبحانه مايدل على كمال قدرته من الأمور الحسية التى يحصل بها للمتأمل فيها والناظر إليها والمستدل بها أعظم دليل وأوضح برهان فقال ) أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ( الهمزة للتوبيخ والواو للعطف على مقدر كما فى نظائره فنبه سبحانه على عظمته وقدرته وأن هؤلاء المكذبين المستهزئين لو نظروا حق النظر لعلموا أنه سبحانه الذى يستحق أن يعبد والمراد بالزوج هنا الصنف وقال الفراء هو اللون وقال الزجاج معنى زوج نوع وكريم محمود والمعنى من كل زوج نافع لايقدر على إنباته إلا رب العالمين والكريم فى الأصل الحسن الشريف يقال نخلة كريمة أى كثيرة الثمرة ورجل كريم شريف فاضل وكتاب كريم إذا كان مرضيا فى معانيه والنبات الكريم هو المرضى فى منافعة قال الشعبى الناس مثل نبات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم ومن صار منهم إلى النار فهو لئيم
الشعراء : ( 8 ) إن في ذلك . . . . .
والإشارة بقوله ) إن في ذلك لآية ( إلي المذكور قبله أى إن فيما ذكر من الإنبات فى الأرض لدلالة بينة وعلامة واضحة على كمال قدرة الله سبحانه وبديع صنعته ثم أخبر سبحانه بأن أكثر هؤلاء مستمر على ضلالته مصمم على جحوده وتكذيبه واستهزائه فقال ) وما كان أكثرهم مؤمنين ( أى سبق علمى فيهم أنهم سيكونون هكذا وقال سيبويه إن كان هنا صلة
الشعراء : ( 9 ) وإن ربك لهو . . . . .
) وإن ربك لهو العزيز الرحيم ( أى


"""""" صفحة رقم 95 """"""
الغالب القاهر لهؤلاء بالانتقام منهم مع كونه كثير الرحمة ولذلك أمهلهم ولم يعالجهم بالعقوبة أو المعنى أنه منتقم من أعدائه رحيم بأوليائه
الشعراء : ( 10 ) وإذ نادى ربك . . . . .
وجملة ) وإذ نادى ربك موسى ( الخ مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها من الإعراض والتكذيب والاستهزاء والعامل فى الظرف محذوف تقديره واتل إذ نادى أو اذكر والنداء الدعاء و أن فى قوله ) أن ائت القوم الظالمين ( يجوز أن تكون مفسرة وأن تكون مصدرية ووصفهم بالظلم لأنهم جمعوا بين الكفر الذى ظلموا به أنفسهم وبين المعاصى التى ظلموا بها غيرهم كاستعباد بنى إسرائيل بنى إسرائيل وذبح أبنائهم
الشعراء : ( 11 ) قوم فرعون ألا . . . . .
وانتصاب قوم فرعون على أنه بدل أو عطف بيان من القوم الظالمين ومعنى ) ألا يتقون ( ألا يخافون عقاب الله سبحانه فيصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته وقيل المعنى قل لهم ألا تتقون وجاء بالياء التحتية لأنهم غيب وقت الخطاب وقرأ عبيد بن عمير وأبو حازم ) ألا تتقون ( بالفوقية أى قل لهم ذلك ومثله قل للذين كفروا ستغلبون بالتحيتة والفوقية
الشعراء : ( 12 ) قال رب إني . . . . .
) قال رب إني أخاف أن يكذبون ( أى قال موسى هذه المقالة والمعنى أخاف أن يكذبونى فى الرسالة
الشعراء : ( 13 ) ويضيق صدري ولا . . . . .
) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني ( معطوفان على أخاف أى يضيق صدرى لتكذيبهم إياى ولاينطلق لسانى بتأدية الرسالة قرأ الجمهور برفع يضيق ولاينطلق بالعطف على أخاف كما ذكرنا أو على الاستئناف وقرأ يعقوب وعيسى بن عمر وأبو حيوة بنصبهما عطفا على يكذبون قال الفراء كلا القراءتين له وجه قال النحاس الوجه الرفع لأن النصب عطف على يكذبون وهذا بعيد ) فأرسل إلى هارون ( أى أرسل إليه جبريل بالوحي ليكون معى رسولا موازر مظاهرا معاونا ولم يذكر الموازرة هنا لأنها معلومة من غير هذا الموضع كقوله فى طه واجعل لى وزيرا وفى القصص ) فأرسله معي ردءا يصدقني ( وهذا من موسى عليه السلام من باب طلب المعاونة له بإرسال أخيه لا من باب الاستعفاء من الرسالة ولا من التوقف عن المسارعة بالامتثال
الشعراء : ( 14 ) ولهم علي ذنب . . . . .
) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون ( الذنب هو قتله للقبطى وسماه ذنبا بحسب زعمهم فخاف موسى أن يقتلوه به وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء
الشعراء : ( 15 ) قال كلا فاذهبا . . . . .
ثم أجابه سبحانه بما يشتمل على نوع من الردع وطرف من الزجر ) قال كلا فاذهبا بآياتنا ( وفى ضمن هذا الجواب إجابة موسى إلى ما طلبه من ضم أخيه إليه كما يدل عليه توجيه الخطاب إليهما كأنه قال ارتدع يا موسى عن ذلك واذهب أنت ومن استدعيته ولاتخف من القبط ) إنا معكم مستمعون ( وفى هذا تعليل للردع عن الخوف وهو كقوله سبحانه ) إنني معكما أسمع وأرى ( وأراد بذلك سبحانه تقوية قلوبهما وأنه متول لحفظهما وكلاءتهما وأجراهما مجرى الجمع فقال معكم لكون الاثنين أقل الجمع على ماذهب إليه بعض الأئمة أو لكونه أراد موسى وهارون ومن أرسلا إليه ويجوز أن يكون المراد هما مع بنى إسرائيل ومعكم ومستمعون خبران لأن أو الخبر مستمعون ومعكم متعلق به ولايخفى ما فى المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام فالمراد معية النصرة والمعونة
الشعراء : ( 16 ) فأتيا فرعون فقولا . . . . .
) فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ( الفاء لترتيب ما بعدها على ماقبلها ووحد الرسول هنا ولم يثنه كما فى قوله إنا رسولا ربك لأنه مصدر بمعنى رسالة والمصدر يوحد وأما إذا كان بمعنى المرسل فإنه يثنى مع المثنى ويجمع مع الجمع قال أبو عبيدة رسول بمعنى رسالة والتقدير على هذا إنا ذوا رسالة رب العالمين ومنه قول الشاعر ألا أبلغ أبا عمرو رسولا
فإنى عن فتاحتكم غنى
أي رسالة وقال العباس بن مرداس ألا من مبلغ عنى خفافا
رسولا بيت أهلك منتهاها


"""""" صفحة رقم 96 """"""
أى رسالة قال أبو عبيدة أيضا ويجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع تقول العرب هذا رسولي ووكيلي وهذان رسولى ووكيلى وهؤلاء رسولى ووكيلى ومنه قوله تعالى فإنهم عدو لى وقيل معناه إن كل واحد منا رسول رب العالمين وقيل إنهما لما كانا متعاضدين متساندين فى الرسالة كانا بمنزلة رسول واحد
الشعراء : ( 17 ) أن أرسل معنا . . . . .
وأن فى قوله ) أن أرسل معنا بني إسرائيل ( مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول
الشعراء : ( 18 ) قال ألم نربك . . . . .
) قال ألم نربك فينا وليدا ( أى قال فرعون لموسى بعد أن أتياه وقالا له ما أمرهما الله به ومعنى فينا أى فى حجرنا ومنازلنا أراد بذلك المن عليه والاحتقار له أى ربيناك لدينا صغيرا ولم نقتلك فيمن قتلنا من الأطفال ) ولبثت فينا من عمرك سنين ( فمتى كان هذا الذى تدعيه قيل لبث فيهم ثمانى عشرة سنة وقيل ثلاثين سنة وقيل أربعين سنة
الشعراء : ( 19 ) وفعلت فعلتك التي . . . . .
ثم قرر بقتل القبطى فقال ) وفعلت فعلتك التي فعلت ( الفعلة بفتح الفاء المرة من الفعل وقرأ الشعبى فعلتك بكسر الفاء والفتح أولى لأنها للمرة الواحدة لا للنوع والمعنى أنه لما عدد عليه النعم ذكر له ذنوبه وأراد بالفعل قتل القبطى ثم قال ) وأنت من الكافرين ( أى من الكافرين للنعمة حيث قتلت رجلا من أصحابى وقيل المعنى من الكافرين بأن فرعون إله وقيل من الكافرين بالله فى زعمه لأنه كان معهم على دينهم والجملة في محل نصب على الحال
الشعراء : ( 20 ) قال فعلتها إذا . . . . .
) قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ( أى قال موسى مجيبا لفرعون فعلت هذه الفعلة التى ذكرت وهى قتل القبطى وأنا إذ ذاك من الضالين أى الجاهلين فنفى عليه السلام عن نفسه الكفر وأخبر أنه فعل ذلك علي الجهل قبل أن يأتيه العلم الذى علمه الله وقيل المعنى من الجاهلين أن تلك الوكزة تبلغ القتل وقال أبو عبيدة من الناسين
الشعراء : ( 21 ) ففررت منكم لما . . . . .
) ففررت منكم لما خفتكم ( أي خرجت من بينكم إلى مدين كما فى سورة القصص ) فوهب لي ربي حكما ( أى نبوة أو علما وفهما وقال الزجاج المراد بالحكم تعليمه التوارة التى فيها حكم الله ) وجعلني من المرسلين
الشعراء : ( 22 ) وتلك نعمة تمنها . . . . .
وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ( قيل هذا الكلام من موسى على جهة الإقرار بالنعمة كأنه قال نعم تلك التربية نعمة تمن بها على ولكن لايدفع ذلك رسالتى وبهذا قال الفراء وابن جرير وقيل هو من موسى على جهة الإنكار أى أتمن على بأن ربيتنى وليدا وأنت قد استعبدت بنى إسرائيل وقتلتهم وهم قومى قال الزجاج المفسرون أخرجوا هذا على جهة الإنكار بأن يكون ما ذكر فرعون نعمة على موسى واللفظ لفظ خبر وفيه تبكيت للمخاطب على معنى أنك لو كنت لاتقتل أبناء بنى إسرائيل لكانت أمى مستغنية عن قذفى فى اليم فكأنك تمن على ما كان بلاؤك سببا له وذكر نحوه الأزهرى بأبسط منه وقال المبرد يقول التربية كانت بالسبب الذى ذكرت من التعبيد أى تربيتك إياى كانت لأجل التملك والقهر لقومى وقيل إن فى الكلام تقدير الاستفهام أى أو تلك نعمة قاله الأخفش وأنكره النحاس قال الفراء ومن قال إن الكلام إنكار قال معناه أو تلك نعمة ومعنى ) أن عبدت بني إسرائيل ( أن اتخذتهم عبيدا يقال عبدته وأعبدته بمعنى كذا قال الفراء ومحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف بدل من نعمة والجر بإضمار الباء والنصب بحذفها
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس ) فظلت أعناقهم لها خاضعين ( قال ذليلين وأخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عن قتادة ) ولهم علي ذنب ( قال قتل النفس وأخرج ابن جرير عن ابن عباس فى قوله ) وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ( قال للنعمة إن فرعون لم يكن ليعلم ما الكفر وفى قوله ) فعلتها إذا وأنا من الضالين ( قال من الجاهلين وأخرج الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن مجاهد ) أن عبدت بني إسرائيل ( قال قهرتهم واستعملتهم


"""""" صفحة رقم 97 """"""
سورة الشعراء ( 23 51 )
الشعراء : ( 23 ) قال فرعون وما . . . . .
لما سمع فرعون قول موسى وهارون ) إنا رسول رب العالمين ( قال مستفسرا لهما عن ذلك عازما على الاعتراض لما قالاه فقال ) وما رب العالمين ( أى أى شىء هو جاء فى الاستفهام بما التى يستفهم بها عن المجهول ويطلب بها تعيين الجنس فلما قال فرعون ذلك
الشعراء : ( 24 ) قال رب السماوات . . . . .
قال موسى ) رب السماوات والأرض وما بينهما ( فعين له ما أراد بالعالمين وترك جواب ما سأل عنه فرعون لأنه سأله عن جنس رب العالمين ولاجنس له فأجابه موسى بما يدل على عظيم القدرة الإلهية التى تتضح لكل سامع أنه سبحانه الرب ولا رب غيره ) إن كنتم موقنين ( أى إن كنتم موقنين بشىء من الأشياء فهذا أولى بالإيقان
الشعراء : ( 25 ) قال لمن حوله . . . . .
قال فرعون ) لمن حوله ألا تستمعون ( أى لمن حوله من الأشراف ألا تستمعون ما قاله يعنى موسى معجبا لهم من ضعف المقالة كأنه قال أتسمعون وتعجبون وهذا من اللعين


"""""" صفحة رقم 98 """"""
مغالطة لما لم يجد جوابا عن الحجة التى أوردها عليه موسى
الشعراء : ( 26 ) قال ربكم ورب . . . . .
فلما سمع موسى ما قال فرعون عليه حجة أخرى هى مندرجة تحت الحجة الأولى ولكنها أقرب إلى فهم السامعين له ف ) قال ربكم ورب آبائكم الأولين ( فأوضح لهم أن فرعون مربوب لا رب كما يدعيه والمعنى أن هذا الرب الذى أدعوكم إليه هو الذى خلق آباءكم الأولين وخلقكم فكيف تعبدون من هو واحد منكم مخلوق كخلقكم وله آباء قد فنوا كآبائكم
الشعراء : ( 27 ) قال إن رسولكم . . . . .
فلم يجبه فرعون عند ذلك بشىء يعتد به بل جاء بما يشكك قومه ويخيل إليهم أن هذا الذى قاله موسى مما لايقوله العقلاء ف ) قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ( قاصدا بذلك المغالطة وإيقاعهم فى الحيرة مظهرا إنه مستخف بما قاله موسى مستهزئ به
الشعراء : ( 28 ) قال رب المشرق . . . . .
فأجابه موسى عند ذلك بما هو تكميل لجوابه الأول ف ) قال رب المشرق والمغرب وما بينهما ( ولم يشتغل موسى بدفع ما نسبه إليه من الجنون بل بين لفرعون شمول ربوبية الله سبحانه للمشرق والمغرب وما بينهما وإن كان ذلك داخلا تحت ربوبيته سبحانه للسموات والأرض وما بينهما لكن فيه تصريح بإسناد حركات السموات وما فيها وتغيير أحوالها وأوضاعها تارة بالنور وتارة بالظلمة إلى الله سبحانه وتثنية الضمير فى وما بينهما الأول لجنسى السموات والأرض كما في قول الشاعر تنقلت فى أشرف التنقل
بين رماحي نهشل ومالك
إن كنتم تعقلون أى شيئا من الأشياء أو إن كنتم من أهل العقل أى إن كنت يا فرعون ومن معك من العقلاء عرفت وعرفوا أنه لاجواب لسؤالك إلا ماذكرت لك
الشعراء : ( 29 ) قال لئن اتخذت . . . . .
ثم إن اللعين لما انقطع عن الحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب ف ) قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ( أى لأجعلنك من أهل السجن وكان سجن فرعون أشد من القتل لأنه إذا سجن أحدا لم يخرجه حتى يموت فلما سمع موسى عليه السلام ذلك لاطفه طمعا فى إجابته وإرخاء لعنان المناظرة معه مريدا لقهره بالحجة المعتبرة فى باب النبوة وهى إظهار المعجزة
الشعراء : ( 30 ) قال أولو جئتك . . . . .
فعرض له على وجه يلجئه إلى طلب المعجزة ف ) قال أولو جئتك بشيء مبين ( أى أتجعلنى من المسجونين ولو جئتك بشىء يتبين به صدقي ويظهر عنده صحة دعواى والهمزة هنا للاستفهام والواو للعطف على مقدر كما مر مرارا
الشعراء : ( 31 ) قال فأت به . . . . .
فلما سمع فرعون ذلك طلب ماعرضه عليه موسى ف ) قال فأت به إن كنت من الصادقين ( فى دعواك وهذا الشرط جوابه محذوف لأنه قد تقدم مايدل عليه
الشعراء : ( 32 ) فألقى عصاه فإذا . . . . .
فعند ذلك أبرز موسى المعجزة ) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ( وقد تقدم تفسير هذا وما بعده فى سورة الأعراف واشتقاق الثعبان من ثعبت الماء في الأرض فانبعث أي فجرته فانفجر وقد عبر سبحانه في موضع آخر مكان الثعبان بالحية بقوله ) فإذا هي حية تسعى ( وفي موضع بالجان فقال كأنها جان والجان هو المائل إلى الصغر والثعبان هو المائل إلى الكبر والحية جنس يشمل الكبير والصغير
الشعراء : ( 35 ) يريد أن يخرجكم . . . . .
ومعنى ) فماذا تأمرون ( ما رأيكم فيه وما مشورتكم فى مثله فأظهر لهم الميل إلى مايقولونه تألفا لهم واستجلابا لمودتهم لأنه قد أشرف ما كان فيه من دعوى الربوبية على الزوال وقارب ما كان يغرر به عليهم الاضمحلال وإلا فهو أكبر تيها وأعظم كبرا من أن يخاطبهم مثل هذه المخاطبة المشعرة بأنه فرد من أفرادهم وواحد منهم مع كونه قبل هذا الوقت يدعى أنه إلههم ويذعنون له بذلك ويصدقونه فى دعواه
الشعراء : ( 36 ) قالوا أرجه وأخاه . . . . .
ومعنى ) أرجه وأخاه ( أخر أمرهما من أرجأته إذا أخرته وقيل المعنى احبسهما ) وابعث في المدائن حاشرين ( وهم الشرط الذين يحشرون الناس أى يجمعونهم
الشعراء : ( 37 ) يأتوك بكل سحار . . . . .
) يأتوك بكل سحار عليم ( هذا ما أشاروا به عليه والمراد بالسحار العليم الفائق فى معرفة السحر وصنعته
الشعراء : ( 38 ) فجمع السحرة لميقات . . . . .
) فجمع السحرة لميقات يوم معلوم ( هو يوم الزينة كما فى قوله ) قال موعدكم يوم الزينة )
الشعراء : ( 39 ) وقيل للناس هل . . . . .
) وقيل للناس هل أنتم مجتمعون ( حثا لهم على الاجتماع ليشاهدوا ما يكون من موسى والسحرة ولمن تكون الغلبة


"""""" صفحة رقم 99 """"""
ذلك ثقة من فرعون بالظهور وطلبا أن يكون بمجمع من الناس حتى لايؤمن بموسى أحد منهم فوقع ذلك من موسى الموقع الذى يريده لأنه يعلم أن حجة الله هى الغالبة وحجة الكافرين هى الداحضة وفى ظهور حجة الله بمجمع من الناس زيادة فى الاستظهار للمحقين والانقهار للمبطلين ومعنى
الشعراء : ( 40 ) لعلنا نتبع السحرة . . . . .
) لعلنا نتبع السحرة ( نتبعهم فى دينهم ) إن كانوا هم الغالبين ( والمراد باتباع السحرة في دينهم هو البقاء على ما كانوا عليه لأنه دين السحرة إذ ذاك والمقصود المخالفة لما دعاهم إليه موسى
الشعراء : ( 41 ) فلما جاء السحرة . . . . .
فعند ذلك طلب السحرة من موسى الجزاء على ما سيفعلونه ف ) قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا ( أى لجزاء تجزينا به من مال أو جاه وقيل أرادوا إن لنا ثوابا عظيما ثم قيدوا ذلك بظهور غلبتهم لموسى فقالوا ) إن كنا نحن الغالبين )
الشعراء : ( 42 ) قال نعم وإنكم . . . . .
فوافقهم فرعون على ذلك و ) قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين ( أى نعم لكم ذلك عندى مع زيادة عليه وهى كونكم من المقربين لدى
الشعراء : ( 43 ) قال لهم موسى . . . . .
) قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ( وفى آية أخرى قالوا يا موسى إما أن تلقي وأما نكون نحن الملقين فيحمل ما هنا على أنه قال لهم ألقوا بعد أن قالوا هذا القول ولم يكن ذلك من موسى عليه السلام أمرا لهم بفعل السحر بل أراد أن يقهرهم بالحجة ويظهر لهم أن الذى جاء به ليس هو من الجنس الذي أرادوا معارضته به
الشعراء : ( 44 ) فألقوا حبالهم وعصيهم . . . . .
) فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا ( عند الألقاء ) بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ( يحتمل قولهم بعزة فرعون وجهين الأول أنه قسم وجوابه إنا لنحن الغالبون والثانى متعلق بمحذوف والباء للسببية أى نغلب بسبب عزته والمراد بالعزة العظمة
الشعراء : ( 45 ) فألقى موسى عصاه . . . . .
(فألقى موسى عصاه فإذا هى تلقف ما يأفكون) قد تقدم تفسير هذا مستوفى والمعنى أنها تلقف ماصدر منهم من الافك بإخراج الشىء عن صورته الحقيقية
الشعراء : ( 46 ) فألقي السحرة ساجدين
) فألقي السحرة ساجدين ( أى لما شاهدوا ذلك وعلموا أنه صنع صانع حكيم ليس من صنيع البشر ولا من تمويه السحرة آمنوا بالله وسجدوا له وأجابوا دعوة موسى وقبلوا نبوته وقد تقدم بيان معنى ألقى ومن فاعله لوقوع التصريح به
الشعراء : ( 47 - 48 ) قالوا آمنا برب . . . . .
وعند سجودهم ) قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ( رب موسى عطف بيان لرب العالمين وأضافوه سبحانه إليهما لأنهما القائمان بالدعوة فى تلك الحال وفيه تبكيت لفرعون بأنه ليس برب وأن الرب فى الحقيقة هو هذا
الشعراء : ( 49 ) قال آمنتم له . . . . .
فلما سمع فرعون ذلك منهم ورأى سجودهم لله ) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ( أى بغير إذن منى ثم قال مغالطا للسحرة الذين امنوا وموهما للناس أن فعل موسى سحر من جنس ذلك السحر ) إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ( وإنما اعترف له بكونه كبيرهم مع كونه لايحب الاعتراف بشىء يرتفع به شأن موسى لأنه قد علم كل من حضر أن ماجاء به موسى إبهر مما جاءوا به السحرة فأراد أن يشكك على الناس بأن هذا الذي شاهدتم وإن كان قد فاق على مافعله هؤلاء السحرة فهو فعل كبيرهم ومن هو أستاذهم الذى أخذوا عنه هذه الصناعة فلا تظنوا أنه فعل لايقدر عليه البشر وأنه من فعل الرب الذى يدعو إليه موسى ثم توعد أولئك السحرة الذين آمنوا بالله لما قهرتهم حجة الله فقال ) فلسوف تعلمون ( أجمل التهديد أولا للتهويل ثم فصله فقال ) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين )
الشعراء : ( 49 ) قال آمنتم له . . . . .
فلما سمعوا ذلك من قوله ) قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ( أى لاضرر علينا فيما يلحقنا من عقاب الدنيا فإن ذلك يزول وننقلب بعده إلى ربنا فيعطينا من النعيم الدائم مالا يحد ولايوصف قال الهروى لاضير ولاضرر ولاضر بمعنى واحد وأنشد أبو عبيدة فإنك لايضرك بعد حول
أظبى كان أمك أم حمار
قال الجوهرى ضاره يضوره ويضره ضيرا وضورا أى ضره قال الكسائى سمعت بعضهم يقول لاينفعنى ذلك ولايضورنى
الشعراء : ( 51 ) إنا نطمع أن . . . . .
) إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا ( ثم عللوا هذا بقولهم ) أن كنا أول المؤمنين ( بنصب أن أى لأن كنا أول المؤمنين وأجاز الفراء والكسائى كسرها على أن يكون مجازاة ومعنى أول


"""""" صفحة رقم 100 """"""
المؤمنين أنهم أول من آمن من قوم فرعون بعد ظهور الآية وقال الفراء أول مؤمنى زمانهم وأنكره الزجاج وقال قد روى أنه آمن معهم ستمائة ألف وسبعون ألفا وهم الشرذمة القليلون الذين عناهم فرعون بقوله إن هؤلاء لشرذمة قليلون
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس فى قوله ) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ( يقول مبين له خلق حية ونزع يده يقول وأخرج موسى يده من جيبه فإذا هى بيضاء تلمع للناظرين لمن ينظر إليها ويراها وأخرج ابن جرير عن ابن زيد فى قوله ) وقيل للناس هل أنتم مجتمعون ( قال كانوا بالإسكندرية قال ويقال بلغ ذنب الحية من وراء البحيرة يومئذ قال وهربوا وأسلموا فرعون وهمت به فقال خذها يا موسى وكان مما بلى الناس به منه أنه كان لايضع على الأرض شيئا أى يوهمهم أنه لايحدث فأحدث يومئذ تحته وأخرج ابن جرير عن ابن زيد فى قوله لاضير قال يقولون لايضيرنا الذى تقول وإن صنعت بنا وصلبتنا ) إنا إلى ربنا منقلبون ( يقولون إنا إلى ربنا راجعون وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك إيانا وثباتنا على توحيده والبراءة من الكفر وفى قوله ) أن كنا أول المؤمنين ( قالوا كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رأوها
سورة الشعراء ( 52 68 )
الشعراء : ( 52 ) وأوحينا إلى موسى . . . . .
قوله ) أن أسر بعبادي ( أمر الله سبحانه موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلا وسماهم عباده لأنهم آمنوا بموسى وبما جاء به وقد تقدم تفسير مثل هذا فى سورة الأعراف وجملة ) إنكم متبعون ( تعليل للأمر المتقدم أى يتبعكم فرعون وقومه ليردوكم
الشعراء : ( 53 ) فأرسل فرعون في . . . . .
و ) فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ( وذلك حين بلغه مسيرهم والمراد بالحاشرين الجامعون للجيش من الأمكنة التي فيها أتباع فرعون
الشعراء : ( 54 ) إن هؤلاء لشرذمة . . . . .
ثم قال فرعون لقومه بعد اجتماعهم لديه ) إن هؤلاء لشرذمة قليلون ( يريد بنى إسرائيل والشرذمة الجمع الحقير القليل والجمع شراذم قال الجوهرى الشرذمة الطائفة من الناس والقطعة من الشىء وثوب شراذم أى قطع ومنه قول الشاعر جاء الشتاء وقميصى أخلاق
شراذم يضحك منها الخلاق
قال الفراء يقال عصبة قليلة وقليلون وكثيرة وكثيرون قال المبرد الشرذمة القطعة من الناس غير الكثير


"""""" صفحة رقم 101 """"""
وجمعها الشراذم قال الواحدى قال المفسرون وكان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف ولا يحصى عدد أصحاب فرعون
الشعراء : ( 55 ) وإنهم لنا لغائظون
) وإنهم لنا لغائظون ( يقال غاظنى كذا وأغاظنى والغيظ والغضب ومنه التغيظ والاغتياظ أى غاظونا بخروجهم من غير إذن منى
الشعراء : ( 56 ) وإنا لجميع حاذرون
) وإنا لجميع حاذرون ( قرئ حذرون وحاذرون وحذرون بضم الذال حكى ذلك الأخفش قال الفراء الحاذر الذى يحذرك الآن والحذر المخلوق كذلك لا تلقاه إلا حذرا وقال الزجاج الحاذر المستعد والحذر المتيقظ وبه قال الكسائى ومحمد بن يزيد قال النحاس حذرون قراءة المدنيين وأبى عمرو وحاذرون قراءة أهل الكوفة قال وأبو عبيدة يذهب إلى أن معنى حذرون وحاذرون واحد وهو قول سيبويه وأنشد سيبويه حذر أمورا لاتضير وحاذر
ماليس ينجيه من الأقدار
الشعراء : ( 57 - 58 ) فأخرجناهم من جنات . . . . .
) فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ( يعنى فرعون وقومه أخرجهم الله من أرض مصر وفيها الجنات والعيون والكنوز وهى جمع جنة وعين وكنز والمراد بالكنوز الخزائن وقيل الدفائن وقيل الأنهار وفيه نظر لأن العيون المراد بها عند جمهور المفسرين عيون الماء فيدخل تحتها الأنهار
واختلف فى المقام الكريم فقيل المنازل الحسان وقيل المنابر وقيل مجالس الرؤساء والأمراء وقيل مرابط الخيل والأول أظهر ومن ذلك قول الشاعر وفيهم مقامات حسان وجوهها
وأندية ينتابها القول والفعل
الشعراء : ( 59 ) كذلك وأورثناها بني . . . . .
) كذلك وأورثناها بني إسرائيل ( يحتمل أن يكون كذلك فى محل نصب أى أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذى وصفنا ويحتمل أن يكون فى محل جر على الوصفية أى مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم ويحتمل الرفع علي أنه خبر مبتدأ محذوف أى الأمر كذلك ومعنى وأورثناها بنى إسرائيل جعلناها ملكا لهم وهو معطوف على فأخرجناهم
الشعراء : ( 60 ) فأتبعوهم مشرقين
) فأتبعوهم مشرقين ( قراءة الجمهور بقطع الهمزة وقرأ الحسن والحارث الدينارى بوصلها وتشديد التاء أى فلحقوهم حال كونهم مشرقين أى داخلين في وقت الشروق يقال شرقت الشمس شروقا إذا طلعت كأصبح وأمسى أى دخل في هذين الوقتين وقيل داخلين نحو المشرق كأنجد وأتهم وقيل معنى مشرقين مضيئين قال الزجاج يقال شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا أضائت
الشعراء : ( 61 ) فلما تراءى الجمعان . . . . .
) فلما تراءى الجمعان ( قرأ الجمهور تراءى بتخفيف الهمزة وقرأ ابن وثاب والأعمش من غير همز والمعنى تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه وهو تفاعل من الرؤية وقرئ ) تراءت الفئتان ( قال أصحاب موسى إنا لمدركون أى سيدركنا جمع فرعون ولاطاقة لنا بهم قرأ الجمهور إنا لمدركون اسم مفعول من أردك ومنه حتى إذا أدركه الغرق وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير بفتح الدال مشددة وكسر الراء قال الفراء هما بمعنى واحد قال النحاس ليس كذلك يقول النحويون الحذاق إنما يقولون مدركون بالتخفيف ملحقون وبالتشديد مجتهدون فى لحاقهم قال وهذا معنى قول سيبويه وقال الزمخشرى إن معنى هذه القراءة إنا لمتتابعون فى الهلاك على أيديهم حتى لايبقى منا أحد
الشعراء : ( 62 ) قال كلا إن . . . . .
) قال كلا إن معي ربي سيهدين ( قال موسى هذه المقالة زجرا لهم وردعا والمعنى أنهم لايدركونكم وذكرهم وعد الله بالهداية والظفر والمعنى إن معى ربى بالنصر والهداية سيهدين أى يدلنى على طريق النجاة فلما عظم البلاء على بني إسرائيل ورأوا من الجيوش مالا طاقة لهم به
الشعراء : ( 63 ) فأوحينا إلى موسى . . . . .
وأمر الله سبحانه موسى أن يضرب البحر بعصاه وذلك قوله ) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ( لما قال موسى ) إن معي ربي سيهدين ( بين الله سبحانه له طريق الهداية فأمره بضرب البحر وبه نجا بنو إسرائيل وهلك عدوهم والفاء في فانفلق فصيحة أى


"""""" صفحة رقم 102 """"""
فضرب فانفلق فصار اثنى عشر فلقا بعدد الأسباط وقام الماء عن يمين الطريق وعن يساره كالجبل العظيم وهو معنى قوله ) فكان كل فرق كالطود العظيم ( والفرق القطعة من البحر وقرئ فلق بلام بدل الراء والطود الجبل قال امرؤ القيس فبينا المرء فى الأحياء طود
رماه الناس عن كثب فمالا
وقال الأسود بن يعفر حلوا بأنقرة يسيل عليهم
ماء الفرات يجىء من أطواد
الشعراء : ( 64 ) وأزلفنا ثم الآخرين
) وأزلفنا ثم الآخرين ( أى قربناهم إلى البحر يعنى فرعون وقومه قال الشاعر وكل يوم مضى أو ليلة سلفت
فيها النفوس إلى الآجال تزدلف
قال أبو عبيدة أزلفنا جمعنا ومنه قيل لليلة المزدلفة ليلة جمع وثم ظرف مكان للبعيد وقيل إن المعنى وأزلفنا قربنا من النجاة والمراد بالآخرين موسى وأصحابه والأول أولى وقرأ الحسن وأبو حيوة وزلفنا ثلاثيا وقرأ أبى وابن عباس وعبد الله بن الحارث وأزلقنا بالقاف أى أزللنا وأهلكنا من قولهم أزلقت الفرس إذا ألقت ولدها
الشعراء : ( 65 ) وأنجينا موسى ومن . . . . .
) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ( بمرورهم فى البحر بعد أن جعله الله طرقا يمشون فيها
الشعراء : ( 66 ) ثم أغرقنا الآخرين
) ثم أغرقنا الآخرين ( يعنى فرعون وقومه أغرقهم الله باطباق البحر عليهم بعد أن دخلوا فيه متبعين موسى وقومه
الشعراء : ( 67 ) إن في ذلك . . . . .
والإشارة بقوله ) إن في ذلك لآية ( إلى ماتقدم ذكره مما صدر بين موسى وفرعون إلى هذه الغاية ففى ذلك آية عظيمة وقدرة باهرة من أدل العلامات علي قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه ) وما كان أكثرهم مؤمنين ( أى ما كان أكثر هؤلاء الذين مع فرعون مؤمنين فإنه لم يؤمن منهم فيما بعد إلا القليل كحزقيل وابنته وآسية امرأة فرعون والعجوز التي دلت على قبر يوسف وليس المراد أكثر من كان مع فرعون عند لحاقه بموسى فإنهم هلكوا فى البحر جميعا بل المراد من كان معه من الأصل ومن كان متابعا له ومنتسبا إليه هذا غاية مايمكن أن يقال وقال سيبويه وغيره إن كان زائدة وأن المراد الإخبار عن المشركين بعد ماسمعوا الموعظة
الشعراء : ( 68 ) وإن ربك لهو . . . . .
) وإن ربك لهو العزيز الرحيم ( أى المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج الفريابى وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن مسعود فى قوله ) إن هؤلاء لشرذمة قليلون ( قال ستمائة ألف وسبعون ألفا وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس قال كانوا ستمائة ألف وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان أصحاب موسى الذين جازوا البحر اثنى عشر سبطا فكان فى كل طريق اثنا عشر ألفا كلهم ولد يعقوب وأخرج ابن مردويه عنه أيضا بسند قال السيوطي واه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان فرعون عدو الله حيث أغرقه الله هو وأصحابه فى سبعين قائدا مع كل قائد سبعون ألفا وكان موسى مع سبعين ألفا حيث عبروا البحر وأخرج ابن أبى حاتم عنه أيضا قال كان طلائع فرعون الذين بعثهم فى أثرهم ستمائة ألف ليس فيها أحد إلا على بهيم
وأقول هذه الروايات المضطربة قد روى عن كثير من السلف ما يماثلها فى الاضطراب والاختلاف ولا يصح منها شىء عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس ) ومقام كريم ( قال المنابر وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عنه فى قوله كالطود قال كالجبل وأخرج ابن أبى شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود مثله وأخرج ابن جرير عن ابن عباس وأزلفنا قال قربنا وأخرج الفريابى وعبد بن


"""""" صفحة رقم 103 """"""
حميد وابن أبى حاتم والحاكم وصححه عن أبى موسى عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال إن موسى لما أراد أن يسير ببنى إسرائيل أضل الطريق فقال لبنى إسرائيل ماهذا فقال له علماء بنى إسرائيل أن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقا أن لانخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا فقال لهم موسى أيكم يدري أين قبره فقالوا مايعلم أحد مكان قبره إلا عجوز لبنى إسرائيل فأرسل إليها موسى فقال دلينا على قبر يوسف فقالت لا والله حتى تعطينى حكمى قال وما حكمك قالت أن أكون معك فى الجنة فكأنه ثقل عليه ذلك فقيل له أعطها حكمها فأعطاها حكمها فانطلقت بهم إلى بحيرة مستنقعة ماء فقالت لهم انضبوا عنها الماء ففعلوا قالت احفروا فحفروا فاستخرجوا قبر يوسف فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار
سورة الشعراء ( 69 104 )
الشعراء : ( 69 ) واتل عليهم نبأ . . . . .
قوله ) واتل عليهم ( معطوف على العامل فى قوله وإذ نادى ربك موسى وقد تقدم والمراد بنبأ إبراهيم


"""""" صفحة رقم 104 """"""
خبره أى اقصص عليهم يا محمد خبر إبراهيم وحديثه
الشعراء : ( 70 ) إذ قال لأبيه . . . . .
وإذ قال منصوب بنبأ إبرهيم أى وقت قوله ) لأبيه وقومه ما تعبدون ( وقيل إذا بدل من نبأ بدل اشتمال فيكون العامل فيه اتل والأول أولى ومعنى ماتعبدون أى شىء تعبدون وهو يعلم أنهم يعبدون الأصنام ولكنه أراد إلزامهم الحجة
الشعراء : ( 71 ) قالوا نعبد أصناما . . . . .
) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين ( أى فتقيم علي عبادتها مستمرا لا فى وقت معين يقال ظل يفعل كذا إذا فعله نهارا وبات يفعل كذا إذا فعله ليلا فظاهره أنهم يستمرون على عبادتها نهارا لا ليلا والمراد من العكوف لها الإقامة على عبادتها وإنما قال لها لإفادة أن ذلك العكوف لأجلها
الشعراء : ( 72 ) قال هل يسمعونكم . . . . .
فلما قالوا هذه المقالة قال إبراهيم منبها على فساد مذهبهم ) هل يسمعونكم إذ تدعون ( قال الأخفش فيه حذف والمعنى هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم وقرأ قتادة هل يسمعونكم بضم الياء أى هل يسمعونكم أصواتهم وقت دعائكم لهم
الشعراء : ( 73 ) أو ينفعونكم أو . . . . .
(أو ينفعونكم ) بوجه من وجوه النفع أو يضرون أى يضرونكم إذا تركتم عبادتهم وهذا الاستفهام للتقرير فإنها إذا كانت لاتسمع ولاتنفع ولاتضر فلا وجه لعبادتها فإذا قالوا نعم هى كذلك أقروا بأن عبادتهم لها من باب اللعب والعبث وعند ذلك تقوم الحجة عليهم
الشعراء : ( 74 ) قالوا بل وجدنا . . . . .
فلما أورد عليهم الخليل هذه الحجة الباهرة لم يجدوا لها جوابا إلا رجوعهم إلى التقليد البحت وهو أنهم وجدوا آباءهم كذلك يفعلون أى يفعلون لهذه العبادة لهذه الأصنام مع كونها بهذه الصفة التي هى سلب السمع والنفع والضر عنها وهذا الجواب هو العصى التى يتوكأ عليها كل عاجز ويمشى بها كل أعرج ويغتر بها كل مغرور وينخدع لها كل مخدوع فإنك لو سألت الآن هذه المقلدة للرجال التى طبقت الأرض بطولها والعرض وقلت لهم ما الحجة لهم على تقليد فرد من أفراد العلماء والأخذ بكل ما يقوله فى الدين ويبتدعه من الرأى المخالف للدليل لم يجدوا غير هذا الجواب ولا فاهوا بسواه وأخذوا يعددون عليك من سبقهم إلى تقليد هذا من سلفهم واقتداء بأقواله وأفعاله وهم قد ملئوا صدورهم هيبة وضاقت أذهانهم عن تصورهم وظنوا أنهم خير أهل الأرض وأعلمهم وأورعهم فلم يسمعوا لناصح نصحا ولا لداع إلى الحق دعاء ولو فظنوا لوجدوا أنفسهم فى غرور عظيم وجهل شنيع وإنهم كالبهيمة العمياء وأولئك الأسلاف كالعمى الذين يقودون البهائم العمى كمال قال الشاعر كبهيمة عمياء قاد زمامها
أعمى على عوج الطريق الحائر
فعليك أيها العامل بالكتاب والسنة المبرأ من التعصب والتعسف أن تورد عليهم حجج الله وتقيم عليهم براهينه فإنه ربما انقاد لك منهم من لم يستحكم داء التقليد فى قلبه وأما من قد استحكم فى قلبه هذا الداء فلو أوردت عليه كل حجة وأقمت عليه كل برهان لما أعارك إلا أذنا صماء وعينا عمياء ولكنك قد قمت بواجب البيان الذي أوجبه عليك القرآن والهداية بيد الخلاق العليم ) إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء )
الشعراء : ( 75 - 76 ) قال أفرأيتم ما . . . . .
ولما قال هؤلاء المقلدة هذه المقالة قال الخليل ) أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون ( أى فهل أبصرتم وتفكرتم ماكنتم تعبدون من هذه الأصنام التى لا تسمع ولا تنفع حتى تعلموا أنكم على ضلالة وجهالة
الشعراء : ( 77 ) فإنهم عدو لي . . . . .
ثم أخبرهم بالبراءة من هذه الأصنام التي يعبدونها فقال ) فإنهم عدو لي ( ومعنى كونهم عدوا له مع كونهم جمادا أنه إن عبدهم كانوا له عدوا يوم القيامة قال الفراء هذا من المقلوب أى فإنى عدو لهم لأن من عاديته عاداك والعدو كالصديق يطلق على الواحد والمثنى والجماعة والمذكر والمؤنث كذا قال الفراء قال على بن سليمان من قال عدوة الله فأثبت الهاء قال هى بمعنى المعادية ومن قال عدو للمؤنت والجمع جعله بمعنى النسب وقيل


"""""" صفحة رقم 105 """"""
المراد بقوله ) فإنهم عدو لي ( آباؤهم الأقدمون لأجل عبادتهم الأصنام ورد بأن الكلام مسوق فيما عبدوه لا فى العابدين والاستثناء فى قوله ) إلا رب العالمين ( منقطع أى لكن رب العالمين ليس كذلك بل هو ولي في الدنيا والآخرة قال الزجاج قال النحويون هو استثناء ليس من الأول وأجاز الزجاج أيضا أن يكون من الأول على أنهم كانوا يعبدون الله عز وجل ويعبدون معه الأصنام فأعلمهم أنه تبرأ مما يعبدون إلا الله قال الجرجاني تقديره أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلا رب العالمين فإنهم عدو لى فجعله من باب التقديم والتأخير وجعل إلا بمعنى دون وسوى كقوله لايذقون فيها الموت إلا الموتة الأولى أي دون الموتة الأولى وقال الحسن بن الفضل إن المعنى إلا من عبد رب العالمين
الشعراء : ( 78 ) الذي خلقني فهو . . . . .
ثم وصف رب العالمين بقوله ) الذي خلقني فهو يهدين ( أي فهو يرشدنى إلى مصالح الدين والدنيا وقيل إن الموصول مبتدأ وما بعده خبره والأول أولى ويجوز أن يكون الموصول بدلا من رب وأن يكون عطف بيان له وأن يكون منصوبا على المدح بتقدير أعنى أو أمدح وقد وصف الخليل ربه بما يستحق العبادة لأجله فإن الخلق والهداية والرزق يدل عليه
الشعراء : ( 79 ) والذي هو يطعمني . . . . .
قوله ) والذي هو يطعمني ويسقين ( ودفع ضر المرض وجلب نفع الشفاء والإماتة والإحياء والمغفرة للذنب كلها نعم يجب علي المنعم عليه ببعضها فضلا عن كلها أن يشكر المنعم بجميع أنواع الشكر التى أعلاها وأولاها العبادة ودخول هذه الضمائر فى صدور هذه الجمل للدلالة على أنه الفاعل لذلك دون غيره
الشعراء : ( 80 ) وإذا مرضت فهو . . . . .
وأسند المرض إلى نفسه دون غيره من هذه الأفعال المذكورة رعاية للأدب مع الرب وإلا فالمرض وغيره من الله سبحانه
الشعراء : ( 81 ) والذي يميتني ثم . . . . .
ومراده بقوله ) ثم يحيين ( البعث وحذف الياء من هذه الأفعال لكونها رؤوس الآى وقرأ ابن أبى إسحاق هذه الأفعال كلها بإثبات الياء
الشعراء : ( 82 ) والذي أطمع أن . . . . .
وإنما قال عليه الصلاة والسلام ) والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ( هضما لنفسه وقيل إن الطمع هنا بمعنى اليقين فى حقه وبمعنى الرجاء فى حق سواه وقرأ الحسن وابن أبى إسحاق خطاياى قالا ليست خطيئته واحدة قال النحاس خطيئة بمعنى خطايا فى كلام العرب قال مجاهد يعنى بخطيئته قوله بل فعله كبيرهم هذا وقوله إنى سقيم وقوله إن سارة أخته زاد الحسن وقوله للكوكب هذا ربى وحكى الواحدى عن المفسرين أنهم فسروا الخطايا بما فسرها به مجاهد قال الزجاج الأنبياء بشر ويجوز أن تقع عليهم الخطيئة إلا أنهم لاتكون منهم الكبيرة لأنهم معصومون والمراد بيوم الدين يوم الجزاء للعباد بأعمالهم ولايخفى أن تفسير الخطايا بما ذكره مجاهد ومن معه ضعيف فإن تلك معاريض وهى أيضا إنما صدرت عنه بعد هذه المقاولة الجارية بينه وبين قومه
الشعراء : ( 83 ) رب هب لي . . . . .
ثم لما فرغ الخليل من الثناء على ربه والاعتراف بنعمه عقبه بالدعاء ليقتدى به غيره فى ذلك فقال ) رب هب لي حكما ( والمراد بالحكم العلم والفهم وقيل النبوة والرسالة وقيل المعرفة بحدود الله وأحكامه إلى اخره ) وألحقني بالصالحين ( يعنى بالنبيين من قبلى وقيل بأهل الجنة
الشعراء : ( 84 ) واجعل لي لسان . . . . .
) واجعل لي لسان صدق في الآخرين ( أى اجعل لى ثناء حسنا فى الآخرين الذين يأتون بعدى إلي يوم القيامة قال القتيبى وضع اللسان موضع القول على الاستعارة لأن القول يكون به وقد تكنى العرب بها عن الكلمة ومنه قول الأعشى إنى أتتنى لسان لا أسر بها
وقد أعطى الله سبحانه إبراهيم ذلك بقوله ) وتركنا عليه في الآخرين ( فإن كل أمة تتمسك به وتعظمه وقال مكى قيل معنى سؤاله أن يكون من ذريته فى آخر الزمان من يقوم بالحق فأجيبت دعوته فى محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ولا وجه لهذا التخصيص وقال القشيرى أراد الدعاء الحسن إلى قيام الساعة ولا وجه لهذا أيضا فإن لسان الصدق أعم من ذلك
الشعراء : ( 85 ) واجعلني من ورثة . . . . .
) واجعلني من ورثة جنة النعيم ( من ورثة يحتمل أن يكون مفعولا ثانيا وأن يكون صفة لمحذوف هو المفعول الثانى أى وارثا من ورثة جنة النعيم لما طلب عليه


"""""" صفحة رقم 106 """"""
السلام بالدعوة الأولى سعادة الدنيا طلب بهذه الدعوة سعادة الآخرة وهى جنة النعيم وجعلها مما يورث تشبيها لغنيمة الآخرة بغنيمة الدنيا وقد تقدم تفسير معنى الوراثة فى سورة مريم
الشعراء : ( 86 ) واغفر لأبي إنه . . . . .
) واغفر لأبي إنه كان من الضالين ( كان أبوه قد وعده أنه يؤمن به فاستغفر له فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه وقد تقدم تفسير هذا مستوفى فى سورة التوبة وسورة مريم ومعنى ) من الضالين ( من المشركين الضالين عن طريق الهداية وكان زائدة على مذهب سيبويه كما تقدم فى غير موضع
الشعراء : ( 87 ) ولا تخزني يوم . . . . .
) ولا تخزني يوم يبعثون ( أى لاتفضحنى على رءوس الأشهاد بمعاتبتى أو لاتعذبنى يوم القيامة أو لاتخزنى بتعذيب أبى أو ببعثه فى جملة الضالين والإخزاء يطلق على الخزى وهو الهوان وعلى الخزاية وهى الحياء
الشعراء : ( 88 ) يوم لا ينفع . . . . .
) يوم لا ينفع مال ولا بنون ( بدل من يوم يبعثون أى يوم لاينفع فيه المال والبنون أحدا من الناس والابن هو أخص القرابة وأولاهم بالحماية والدفع والنفع فإذا لم ينفع فغيره من القرابة والأعوان بالأولى وقال ابن عطية إن هذا وما بعده من كلام الله وهو ضعيف
الشعراء : ( 89 ) إلا من أتى . . . . .
والاستثناء بقوله ) إلا من أتى الله بقلب سليم ( قيل هو منقطع أى لكن من أتى الله بقلب سليم قال فى الكشاف إلا حال من أتى الله بقلب سليم فقدر مضافا محذوفا قال أبو حيان ولا ضرورة تدعو إلى ذلك وقيل إن هذا الاستثناء بدل من المفعول المحذوف أو مستثنى منه إذ التقدير لاينفع مال ولابنون أحدا من الناس إلا من كانت هذه صفته ويحتمل أن يكون بدلا من فاعل ينفع فيكون مرفوعا قال أبو البقاء فيكون التقدير إلا مال من أو بنو من فإنه ينفع
واختلف فى معنى القلب السليم فقيل السليم من الشرك فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد قاله أكثر المفسرين وقال سعيد بن المسيب القلب السليم الصحيح وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض وقيل هو القلب الخالى عن البدعة المطمئن إلى السنة وقيل السالم من آفة المال والبنين وقال الضحاك السليم الخالص وقال الجنيد السليم فى اللغة اللديغ فمعناه أنه قلب كاللديغ من خوف الله تعالى وهذا تحريف وتعكيس لمعنى القران قال الرازى أصح الأقوال أن المراد منه سلامة النفس عن الجهل والأخلاق الرذيلة
الشعراء : ( 90 ) وأزلفت الجنة للمتقين
) وأزلفت الجنة للمتقين ( أى قربت وأدنيت لهم ليدخلوها وقال الزجاج قرب دخولهم إياها ونظرهم إليها
الشعراء : ( 91 ) وبرزت الجحيم للغاوين
) وبرزت الجحيم للغاوين ( أى جعلت بارزة لهم والمراد بالغاوين الكافرون والمعنى أنها أظهرت قبل أن يدخلها المؤمنون ليشتد حزن الكافرين ويكثر سرور المؤمنين
الشعراء : ( 92 - 93 ) وقيل لهم أين . . . . .
) وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله ( من الأصنام والأنداد ) هل ينصرونكم ( فيدفعون عنكم العذاب أو ينتصرون بدفعه عن أنفسهم وهذا كله توبيخ وتقريع لهم وقرأ مالك بن دينار وبرزت بفتح الباء والراء مبنيا للفاعل
الشعراء : ( 94 ) فكبكبوا فيها هم . . . . .
) فكبكبوا فيها هم والغاوون ( أى ألقوا فى جهنم هم يعنى المعبودين والغاومن يعنى العابدين لهم وقيل معنى كبكبوا قلبوا على رءوسهم وقيل ألقى بعضهم على بعض وقيل جمعوا مأخوذ من الكبكبة وهى الجماعة قاله الهروى وقال النحاس هو مشتق من كوكوب الشيءء أي معظمه والجماعة من الخيل كوكب وكبكبة وقيل دهدهوا وهذه المعانى متقاربة وأصله كببوا بباءين الأولى مشددة من حرفين فأبدل من الباء الوسطى الكاف وقد رجح الزجاج أن المعنى طرح بعضهم على بعض ورجح ابن قتيبة أن المعنى ألقوا على رءوسهم وقيل الضمير فى كبكبوا لقريش والغاوون الالهة
الشعراء : ( 95 ) وجنود إبليس أجمعون
والمراد بجنود إبليس شيا طينه الذين يغوون العباد وقيل ذريته وقيل كل من يدعو إلى عبادة الأصنام وأجمعون تأكيد للضمير فى كبكبوا وما عطف عليه
الشعراء : ( 96 ) قالوا وهم فيها . . . . .
وجملة ) قالوا وهم فيها يختصمون ( مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ماذا قالوا حين فعل بهم مافعل
الشعراء : ( 97 ) تالله إن كنا . . . . .
ومقول القول ) تالله إن كنا لفي ضلال مبين ( وجملة وهم فيها يختصمون فى محل نصب على الحال أى قالوا هذه المقالة حال كونهم فى جهنم مختصمين وإن فى إن


"""""" صفحة رقم 107 """"""
كنا هى المخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية أى قالوا تالله إن الشأن كوننا فى ضلال واضح ظاهر والمراد بالضلال هنا الخسار والتبار والحيرة عن الحق والعامل فى الظرف أعنى
الشعراء : ( 98 - 99 ) إذ نسويكم برب . . . . .
) إذ نسويكم برب العالمين ( هو كونهم فى الضلال المبين وقيل العامل هو الضلال وقيل مايدل عليه الكلام كأنه قيل ضللنا وقت تسويتنا لكم برب العالمين وقال الكوفيون إن إن فى إن كنا نافية واللام بمعنى إلا أى ما كنا ألا في ضلال مبين الأول أولى وهو مذهب البصريين
الشعراء : ( 100 ) فما لنا من . . . . .
فما لنا من شافعين يشفعون لنا من العذاب كما للمؤمنين
الشعراء : ( 101 ) ولا صديق حميم
(ولا صديق حميم) أى ذى قرابة والحميم القريب الذى توده ويودك ووحد الصديق لما تقدم غير مرة أنه يطلق على الواحد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث والحميم مأخوذ من حامة الرجل أى أقرابائه ويقال حم الشىء وأحم إذا قرب منه ومنه الحمى لأنه يقرب من الأجل وقال على بن عيسى إنما سمى القريب حميما لأنه يحمى لغضب صاحبه فجعله مأخوذ من الحمية
الشعراء : ( 102 ) فلو أن لنا . . . . .
) فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين ( هذا منهم علي طريق التمنى الدال على كمال التحسر كأنهم قالوا فليت لنا كرة أى رجعة إلى الدنيا وجواب التمنى فنكون من المؤمنين أى نصير من جملتهم
الشعراء : ( 103 ) إن في ذلك . . . . .
والإشارة بقوله ) إن في ذلك لآية ( إلى ماتقدم ذكره من نبأ إبراهيم والاية العبرة والعلامة والتنوين يدل على التعظيم والتفخيم ) وما كان أكثرهم مؤمنين ( أى أكثر هؤلاء الذين يتلو عليهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نبأ إبراهيم وهم قريش ومن دان بدينهم وقيل وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين وهو ضعيف لأنهم كلهم غير مؤمنين
الشعراء : ( 104 ) وإن ربك لهو . . . . .
) وإن ربك لهو العزيز الرحيم ( أى هو القاهر لأعدائه الرحيم بأوليائه أو الرحيم للأعداء بتأخير عقوبتهم وترك معاجلتهم
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس فى قوله ) وألحقني بالصالحين ( يعنى بأهل الحنة وأخرج ابن أبى حاتم عنه فى قوله ) واجعل لي لسان صدق في الآخرين ( قال اجتماع أهل الملل على إبراهيم وأخرج عنه أيضا ) واغفر لأبي ( قال امنن عليه بتوبة يستحق بها مغفرتك وأخرج البخارى وغيره من حديث أبى هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لاتعصنى فيقول أبوه فاليوم لا أعصينك فيقول إبراهيم رب إنك وعدتنى أن لاتخزينى يوم يبعثون فأى خزى أخزى من أبى الأبعد فيقول الله إنى حرمت الجنة على الكافرين ثم يقول يا إبراهيم ماتحت رجليك فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى فى النار والذيخ هو الذكر من الضباع فكأنه حول آزر إلى صورة ذيخ وقد أخرجه النسائى بأطول من هذا وأخرج ابن أبى حاتم وابن مردويه عن ابن عباس فى قوله ) إلا من أتى الله بقلب سليم ( قال شهادة أن لا إله إلا الله وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عنه فكبكبوا فيها قال جمعوا فيها ) هم والغاوون ( قال مشركو العرب والآلهة وأخرج ابن أبى حاتم عنه أيضا ) فلو أن لنا كرة ( قال رجعة إلى الدنيا ) فنكون من المؤمنين ( حتى تحل لنا الشفاعة كما حلت لهؤلاء


"""""" صفحة رقم 108 """"""
سورة الشعراء ( 105 135 )
الشعراء : ( 105 ) كذبت قوم نوح . . . . .
قوله ) كذبت قوم نوح المرسلين ( أنث الفعل لكونه مسندا إلى قوم وهو فى معنى الجماعة أو الأمة أو القبيلة وأوقع التكذيب على المرسلين وهم لم يكذبوا إلا الرسول المرسل إليهم لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل لأن كل رسول يأمر بتصديق غيره من الرسل وقيل كذبوا نوحا فى الرسالة وكذبوه فيما أخبرهم به من مجىء المرسلين بعده
الشعراء : ( 106 ) إذ قال لهم . . . . .
) إذ قال لهم أخوهم نوح ( أى أخوهم من أبيهم لا أخوهم فى الدين وقيل هى أخوة المجانسة وقيل هو من قول العرب يا أخا بنى تميم يريدون واحدا منهم ) ألا تتقون ( أى ألا تتقون الله بترك عبادة الأصنام وتجيبون رسوله الذي أرسله إليكم
الشعراء : ( 107 ) إني لكم رسول . . . . .
) إني لكم رسول أمين ( أى إنى لكم رسول من الله أمين فيما أبلغكم عنه وقيل أمين فيما بينكم فإنهم كانوا قد عرفوا أمانته وصدقه
الشعراء : ( 108 ) فاتقوا الله وأطيعون
) فاتقوا الله وأطيعون ( أى اجعلوا طاعة الله وقاية لكم من عذابه وأطيعون فيما آمركم به عن الله من الإيمان به وترك الشرك والقيام بفرائض الدين
الشعراء : ( 109 ) وما أسألكم عليه . . . . .
) وما أسألكم عليه من أجر ( أى ما أطلب منكم أجرا على تبليغ الرسالة ولا أطمع فى ذلك منكم إن أجرى الذي اطلبه وأريده إلا على رب العالمين أي على ما أجري إلا عليه
الشعراء : ( 110 ) فاتقوا الله وأطيعون
وكرر قوله ) فاتقوا الله وأطيعون ( للتأكيد والتقرير فى النفوس مع كونه علق كل واحد منهم بسبب وهو الأمانة فى الأول وقطع الطمع فى الثانى ونظيره قولك ألا تتقى الله فى عقوقى وقد ربيتك صغيرا ألا تتقى الله فى عقوقى وقد علمتك كبيرا وقدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته لأن تقوى الله علة لطاعته
الشعراء : ( 111 ) قالوا أنؤمن لك . . . . .
) قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ( الاستفهام للإنكار أى كيف نتبعك ونؤمن لك والحال أن قد أتبعك الأرذلون وهم جمع أرذل وجمع التكسير أرذل والأنثى رذلى وهم الأقلون جاها ومالا


"""""" صفحة رقم 109 """"""
والرذالة الخسة والذلة استرذلوهم لقلة أموالهم وجامعهم أو لاتضاع أنسابهم وقيل كانوا من أهل الصناعات الخسيسة وقد تقدم تفسير هذه الآيات فى هود وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمى وأتباعك الأرذلون قال النحاس وهى قراءة حسنة لأن هذه الواو تتبعها الأسماء كثيرا وأتباع جمع تابع
الشعراء : ( 112 ) قال وما علمي . . . . .
فأجابهم نوح بقوله ) وما علمي بما كانوا يعملون ( كان زائدة والمعنى وما علمى بعملهم أى لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان والاعتبار به لا بالحرف والصنائع والفقر والغنى وكأنهم أشاروا بقولهم ) واتبعك الأرذلون ( إلى أن إيمانهم لم يكن عن نظر صحيح فأجابهم بهذا وقيل المعنى إنى لم أعلم أن سيهديهم ويضلكم
الشعراء : ( 113 ) إن حسابهم إلا . . . . .
) إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ( أي ما حسابهم عن ضمائرهم وأعمالهم إلا على الله لو كنتم من أهل الشعور والفهم قرأ الجمهور تشعرون بالفوقية وقرأ ابن أبى عبلة وابن السميفع والأعرج وأبو زرعة بالتحتية كأنه ترك الخطاب للكفار والتفت إلى الإخبار عنهم قال الزجاج والصناعات لاتضر فى باب الديانات
الشعراء : ( 114 ) وما أنا بطارد . . . . .
وما أحسن ما قال ) وما أنا بطارد المؤمنين ( هذا جواب من نوح على ماظهر من كلامهم من طلب الطرد لهم
الشعراء : ( 115 ) إن أنا إلا . . . . .
) إن أنا إلا نذير مبين ( أى ما أنا إلا نذير موضح لما أمرنى الله سبحانه بإبلاغه إليكم وهذه الجملة كالعلة لما قبلها
الشعراء : ( 116 ) قالوا لئن لم . . . . .
) قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ( أى إن لم تترك عيب ديننا وسب آلهتنا لتكونن من المرجومين بالحجارة وقيل من المشتومين وقيل من المقتولين فعدلوا بعد تلك المحاورة وبينهم وبين نوح إلى التجبر والتوعد
الشعراء : ( 117 ) قال رب إن . . . . .
فلما سمع نوح قولهم هذا ) قال رب إن قومي كذبون ( أى أصروا على تكذيبى ولم يسمعوا قولى ولا أجابوا دعائى
الشعراء : ( 118 ) فافتح بيني وبينهم . . . . .
) فافتح بيني وبينهم فتحا ( الفتح الحكم أى احكم بينى وبينهم حكما وقد تقدم تحقيق معنى الفتح ) ونجني ومن معي من المؤمنين )
الشعراء : ( 119 ) فأنجيناه ومن معه . . . . .
فلما دعا ربه بهذا الدعاء استجاب له فقال ) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ( أى السفينة المملوءة والشحن ملء السفينة بالناس والدواب والمتاع
الشعراء : ( 120 ) ثم أغرقنا بعد . . . . .
) ثم أغرقنا بعد الباقين ( أى ثم أغرقنا بعد إنجائهم الباقين ومن قومه
الشعراء : ( 121 ) إن في ذلك . . . . .
) إن في ذلك لآية ( أى علامة وعبرة عظيمة وما كان أكثرهم مؤمنين وما كان زائدة عند سيبويه وغيره على ما تقدم تحقيقه
الشعراء : ( 122 ) وإن ربك لهو . . . . .
) وإن ربك لهو العزيز الرحيم ( أى القاهر لأعدائه الرحيم بأوليائه
الشعراء : ( 123 ) كذبت عاد المرسلين
) كذبت عاد المرسلين ( أنت الفعل باعتبار إسناده إلى القبيلة لأن عادا اسم أبيهم الأعلى ومعنى تكذيبهم المرسلين مع كونهم لم يكذبوا إلا رسولا واحدا قد تقدم وجهه فى قصة نوح قريبا
الشعراء : ( 124 ) إذ قال لهم . . . . .
) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون ( الكلام فيه كالكلام فى قول نوح المتقدم قريبا
الشعراء : ( 125 - 127 ) إني لكم رسول . . . . .
وكذا قوله ) إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ( الكلام فيه كالذى قبله سواء
الشعراء : ( 128 ) أتبنون بكل ريع . . . . .
) أتبنون بكل ريع آية تعبثون ( الريع المكان المرتفع من الأرض جمع ريعة يقال كم ريعك أرضك أى كم ارتفاعها قال أبو عبيدة الريع الارتفاع جمع ريعة وقال قتادة والضحاك والكلبى الريع الطريق وبه قال مقاتل والسدى وإطلاق الريع على ما ارتفع من الأرض معروف عند أهل اللغة ومنه قول ذى الرمة طراق الخوافى مشرف فوق ريعة
بذى ليلة فى ريشه يترقرق
وقيل الريع الجبل واحده ريعة والجمع أرياع وقال مجاهد هو الفج بين الجبلين وروى عنه أن الثنية الصغيرة وروى عنه أيضا أنه المنظرة ومعنى الآية أنكم تبنون بكل مكان مرتفع علما تعبثون ببنيان تلعبون بالمارة وتسخرون منهم لأنكم تشرفون من ذلك البناء المرتفع على الطريق فتؤذون المارة وتسخرون منهم قال الكلبى إنه عبث العشارين بأموال من يمر بهم حكاه الماوردى قال ابن الأعرابى الريع الصومعة ريع البرج يكون فى الصحراء والريع التل العالى وفى الريع لغتان كسر الراء وفتحها
الشعراء : ( 129 ) وتتخذون مصانع لعلكم . . . . .
(وتتخذون مصانع)


"""""" صفحة رقم 110 """"""
المصانع هى الأبنية التى يتخذها الناس منازل قال أبو عبيدة كل بناء مصنعة ومنه وبه قال الكلبى وغيره ومنه قول الشاعر نركن ديارهم منهم قفارا
وهد من المصانع والبروجا
وقيل هى الحصون المشيدة قاله مجاهد وغيره وقال الزجاج إنها مصانع الماء التى تجعل تحت الأرض واحدتها مصنعة ومصنع ومنه قول لبيد بلينا وما تبلى النجوم الطوالع
وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
وليس فى هذا البيت مايدل صريحا على ماقاله الزجاج ولكنه قال الجوهرى المصنعة بضم النون الحوض بجمع فيه ماء المطر والمصانع الحصون وقال عبد الرزاق المصانع عندنا بلغة اليمن القصور العالية ومعنى ) لعلكم تخلدون ( راجين أن تخلدوا وقيل إن لعل هنا للاستفهام التوبيخى أى هل تخلدون كقولهم لعلك تشتمنى أى هل تشتمنى وقال الفراء كى تخلدون لاتتفكرون فى الموت وقيل المعنى كأنكم مخلدون وقرأ ابن مسعود كى تخلدوا
الشعراء : ( 129 ) وتتخذون مصانع لعلكم . . . . .
(وإذا بطشتم بطشتم جبارين ) البطش السطوة والأخذ بالعنف قال مجاهد وغيره البطش العسف قتلا بالسيف وضربا بالسوط والمعنى فعلتم ذلك ظلما وقيل هو القتل على العصب قاله الحسن والكلبى قيل والتقدير وإذا أردتم البطش لئلا يتحد الشرط والجزاء وانتصاب جبارين على الحال قال الزجاج إنما أنكر عليهم ذلك لأنه ظلم وأما فى الحق فالبطش بالسوط والسيف جائز
الشعراء : ( 131 ) فاتقوا الله وأطيعون
ثم لما وصفهم بهذه الأوصاف القبيحة الدالة علي الظلم والعتو والتمرد والتجبر أمرهم بالتقوى فقال ) فاتقوا الله وأطيعون ( أجمل التقوى
الشعراء : ( 132 - 133 ) واتقوا الذي أمدكم . . . . .
ثم فصلها بقوله ) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين ( وأعاد الفعل للتقرير والتأكيد
الشعراء : ( 134 ) وجنات وعيون
) وجنات وعيون ( أى بساتين وأنهار وأبيار
الشعراء : ( 135 ) إني أخاف عليكم . . . . .
ثم وعظهم وحذرهم فقال ) إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ( إن كفرتم وأصررتم على ما أنتم فيه ولم تشكروا هذه النعم والمراد بالعذاب العظيم الدنيوى والأخروى
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس ) قالوا أنؤمن لك ( أى أنصدقك وأخرج ابن أبى حاتم عن مجاهد ) واتبعك الأرذلون ( قال الحواكون وأخرج أيضا عن قتادة قال سفلة الناس وأراذلهم وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس ) الفلك المشحون ( قال الممتلئ وأخرج ابن أبى شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عنه أنه قال أتدرون ما المشحون قلنا لا قال هو الموقر وأخرج ابن جريرعنه أيضا قال هو المثقل وأخرج ابن جرير عنه أيضا ) بكل ريع ( قال شرف وأخرجوا أيضا عنه ) لعلكم تخلدون ( قال كأنكم تخلدون وأخرج ابن أبى حاتم عنه أيضا ) جبارين ( قال أقوياء


"""""" صفحة رقم 111 """"""
سورة الشعراء ( 136 159 )
الشعراء : ( 136 ) قالوا سواء علينا . . . . .
أى وعظك وعدمه سواء عندنا لانبالى بشىء منه ولا نلتفت إلى ما تقوله وقد روى العباس عن أبى عمرو وروى بشر عن الكسائي أوعظت بإدغام الظاء فى التاء وهو بعيد لأن حرف الظاء حرف إطباق إنما يدغم فيما قرب منه جدا وروى ذلك عن عاصم والأعمش وابن محيصن وقرأ الباقون بإظهار الظاء
الشعراء : ( 137 ) إن هذا إلا . . . . .
) إن هذا إلا خلق الأولين ( أى ما هذا الذى جئتنا به ودعوتنا إليه من الدين إلا خلق الأولين أى عادتهم التى كانوا عليها وقيل المعنى ما هذا الذى نحن عليه إلا خلق الأولين وعادتهم وهذا بناء على ماقاله الفراء وغيره إن معنى خلق الأولين عادة الأولين قال النحاس خلق الأولين عند الفراء بمعنى عادة الأولين وحكى لنا محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد قال ) خلق الأولين ( مذهبهم وما جرى عليه أمرهم والقولان متقاربان قال وحكى لنا محمد بن يزيد أن معنى ) خلق الأولين ( تكذيبهم قال مقاتل قالوا ما هذا الذى تدعونا إليه إلا كذب الأولين قال الواحدى وهو قول ابن مسعود ومجاهد قال والخلق والاختلاق الكذب ومنه قوله وتخلقون إفكا قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى ويعقوب خلق الأولين بفتح الخاء وسكون اللام وقرأ الباقون بضم الخاء واللام قال الهروى معناه على القراءة الأولى اختلاقهم وكذبهم وعلى القراءة الثانية عادتهم وهذا التفصيل لابد منه قال ابن الأعرابى الخلق الدين والخلق الطبع والخلق المروءة وقرأ أبو قلابة بضم الخاء وسكون اللام وهي تخفيف لقراءة الضم لهما والظاهر أن المراد بالآية هو قول من قال ما هذا الذى نحن عليه إلا عادة الأولين وفعلهم ويؤيده
الشعراء : ( 138 ) وما نحن بمعذبين
قولهم ) وما نحن بمعذبين ( أى على مانفعل من البطش ونحوه مما نحن عليه الان
الشعراء : ( 139 ) فكذبوه فأهلكناهم إن . . . . .
) فكذبوه فأهلكناهم ( أى بالريح كما صرح القرآن فى غير هذا الموضع بذلك ) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم ( تقدم تفسير هذا قريبا فى هذه السورة
الشعراء : ( 141 - 145 ) كذبت ثمود المرسلين
ثم لما فرغ سبحانه من ذكر قصة هود وقومه ذكر قصة صالح وقومه وكانوا يسكنون الحجر فقال ) كذبت ثمود ( إلى قوله ) إلا على رب العالمين ( قد تقدم تفسيره فى قصة هود المذكورة قبل هذه القصة
الشعراء : ( 146 ) أتتركون في ما . . . . .
) أتتركون في ما ها هنا آمنين ( الاستفهام للإنكار أى أتتركون


"""""" صفحة رقم 112 """"""
فى هذه النعم التى أعطاكم الله آمنين من الموت والعذاب باقين فى الدنيا
الشعراء : ( 147 - 148 ) في جنات وعيون
ولما أبهم النعم فى هذا فسرها بقوله ) في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم ( والهضيم النضيج الرخص اللين اللطيف والطلع مايطلع من الثمر وذكر النخل مع دخوله تحت الجنات لفضله على سائر الأشجار وكثيرا مايذكرون الشىء الواحد بلفظ يعمه وغيره كما يذكرون النعم ولايقصدون إلا الإبل وهكذا يذكرون الجنة ولايريدون إلا النخل قال زهير كأن عينى فى غربى مقبلة
من النواضح تسقى جنة سحقا
وسحقا جمع سحوق ولايوصف به إلا النخل وقيل المراد بالجنات غير النخل من الشجر والأول أولى وحكى الماوردى فى معنى هضيم اثنى عشر قولا أحسنها وأوفقها للغة ماذكرناه
الشعراء : ( 149 ) وتنحتون من الجبال . . . . .
) وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ( النحت النجر والبرى نحته ينحته بالكسر براه والنحاتة البراية وكانوا ينحتون بيوتهم من الجبال لما طالت أعمارهم وتهدم بناؤهم من المدر قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن ذكوان فرهين بغير ألف وقرأ الباقون فارهين بالألف قال أبو عبيدة وغيره وهما بمعني واحد والفره النشاط وفرق بينهما أبو عبيد وغيره فقالوا فارهين حاذقين بنحتها وقيل متجبرين وفرهين بطرين أشرين وبه قال مجاهد وغيره وقيل شرهين وقال الضحاك كيسين وقال قتادة معجبين ناعمين آمنين وبه قال الحسن وقيل فرحين قاله الأخفش وقال ابن زيد أقوياء
الشعراء : ( 150 - 151 ) فاتقوا الله وأطيعون
) فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين ( أى المشركين وقيل الذين عقروا الناقة
الشعراء : ( 152 ) الذين يفسدون في . . . . .
ثم وصف هؤلاء المسرفين بقوله ) الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ( أى ذلك دأبهم يفعلون الفساد فى الأرض ولايصدر منهم الصلاح ألبتة
الشعراء : ( 153 ) قالوا إنما أنت . . . . .
) قالوا إنما أنت من المسحرين ( أى الذين أصيبوا بالسحر قاله مجاهد وقتادة وقيل المسحر هو المعلل بالطعام والشراب قال الكلبى وغيره فيكون المسحر الذى له سحر وهو الرئة فكأنهم قالوا إنما أنت بشر مثلنا تأكل وتشرب قال الفراء أى إنك تأكل الطعام والشراب وتسحر به ومنه قول امرئ القيس أو لبيد فإن تسألينا فيم نحن فإننا
عصافير من هذا الأنام المسحر
وقال امرؤ القيس أيضا أرانا موضعين لحتم غيب
ونسحر بالطعام وبالشراب
قال المؤرج المسحر المخلوق بلغة ربيعة
الشعراء : ( 154 ) ما أنت إلا . . . . .
) ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين ( فى قولك ودعواك
الشعراء : ( 155 ) قال هذه ناقة . . . . .
) قال هذه ناقة ( الله ) لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ( أى لها نصيب من الماء ولكم نصيب منه معلوم ليس لكم أن تشربوا فى اليوم الذى هو نصيبها ولا هى تشرب فى اليوم الذى هو نصيبكم قال الفراء الشرب الحظ من الماء قال النحاس فأما المصدر فيقال فيه شرب شربا وشربا وأكثرها المضموم والشرب بفتح الشين جمع شارب والمراد هنا الشرب بالكسر وبه قرأ الجمهور فيهما وقرأ ابن أبى عبلة بالضم فيهما
الشعراء : ( 156 ) ولا تمسوها بسوء . . . . .
) ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم ( أى لاتمسوها بعقر أو ضرب أو شىء مما يسوؤها وجواب النهى فيأخذكم
الشعراء : ( 157 ) فعقروها فأصبحوا نادمين
) فعقروها فأصبحوا نادمين ( على عقرها لما عرفواأن العذاب نازل بهم وذلك أنه أنظرهم ثلاثا فظهرت عليهم العلامة فى كل يوم وندموا حيث لاينفع الندم لأن ذلك لايجدى عند معاينة العذاب وظهور آثاره
الشعراء : ( 158 ) فأخذهم العذاب إن . . . . .
) فأخذهم العذاب ( الذى وعدهم به وقد تقدم تفسير قوله ) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ( وإن ربك لهو العزيز الرحيم فى هذه السورة وتقدم أيضا تفسير قصة صالح وقومه في غير هذه السورة


"""""" صفحة رقم 113 """"""
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس ) ونخل طلعها هضيم ( قال معشب وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عنه قال أينع وبلغ وأخرج ابن أبى حاتم عنه أيضا قال أرطب واسترخى وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عنه أيضا فى قوله ) فارهين ( قال حاذقين وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عنه قال ) فارهين ( أشرين وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال شرهين وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عباس فى قوله ) إنما أنت من المسحرين ( قال من المخلوقين وأنشد قول لبيد بن ربيعة فإن تسألينا فيم نحن البيت
وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا فى قوله ) لها شرب ( قال إذا كان يومها أصدر لها لبنا ماشاءوا
الشعراء ( 160 188 )


"""""" صفحة رقم 114 """"""
سورة الشعراء ( 160 191 )
الشعراء : ( 160 - 164 ) كذبت قوم لوط . . . . .
ذكر سبحانه القصة السادسة من قصص الأنبياء مع قومهم وهى قصة لوط وقد تقدم تفسير قوله ) إذ قال لهم ( إلى قوله ) إلا على رب العالمين ( فى هذه السورة وتقدم أيضا تفسير قصة لوط مستوفى فى الأعراف
الشعراء : ( 165 ) أتأتون الذكران من . . . . .
قوله ) أتأتون الذكران من العالمين ( الذكران جمع الذكر ضد الأثنى ومعنى تأتون تنكحون الذكران من العالمين وهم بنو آدم أو كل حيوان وقد كانوا يفعلون ذلك بالغرباء على ماتقدم فى الأعراف
الشعراء : ( 166 ) وتذرون ما خلق . . . . .
) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم ( أى وتتركون ما خلقه الله لأجل استمتاعكم به من النساء وأراد بالأزواج جنس الإناث ) بل أنتم قوم عادون ( أى مجاوزون للحد فى جميع المعاصى ومن جملتها هذه المعصية التى ترتكبونها من الذكران
الشعراء : ( 167 ) قالوا لئن لم . . . . .
) قالوا لئن لم تنته يا لوط ( عن الإنكار علينا وتقبيح أمرنا ) لتكونن من المخرجين ( من بلدنا البغضين عنها
الشعراء : ( 168 ) قال إني لعملكم . . . . .
) قال إني لعملكم ( وهو ما أنتم فيه من إتيان الذكران ) من القالين ( المبغض له والقلى البغض قليته أقليه قلا وقلاء ومنه قول الشاعر فلست بمقلى الخلال ولا قالى
وقال الآخر
ومالك عندى إن نأيت قلاء
الشعراء : ( 169 ) رب نجني وأهلي . . . . .
ثم رغب عليه الصلاة والسلام عن محاورتهم وطلب من الله عز وجل أن ينجيه فقال ) رب نجني وأهلي مما يعملون ( أى من عملهم الخبيث أو من عقوبته التى ستصيبهم
الشعراء : ( 170 ) فنجيناه وأهله أجمعين
فأجاب الله سبحانه دعاءه وقال ) فنجيناه وأهله أجمعين ( أى أهل بيته ومن تابعه على دينه وأجاب دعوته
الشعراء : ( 171 ) إلا عجوزا في . . . . .
) إلا عجوزا في الغابرين ( هي امرأة لوط ومعنى من الغابرين من الباقين فى العذاب وقال أبو عبيدة من الباقين فى الهرم أى بقيت حتى هرمت قال النحاس يقال للذاهب غابر وللباقى غابر قال الشاعر
لاتكسع الشول بأغبارها
إنك لاتدرى من الناتج
والأغبار بقية الألبان وتقول العرب مامضى وما غبر أى مامضى وما بقى
الشعراء : ( 172 ) ثم دمرنا الآخرين
) ثم دمرنا الآخرين ( أى أهلكناهم بالخسف والحصب
الشعراء : ( 173 ) وأمطرنا عليهم مطرا . . . . .
) وأمطرنا عليهم مطرا ( يعنى الحجارة ) فساء مطر المنذرين ( المخصوص بالذم محذوف والتقدير مطرهم
الشعراء : ( 174 - 175 ) إن في ذلك . . . . .
وقد تقدم تفسير ) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم ( فى هذه السورة
الشعراء : ( 176 ) كذب أصحاب الأيكة . . . . .
) كذب أصحاب الأيكة المرسلين ( قرأ نافع وابن كثير وابن عامر ليكة بلام واحدة وفتح التاء جعلوه اسما غير معرف بأل مضافا إليه أصحاب وقرأ الباقون الأيكة معرفا والأيكة الشجر الملتف وهى الغيضة وليكة اسم للقرية وقيل هما بمعنى واحد اسم للغيضة قال القرطبى فأما ما حكاه أبو عبيد من أن ليكة اسم القرية التى كانوا فيها وأن الأيكة اسم البلد كله فشىء لايثبت ولايعرف من قاله ولو عرف لكان فيه نظر لأن أهل العلم جميعا على خلافه قال أبو على الفارسى الأيكة تعريف أيكة فإذا حذفت الهمزة تخفيفا ألقيت حركتها على اللام قال الخليل الأيكة غيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر
الشعراء : ( 177 ) إذ قال لهم . . . . .
) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون ( لم يقل أخوهم كما قال فى الأنبياء قبله لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب فلما ذكر مدين قال أخاهم شعيبا لأنه كان منهم وقد مضى تحقيق نسبه فى الأعراف
الشعراء : ( 178 - 180 ) إني لكم رسول . . . . .
وقد تقدم تفسير قوله ) إني لكم رسول أمين ( إلي قوله تعالى ) إلا على رب العالمين ( فى هذه السورة
الشعراء : ( 181 ) أوفوا الكيل ولا . . . . .
قوله ) أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين ( أى أتموا الكيل لمن أراده وعامل به ولاتكونوا من المخسرين الناقضين للكيل والوزن يقال أخسرت الكيل والوزن


"""""" صفحة رقم 115 """"""
أى نقصته ومنه قوله تعالى ) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون )
الشعراء : ( 182 ) وزنوا بالقسطاس المستقيم
ثم زاد سبحانه فى البيان فقال ) وزنوا بالقسطاس المستقيم ( أى أعطوا الحق بالميزان السوى وقد مر بيان تفسير هذا فى سورة سبحان وقد قرئ بالقسطاس مضموما ومكسورا
الشعراء : ( 183 ) ولا تبخسوا الناس . . . . .
) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ( البخس النقص يقال بخسه حقه إذا نقصه أى لاتنقصوا الناس حقوقهم التى لهم وهذا تعميم بعد التخصيص وقد تقدم تفسيره فى سورة هود وتقدم أيضا تفسير ) ولا تعثوا في الأرض مفسدين ( فيها وفى غيرها
الشعراء : ( 184 ) واتقوا الذي خلقكم . . . . .
) واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين ( قرأ الجمهور بكسر الجيم والباء وتشديد اللام وقرأ أبو حصين والأعمش والحسن والأعرج وشيبة بضمهما وتشديد اللام وقرأ السلمى بفتح الجيم مع سكون الباء والجبلة الخليقة قاله مجاهد وغيره يعنى الأمم المتقدمة يقال جبل فلان على كذا أى خلق قال النحاس الخلق يقال له جبلة بكسر الحرفين الأولين وبضمهما مع تشديد اللام فيهما وبضم الجيم وسكون الباء وضمه فتحها قال الهروى الجبلة والجبلة والجبل والجبل لغات وهو الجمع ذو العدد الكثير من الناس ومنه قوله تعالى جبلا كثيرا أى خلقا كثيرا ومن ذلك قول الشاعر والموت أعظم حادث
فيما يمر على الجبلة
الشعراء : ( 185 - 186 ) قالوا إنما أنت . . . . .
) قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا ( قد تقدم تفسيره مستوفى فى هذه السورة ) وإن نظنك لمن الكاذبين ( إن هى المخففة من الثقيلة عملت فى ضمير شأن مقدر واللام هى الفارقة أى فيما تدعيه علينا من الرسالة وقيل هى النافية واللام بمعنى إلا أى مانظنك إلا من الكاذبين والأول أولى
الشعراء : ( 187 ) فأسقط علينا كسفا . . . . .
) فأسقط علينا كسفا من السماء ( كان شعيب يتوعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا فقالوا له هذا القول نعتا واستبعادا وتعجيزا والكسف القطعة قال أبو عبيدة الكسف جمع كسفة مثل سدر وسدرة قال الجوهرى الكسفة القطعة من الشىء يقال أعطنى كسفة من ثوبك والجمع كسف وقد مضى تحقيق هذا فى سورة سبحان ) إن كنت من الصادقين ( فى دعواك
الشعراء : ( 188 ) قال ربي أعلم . . . . .
) قال ربي أعلم بما تعملون ( من الشرك والمعاصى فهو مجازيكم علي ذلك إن شاء وفى هذا تهديد شديد
الشعراء : ( 189 ) فكذبوه فأخذهم عذاب . . . . .
) فكذبوه ( فاستمروا على تكذيبه وأصروا علي ذلك ) فأخذهم عذاب يوم الظلة ( والظلة السحاب أقامها الله فوق رءوسهم فأمطرت عليهم نارا فهلكوا وقد أصابهم الله بما اقترحوا لأنهم إن أرادوا بالكسف القطعة من السحاب فظاهر وإن أرادوا بها القطعة من السماء فقد نزل عليهم العذاب من جهتها وأضاف العذاب إلى يوم الظلة لا إلى الظلة تنبيها علي أن لهم فى ذلك اليوم عذابا غير عذاب الظلة كذا قيل ثم وصف سبحانه هذا العذاب الذى أصابهم بقوله ) إنه كان عذاب يوم عظيم ( لما فيه من الشدة عليهم التى لايقادر قدرها وقد تقدم تفسير قوله
الشعراء : ( 190 - 191 ) إن في ذلك . . . . .
) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم ( فى هذه السورة مستوفى فلا نعيده وفي هذا التكرير لهذه الكلمات فى آخر هذه القصص من التهديد والزجر والتقرير والتأكيد مالا يخفى علي من يفهم مواقع الكلام ويعرف أساليبه
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن مجاهد فى قوله ) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم ( قال تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء وأخرج عبد ابن حميد وابن المنذر عن عكرمة نحوه وأخرجا أيضا عن قتادة ) إلا عجوزا في الغابرين ( قال هى امرأة لوط غبرت فى عذاب الله وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ليكة قال هى الأيكة وأخرج اسحاق بن بشر وابن عساكر وابن عباس فى قوله ) كذب أصحاب الأيكة المرسلين ( قال كانوا أصحاب غيضة من ساحل البحر إلى


"""""" صفحة رقم 116 """"""
مدين ) إذ قال لهم شعيب ( ولم يقل أخوهم شعيب لأنه لم يكن من جنسهم ) ألا تتقون ( كيف لاتتقون وقد علمتم أنى رسول أمين لاتعتبرون من هلاك مدين وقد أهلكوا فيما يأتون وكان أصحاب الأيكة مع ما كانوا فيه من الشرك استنوا بسنة أصحاب مدين فقال لهم شعيب ) إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم ( علي ما أدعوكم إليه ) من أجر ( فى العاجل من أموالكم ) إن أجري إلا على رب العالمين ( ) واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين ( يعنى القرون الأولين الذي أهلكوا بالمعاصى ولاتهلكوا مثلهم ) قالوا إنما أنت من المسحرين ( يعنى من المخلوقين ) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فأسقط علينا كسفا من السماء ( يعنى قطعا من السماء ) فأخذهم عذاب يوم الظلة ( أرسل الله إليهم سموما من جهنم فأطاف بهم سبعة أيام حتى أنضجهم الحر فحميت بيوتهم وغلت مياههم فى الآبار والعيون فخرجوا من منازلهم ومحلتهم هاربين والسموم معهم فسلط الله عليهم الشمس من فوق رءوسهم فغشيتهم حتى تقلقت فيها جماجمهم وسلط الله عليهم الرمضاء من تحت أرجلهم حتى تساقطت لحوم أرجلهم ثم نشأت لهم ظلة كالسحابة السوداء فلما رأوها ابتدروها يستغيثون بظلها حتى إذا كانوا جميعا أطبقت عليهم فهلكوا ونجى الله شعيبا والذين آمنوا معه وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عنه قال ) والجبلة الأولين ( الخلق الأولين وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والحاكم عنه أيضا أنه سئل عن قوله ) فأخذهم عذاب يوم الظلة ( قال بعث الله عليهم حرا شديدا فأخذ بأنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت فدخل عليهم أجوافها فأخذ بأنفسهم فخرجوا من البيوت هربا إلى البرية فبعث الله عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس فوجدوا لها بردا ولذة فنادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحتها أسقط الله عليهم نارا فذلك عذاب يوم الظلة وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم والحاكم عنه أيضا قال من حدثك من العلماء عذاب يوم الظلة فكذبه أقول فما نقوله له رضى الله عنه فيما حدثنا به من ذلك مما نقلناه عنه هاهنا ويمكن أن يقال إنه لما كان هو البحر الذى علمه الله تأويل كتابه بدعوة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) كان مختصا بمعرفة هذا الحديث دون غيره من أهل العلم فمن حدث بحديث عذاب الظلة على وجه غير هذا الوجه الذى حدثنا به فقد وصانا بتكذيبه لأنه قد علمه ولم يعلمه غيره
الشعراء ( 192 207 )


"""""" صفحة رقم 117 """"""
سورة الشعراء ( 192 227 )
الشعراء : ( 192 ) وإنه لتنزيل رب . . . . .
قوله ) وإنه لتنزيل رب العالمين ( الضمير يرجع إلى مانزله عليه من الأخبار أى وإن هذه الأخبار أو وإن القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به قيل وهو على تقدير مضاف محذوف أى ذو تنزيل وأما إذا كان تنزيل بمعنى منزل فلا حاجة إلى تقدير مضاف
الشعراء : ( 193 ) نزل به الروح . . . . .
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم ) نزل ( مخففا وقرأه الباقون مشددا و ) الروح الأمين ( على القراءة الثانية منصوب على أنه مفعول به وقد اختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد والروح الأمين جبريل كما فى قوله ) قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك )
الشعراء : ( 194 ) على قلبك لتكون . . . . .
ومعنى ) على قلبك ( أنه تلاه على قلبه ووجه تخصيص القلب لأنه أول مدرك من الحواس الباطنة قال أبو حيان إن على قلبك ولتكون متعلقان بنزل وقيل يجوز أن يتعلقا بتنزيل والأول أولى وقريء نزل مشدد مبنيا للمفعول والفاعل هو الله تعالى ويكون الروح على هذه القراءة مرفوعا علي النيابة ) لتكون من المنذرين ( علة للإنزال أى أنزله لتنذرهم بما تضمنه من التحذيرات والإنذارات والعقوبات
الشعراء : ( 195 ) بلسان عربي مبين
) بلسان عربي مبين ( متعلق بالمنذرين أى لتكون من المنذرين بهذا اللسان وجوز أبو البقاء أن يكون بدلا من به وقيل متعلق بنزل وإنما أخر للاعتناء بذكر الإنذار وإنما جعل الله سبحانه القرآن عربيا بلسان الرسول العربى لئلا يقول مشركوا العرب لسنا نفهم ماتقوله بغير لساننا فقطع بذلك حجتهم وأزاح علتهم ودفع معذرتهم
الشعراء : ( 196 ) وإنه لفي زبر . . . . .
) وإنه لفي زبر الأولين ( أى إن هذا القرآن باعتبار احكامه التى أجمعت عليها الشرائع فى كتب الأولين من الأنبياء والزبر الكتب الواحد زبور وقد تقدم الكلام على تفسير مثل هذا وقيل الضمير لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل المراد بكون القرآن فى زبر الأولين أنه مذكور فيها هو نفسه لا ما اشتمل عليه من الأحكام والأول أولى
الشعراء : ( 197 ) أو لم يكن . . . . .
) أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ( الهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر كما تقدم مرارا والآية العلامة والدلالة أى ألم


"""""" صفحة رقم 118 """"""
يكن لهؤلاء علامة دالة على أن القرآن حق وأنه تنزيل رب العالمين وأنه فى زبر الأولين أن يعلمه علماء بنى إسرائيل على العموم أو من آمن منهم كعبد الله بن سلام وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين لأنهم كانوا يرجعون إليهم ويصدقونهم قرأ ابن عامر تكن بالفوقية وآية بالرفع على أنها اسم كان وخبرها أن يعلمه الخ ويجوز أن تكون تامة وقرأ الباقون يكن بالتحتية وآية بالنصب على أنها خبر يكن واسمها أن يعلمه لحخ قال الزجاج أن يعلمه اسم يكن وآية خبره والمعنى أو لم يكن لهم علم علماء بنى إسرائيل أن محمدا نبى حق علامة ودلالة على نبوته لأن العلماء الذين آمنوا من بنى إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذكره فى كتبهم وكذا قال الفراء ووجها قراءة الرفع بما ذكرنا وفى قراءة ابن عامر نظر لأن جعل النكرة اسما والمعرفة خبرا غير سائغ وإن ورد شاذا فى مثل قول الشاعر فلا يك موقف منك الوداعا
وقول الآخر
وكان مزاجها عسل وماء
ولا وجه لما قيل إن النكرة قد تخصصت بقولهم لهم لأنه فى محل نصب على الحال والحال صفة فى المعنى فأحسن مايقال فى التوجيه ما قدمنا ذكره من أن يكن تامة
الشعراء : ( 198 ) ولو نزلناه على . . . . .
) ولو نزلناه على بعض الأعجمين ( أى لو نزلنا القرآن علي الصفة التي هو عليها على رجل من الأعجمين الذى لايقدرون علي التكلم بالعربية
الشعراء : ( 199 ) فقرأه عليهم ما . . . . .
) فقرأه عليهم ( قراءة صحيحة ) ما كانوا به مؤمنين ( مع انضمام إعجاز القراءة من الرجل الأعجمى للكلام العربى إلى إعجاز القران وقيل المعنى ولو نزلناه على بعض الأعجمين بلغة العجم فقرأه عليهم بلغته لم يؤمنوا به وقالوا مانفقه هذا ولا نفهمه ومثل هذا قوله ) ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته ( يقال رجل أعجم وأعجمى إذا كان غير فصيح اللسان وإن كان عربيا ورجل عجمى إذا كان أصله من العجم وإن كان فصيحا إلا أن الفراء أجاز أن يقال رجل عجمى بمعنى أعجمى وقرأ الحسن على بعض الأعجمين وكذلك قرأ الجحدرى قال أبو الفتح بن جنى أصل الأعجمين الأعجميين ثم حذفت ياء النسب وجعل جمعه بالياء والنون دليلا عليها
الشعراء : ( 200 ) كذلك سلكناه في . . . . .
) كذلك سلكناه في قلوب المجرمين ( أى مثل ذلك السلك سلكناه أى أدخلناه فى قلوبهم يعنى القرآن حتى فهموا معانيه وعرفوا فصاحته وأنه معجز وقال الحسن وغيره سلكنا الشرك والتكذيب فى قلوب المجرمين وقال عكرمة سلكنا القسوة والأول أولى لأن السياق فى القرآن
الشعراء : ( 201 ) لا يؤمنون به . . . . .
وجملة ) لا يؤمنون ( تحتمل وجهين الأول الاستئناف على جهة البيان والإيضاح لما قبلها والثانى أنها فى محل نصب علي الحال من الضمير فى سلكناه ويجوز أن يكون حالا من المجرمين وأجاز الفراء الجزم فى لايؤمنون لأن فيه معنى الشرط والمجازاة وزعم أن من شأن العرب إذا وضعت لا موضع كيلا مثل هذا ربما جزمت ما بعدها وربما رفعت فتقول ربطت الفرس لاينفلت بالرفع والجزم لأن معناه إن لم أربطه ينفلت وأنشد لبعض بنى عقل
وحتى رأينا أحسن الفعل بيننا
مساكنه لايقرب الشر قارب
بالرفع ومن الجزم قول الآخر
لطال ما حللتماها لاترد
فخلياها والسخال تبترد
قال النحاس وهذا كله فى لايؤمنون خطأ عند البصريين ولايجوزالجزم بلا جازم ) حتى يروا العذاب الأليم ( أى لا يؤمنون إلى هذه الغاية وهى مشاهدتهم للعذاب الأليم
الشعراء : ( 202 ) فيأتيهم بغتة وهم . . . . .
) فيأتيهم ( العذاب ) بغتة ( أى فجأة و الحال ) وهم لا يشعرون ( بإتيانه وقرأ الحسن فتأتيهم بالفوقية أى الساعة وإن لم يتقدم لها ذكر لكنه قد دل العذاب


"""""" صفحة رقم 119 """"""
عليها
الشعراء : ( 203 ) فيقولوا هل نحن . . . . .
) فيقولوا هل نحن منظرون ( أى مؤخرون وممهلون قالوا هذا تحسرا على مافات من الإيمان وتمنيا للرجعة إلى الدنيا لاستدراك مافرط منهم وقيل إن المراد بقولهم ) هل نحن منظرون ( الاستعجال للعذاب علي طريقة الاستهزاء
الشعراء : ( 204 ) أفبعذابنا يستعجلون
لقوله ) أفبعذابنا يستعجلون ( ولايخفى مافى هذا من البعد والمخالفة للمعنى الظاهر فإن معنى ) هل نحن منظرون ( طلب النظرة والإمهال وأما قوله ) أفبعذابنا يستعجلون ( فالمراد به الرد عليهم والإنكار لما وقع منهم من قولهم أمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم وقولهم فأتنا بما تعدنا
الشعراء : ( 205 ) أفرأيت إن متعناهم . . . . .
) أفرأيت إن متعناهم سنين ( الاستفهام للإنكار والفاء للعطف علي مقدر يناسب المقام كما مر فى غير موضع ومعنى أرأيت أخبرنى والخطاب لكل من يصلح له أى أخبرنى إن متعناهم سنين فى الدنيا متطاولة وطولنا لهم الأعمار
الشعراء : ( 206 ) ثم جاءهم ما . . . . .
) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ( من العذاب والهلاك
الشعراء : ( 207 ) ما أغنى عنهم . . . . .
) ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ( ماهى الاستفهامية والمعنى أى شىء أغنى عنهم كونهم ممتعين ذلك التمتع الطويل وما فى ماكانوا يمتعون يجوز أن تكون المصدرية ويجوز تكون الموصولة والاستفهام للإنكار التقريرى ويجوز أن تكون ما الأولى نافية والمفعول محذوف أى لم يغن عنهم تمتيعهم شيئا وقرئ يمتعون بإسكان الميم وتخفيف التاء من أمتع الله زيدا بكذا
الشعراء : ( 208 ) وما أهلكنا من . . . . .
) وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ( من مزيدة للتأكيد أى وما أهلكنا قرية من القرى إلا لها منذرون وجملة ) إلا لها منذرون ( يجوز أن تكون صفة لقرية ويجوز أن تكون حالا منها وسوغ ذلك سبق النفى والمعنى ما أهلكنا قرية من القرى إلا بعد الأنذار إليهم والإعذار بإرسال الرسل وإنزال الكتب
الشعراء : ( 209 ) ذكرى وما كنا . . . . .
وقوله ) ذكرى ( بمعنى تذكرة وهى فى محل نصب على العلة أو المصدرية وقال الكسائي ذكرى فى موضع نصب على الحال وقال الفراء والزجاج إنها فى موضع نصب على المصدرية أى يذكرون ذكرى قال النحاس وهذا قول صحيح لأن معنى ) إلا لها منذرون ( إلا لها مذكرون قال الزجاج ويجوز أن يكون ذكرى فى موضع رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أى إنذارنا ذكرى أو ذلك ذكرى قال ابن الأنبارى المعنى هى ذكرى أو يذكرهم ذكرى وقد رجح الأخفش أنها خبر مبتدأ محذوف ) وما كنا ظالمين ( فى تعذيبهم فقد قدمنا الحجة إليهم وأنذرناهم وأعذرنا إليهم
الشعراء : ( 210 ) وما تنزلت به . . . . .
) وما تنزلت به الشياطين ( أى بالقرآن وهذا رد لما زعمه الكفرة فى القرآن أنه من قبيل ما يلقيه الشياطين على الكهنة
الشعراء : ( 211 ) وما ينبغي لهم . . . . .
) وما ينبغي لهم ( ذلك ولايصح منهم ) وما يستطيعون ( مانسبه الكفار إليهم أصلا
الشعراء : ( 212 ) إنهم عن السمع . . . . .
) إنهم عن السمع ( للقرآن أو لكلام الملائكة ) لمعزولون ( محجوبون مرجومون بالشهب وقرأ الحسن وابن السميفع والأعمش ) وما تنزلت به الشياطين ( بالواو والنون إجراء له مجرى جمع السلامة قال النحاس وهذا غلط عند جميع النحويين قال وسمعت على بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول هذا من غلط العلماء وإنما يكون بشبهة لما رأى الحسن فى آخره ياء ونونا وهو فى موضع رفع اشتبه عليه بالجمع السالم فغلط قال الفراء غلط الشيخ يعنى الحسن فقيل ذلك للنضر بن شميل فقال إن جاز أن يحتج بقول رؤبة والعجاج و ذويهما جاز أن يحتج بقول الحسن وصاحبه يعنى محمد بن السميفع مع أنا نعلم أنهما لم يقرآ بذلك إلا وقد سمعا فيه شيئا وقال المؤرج إن كان الشيطان من شاط يشيط كان لقراءتهما وجه قال يونس بن حبيب سمعت أعرابيا يقول دخلنا بساتين من ورائها بساتون
الشعراء : ( 213 ) فلا تدع مع . . . . .
ثم لما قرر سبحانه حقية القرآن وأنه منزل من عنده أمر بنيه ( صلى الله عليه وسلم ) بدعاء الله وحده فقال ) فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين ( وخطاب النبى ( صلى الله عليه وسلم ) بهذا مع كونه منزها عنه معصوما منه لحث العباد علي التوحيد ونهيهم عن شوائب الشرك وكأنه قال أنت أكرم الخلق على وأعزهم عندى ولو اتخذت معى إلها لعذبتك فكيف بغيرك من العباد
الشعراء : ( 214 ) وأنذر عشيرتك الأقربين
) وأنذر عشيرتك الأقربين ( خص الأقربين لأن


"""""" صفحة رقم 120 """"""
الاهتمام بشأنهم أولى وهدايتهم إلى الحق أقدم قيل هم قريش وقيل بنو عبد مناف وقيل بنو هاشم وقد ثبت فى الصحيح أن هذه الآية لما نزلت دعا النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قريشا فاجتمعوا فعم وخص فذلك منه ( صلى الله عليه وسلم ) بيان للعشيرة الإقربين وسيأتى بيان ذلك
الشعراء : ( 215 ) واخفض جناحك لمن . . . . .
) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ( يقال خفض جناحه إذا ألانه وفيه استعارة حسنة والمعنى ألن جناحك وتواضع لمن اتبعك من المؤمنين وأظهر لهم المحبة والكرامة وتجاوز عنهم
الشعراء : ( 216 ) فإن عصوك فقل . . . . .
) فإن عصوك ( أى خالفوا أمرك ولم يتبعوك ) فقل إني بريء مما تعملون ( أى من عملكم أو من الذى تعملونه وهذا يدل على أن المراد بالمؤمنين المشارفون للإيمان المصدقون باللسان لأن المؤمنين الخلص لايعصونه ولايخالفونه
الشعراء : ( 217 ) وتوكل على العزيز . . . . .
ثم بين له مايعتمد عليه عند عصيانهم له فقال ) وتوكل على العزيز الرحيم ( أى فوض أمورك إليه فإنه القادر على قهر الأعداء وهو الرحيم للأولياء قرأ نافع وابن عامر فتوكل بالفاء وقرأ الباقون وتوكل بالواو فعلى القراءة الأولى يكون مابعد الفاء كالجزء مما قبلها مترتبا عليه وعلى القراءة الثانية يكون مابعد الواو معطوفا علي ماقبلها عطف جملة على جملة من غير ترتيب
الشعراء : ( 218 ) الذي يراك حين . . . . .
) الذي يراك حين تقوم ( أى حين تقوم إلى الصلاة وحدك فى قول أكثر المفسرين وقال مجاهد حين تقوم حيثما كنت ) وتقلبك في الساجدين ( أى ويراك إن صليت فى الجماعة راكعا وساجدا وقائما كذا قال أكثر المفسرين وقيل يراك فى الموحدين من نبى إلى نبى حتى أخرجك فى هذه الأمة وقيل المراد بقوله يراك حين تقوم قيامه إلى التهجد
الشعراء : ( 219 ) وتقلبك في الساجدين
وقوله ) وتقلبك في الساجدين ( يريد ترددك فى تصفح أحوال المجتهدين فى العبادة وتقلب بصرك فيهم كذا قال مجاهد
الشعراء : ( 220 ) إنه هو السميع . . . . .
) إنه هو السميع ( لما تقوله ) العليم ( به
الشعراء : ( 221 ) هل أنبئكم على . . . . .
ثم أكد سبحانه معنى قوله ) وما تنزلت به الشياطين ( وبينه فقال ) هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ( أى على من تتنزل فحذف إحدى التاءين وفيه بيان استحالة تنزل الشياطين على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
الشعراء : ( 222 ) تنزل على كل . . . . .
) تنزل على كل أفاك أثيم ( والأفاك الكثير الإفك والأثيم كثير الإثم والمراد بهم كل من كان كاهنا فإن الشياطين كانت تسترق السمع ثم يأتون إليهم فيلقونه إليهم
الشعراء : ( 223 ) يلقون السمع وأكثرهم . . . . .
وهو معنى قوله ) يلقون السمع ( أى مايسمعون مما يسترقونه فتكون جملة يلقون السمع على هذا راجعة إلى الشياطين فى محل نصب علي الحال أى حال كون الشياطين ملقين السمع أى مايسمعونه من الملإ الأعلى إلى الكهان ويجوز أن يكون المعنى إن الشياطين يلقون السمع أى ينصتون إلى الملإ الأعلى ليسترقوا منهم شيئا ويكون المراد بالسمع على الوجه الأول المسموع وعلى الوجه الثانى نفس حاسة السمع ويجوز أن تكون جملة يلقون السمع راجعة إلى كل أفاك أثيم على أنها صفة أو مستأنفة ومعنى الإلقاء أنهم يسمعون ماتلقيه إليهم الشياطين من الكلمات التى تصدق الواحدة منها وتكذب المائة الكلمة كما ورد فى الحديث وجملة ) وأكثرهم كاذبون ( راجعة إلى كل أفاك أثيم أى وأكثر هؤلاء الكهنته كاذبون فيما يتلقونه من الشياطين لأنهم يضمون إلى ما يسمعونه كثيرا من أكاذيبهم المختلفة أو أكثرهم كاذبون فيما يلقونه من السمع أي المسموع من الشياطين إلى الناس ويجوز أن تكون جملة ) وأكثرهم كاذبون ( راجعة إلى الشياطين أى وأكثر الشياطين كاذبون فيما يلقونه إلى الكهنة مما يسمعونه فإنهم يضمون إلى ذلك من عند أنفسهم كثيرا من الكذب وقد قيل كيف يصح على الوجه الأول وصف الأفاكين بأن أكثرهم كاذبون بعد ما وصفوا جميعا بالإفك وأجيب بأن المراد بالإفاك الذى يكثر الكذب لا الذى لاينطق إلا بالكذب فالمراد بقوله وأكثرهم كاذبون أنه قل من يصدق منهم فيما يحكى عن الشياطين والغرض الذى سيق لأجله هذا الكلام إد ما كان يزعمه المشركون من كون النبى ( صلى الله عليه وسلم ) من جملة من يلقى إليه الشيطان السمع من الكهنة ببيان أن الأغلب على الكهنة الكذب ولم يظهر


"""""" صفحة رقم 121 """"""
من أحوال محمد ( صلى الله عليه وسلم ) إلا الصدق فكيف يكون كما زعموا ثم إن هؤلاء الكهنة يعظمون الشياطين وهذا النبى المرسل من عند الله برسالته إلى الناس يذمهم ويلعنهم ويأمر بالتعوذ منهم
الشعراء : ( 224 ) والشعراء يتبعهم الغاوون
ثم لما كان قد قال قائل من المشركين إن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) شاعر بين سبحانه حال الشعراء ومنافاة ماهم عليه لما عليه النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فقال ) والشعراء يتبعهم الغاوون ( والمعنى أن الشعراء يتبعهم أى يجاريهم ويسلك مسلكهم ويكون من جملتهم الغاوون أى الضالون عن الحق والشعراء جمع شاعر والغاوون جمع غاو وهم ضلال الجن والإنس وقيل الزائلون عن الحق وقيل الذين يروون الشعر المشتمل على الهجاء وما لايجوز وقيل المراد شعراء الكفار خاصة قرأ الجمهور والشعراء بالرفع على أنه مبتدأ وخبره مابعده وقرأ عيسى بن عمر الشعراء بالنصب على الاشتغال وقرأ نافع وشيبة والحسن والسلمى يتبعهم بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد
الشعراء : ( 225 ) ألم تر أنهم . . . . .
ثم بين سبحانه قبائح شعراء الباطل فقال ) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ( والجملة مقررة لما قبلها والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية يقال هام يهيم هيما وهيمانا إذا ذهب علي وجهه أى ألم تر أنهم فى كل فن من فنون الكذب يخوضون وفى كل شعب من شعاب الزور يتكلمون فتارة يمزقون الأعراض بالهجاء وتارة يأتون من المجون بكل مايمجه السمع ويستقبحه العقل وتارة يخوضون فى بحر السفاهة والوقاحة ويذمون الحق ويمدحون الباطل ويرغبون فى فعل المحرمات ويدعون الناس إلى فعل المنكرات كما تسمعه فى أشعارهم من مدح الخمر والزنا واللواط ونحو هذه الرذائل الملعونة
الشعراء : ( 226 ) وأنهم يقولون ما . . . . .
ثم قال سبحانه ) وأنهم يقولون ما لا يفعلون ( أى يقولون فعلنا وفعلنا وهم كذبة فى ذلك فقد يدلون بكلامهم على الكرم والخير ولايفعلونه وقد ينسبون إلى أنفسهم من أفعال الشر مالا يقدرون علي فعله كما تجده فى كثير من أشعارهم من الدعاوى الكاذبة والزور الخالص المتضمن لقذف المحصنات وأنهم فعلوا بهن كذا وكذا وذلك كذب محض وافتراء بحت
الشعراء : ( 227 ) إلا الذين آمنوا . . . . .
ثم استثنى سبحانه الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم تحرى والصدق فقال ) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ( أى دخلوا فى حزب المؤمنين وعملوا بأعمالهم الصالحة ) وذكروا الله كثيرا ( فى أشعارهم ) وانتصروا من بعد ما ظلموا ( كمن يهجو منهم من هجاء أو ينتصر لعالم أو فاضل كما كان يقع من شعراء النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فإنهم كانوا يهجون من يهجوه ويحمون عنه ويذبون عن عرضه ويكافحون شعراء المشركين وينافحونهم ويدخل فى هذا من انتصر بشعره لأهل السنة وكافح أهل البدعة وزيف مايقوله شعراؤهم من مدح بدعتهم وهجو السنة المطهرة كما يقع ذلك كثيرا من شعراء الرافضة ونحوهم فإن الانتصار للحق وتزييف الباطل به من أعظم المجاهدة وفاعلة من المجاهدين فى سبيل الله المنتصرين لدينه القائمين بما أمر الله بالقيام به
واعلم أن الشعر فى نفسه ينقسم إلى أقسام فقد يبلغ ما لا خير فيه منه إلى قسم الحرام وقد يبلغ ما فيه خير منه إلى قسم الواجب وقد وردت أحاديث فى ذمه وذم الاستكثار منه ووردت أحاديث أحر فى إباحته وتجويزه والكلام فى تحقيق ذلك يطول وسنذكر فى أخر البحث ماورد فى ذلك من الأحاديث ختم سبحانه هذه السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال ) وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ( فإن فى قوله سيعلم تهويلا عظيما وتهديدا شديد وكذا فى إطلاق الذين ظلموا وإبهام أى منقلب ينقلبون وخصص هذه الاية بعضهم بالشعراء ولا وجه لذلك فإن الاعتبار بعموم اللفظ وقوله ) أي منقلب ( صفة لمصدر محذوف أى ينقلبون منقلبا أى منقلب وقدم لتضمنه معني الاستفهام ولايعمل فيه سيعلم لأن الاستفهام لايعمل فيه ماقبله بل هو معلق عن العمل فيه وقرأ ابن عباس والحسن أى منفلت ينقلتون بالفاء مكان القاف والتاء مكان الباء من الانفلات


"""""" صفحة رقم 122 """"""
بالنون والفاء الفوقية وقرأ الباقون بالقاف والباء من الانقلاب بالنون والقاف الموحدة والمعنى على قراءة ابن عباس والحسن أن الظالمين يطمعون فى الانفلات من عذاب الله والانفكاك منه ولايقدرون على ذلك
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبى حاتم عن قتادة ) وإنه لتنزيل رب العالمين ( قال هذا القرآن ) نزل به الروح الأمين ( قال جبريل وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ) نزل به الروح الأمين ( قال جبريل وأخرج أبو الشيخ فى العظمة وابن مردويه عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فى قوله ) الروح الأمين ( قال الروح الأمين جبريل رأيت له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرها فيها مثل ريش الطواويس وأخرج ابن النجار فى تاريخه عن ابن عباس فى قوله ) بلسان عربي مبين ( قال بلسان قريش ولو كان غير عربى مافهموه وأخرج الحاكم وصححه والبيهقى فى الشعب عن بريدة فى قوله ) بلسان عربي مبين ( قال بلسان جرهم وأخرج مثله أيضا عنه ابن المنذر وابن أبى حاتم وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال كان عبد الله بن سلام من علماء بنى إسرائيل وكان من خيارهم فآمن بكتاب محمد فقال لهم ) أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ( وأخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن أبى هريرة قال لما نزلت هذه الآية ) وأنذر عشيرتك الأقربين ( دعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قريشا وعم وخص فقال يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإنى لا أملك لكم ضرا ولا نفعا يا معشر بنى كعب بن لؤى أنقذوا أنفسكم من النار فإنى لا أملك لكم ضرا ولا نفعا يا معشر بنى قصى أنقذوا أنفسكم من النار فإنى لا أملك ضرا ولا نفعا يا معشر بنى عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا يا معشر بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولانفعا يا فاطمة بنت محمد أنقذى نفسك من النار فإني لا أملك لك ضرا ولا نفعا إلا أن لكم رحما وسأبلها ببلالها وفى الباب أحاديث من طريق جماعة من الصحابة وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله ) الذي يراك حين تقوم ( قال للصلاة وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه ) الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ( يقول قيامك وركوعك وسجودك وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا ) وتقلبك في الساجدين ( قال يراك وأنت مع الساجدين تقوم وتقعد معهم وأخرج ابن مردويه عنه أيضا فى قوله ) وتقلبك في الساجدين ( قال كان النبى ( صلى الله عليه وسلم ) إذا قام إلى الصلاة يرى من خلفه كما يرى من بين يديه ومنه الحدديث فى الصحيحين وغيرهما عن أبى هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هل ترون قبلتى هاهنا فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم وإنى لأراكم من وراء ظهرى وأخرج ابن أبى عمر العدنى فى مسنده والبزار وابن أبى حاتم والطبرانى وابن مردويه وأبو نعيم فى الدلائل عن ابن عباس فى قوله ) وتقلبك في الساجدين ( قال من نبي إلى بني حتى أخرجت نبيا وأخرج ابن أبى حاتم وابن مردويه وأبو نعيم عنه فى الآية نحوه وأخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت سأل أناس النبى ( صلى الله عليه وسلم ) عن الكهان قال إنهم ليسو بشىء قالوا يارسول الله إنهم يحدثون أحيانا بالشىء يكون حقا قال تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنى فيقذفها فى أذن وليه فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة وفى لفظ للبخارى فيزيدون معها مائة كذبة وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال تهاجى رجلان على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أحدهما من الأنصار والاخر من قوم آخرين وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء فأنزل الله ) والشعراء يتبعهم الغاوون ( الآيات وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عروة لما نزلت ) والشعراء ( إلى قوله ) ما لا يفعلون ( قال عبد الله بن رواحة يارسول الله قد


"""""" صفحة رقم 123 """"""
علم الله أنى منهم فأنزل الله ) إلا الذين آمنوا ( إلى قوله ) ينقلبون ( وروى نحو هذا من طرق وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ) يتبعهم الغاوون ( قال هم الكفار يتبعون ضلال الجن والإنس فى ) كل واد يهيمون ( قال فى كل لغو يخوضون ) وأنهم يقولون ما لا يفعلون ( أكثر قولهم يكذبون ثم استثنى منهم فقال ) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا ( قال ردوا على الكفار كانوا يهجون المؤمنين وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عنه أيضا نحوه وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضا ) والشعراء ( قال المشركون منهم الذين كانوا يهجون النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ) يتبعهم الغاوون ( قال قال غواة الجن فى كل وادي يهيمون فى كل فن من الكلام يأخذون ثم استثنى فقال ) إلا الذين آمنوا ( الاية يعنى حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك كانوا يذبون عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه بهجاء المشركين وأخرج الفريابى وابن جريروابن أبى حاتم عنه ) الغاوون ( قال هم الرواة وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عنه أيضا ) إلا الذين آمنوا ( الاية قال أبو بكر وعمر وعلى وعبدالله بن رواحة وأخرج أحمد والبخارى فى تاريخه وأبو يعلى وابن مردويه عن كعب بن مالك أنه قال للنبى ( صلى الله عليه وسلم ) إن الله قد أنزل فى الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه فقال إن المؤمن يجاهد سيفه ولسانه والذى نفسى بيده لكأن ماترمونهم به نضح النبل وأخرج ابن أبى شيبة وأحمد عن أبي سعيد قال بينما نحن نسير مع رسول ( صلى الله عليه وسلم ) إذا عرض شاعر ينشد فقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا وأخرج الديلمى عن ابن مسعود مرفوعا الشعراء الذين يموتون فى الإسلام يأمرهم الله أن يقولوا شعرا يتغنى به الحور العين لأزواجهن فى الجنة والذين ماتوا فى الشرك يدعون بالويل والثبور فى النار وأخرج ابن مردويه عن أبى هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن من الشعر لحكمة قال وأتاه قريظة بن كعب وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت فقالواإنا نقول الشعر وقد نزلت هذه الاية فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اقرءوا فقرءوا ) والشعراء ( إلى قوله ) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ( فقال أنتم هم ) وذكروا الله كثيرا ( فقال أنتم هم ) وانتصروا من بعد ما ظلموا ( فقال أنتم هم وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لحسان بن ثابت اهج المشركين فإن جبريل معك وأخرج ابن سعد عن البراء بن عازب قال قيل يارسول الله إن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يهجوك فقام بن رواحة فقال يارسول الله ائذن لى فيه فقال أنت الذى تقول ثبت الله فقال نعم يا رسول قلت ثبت الله ما أعطاك من حسن
تثبيت موسى ونصرا مثل مانصرا
قال وأنت ففعل الله بك مثل ذلك ثم وثب كعب فقال يا رسول الله ائذن لى فيه فقال أنت الذى تقول همت قال نعم يا رسول الله قلت همت سخينة أن تغالب ربها
فلتغلبن مغالب الغلاب
فقال أما إن الله لم ينسى ذلك لك ثم قام حسان فقال يا رسول الله ائذن لى فيه وأخرج لسانا له أسود فقال يا رسول الله لوشئت لفريت به المراد ائذن لى فيه فقال اذهب إلي أبى بكر فليحدثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم واهجهم وجبريل معك وأخرج أحمد وابن سعد عن أبى هريرة قال مر عمر بحسان وهو ينشد فى المسجد فلحظ إليه فنظر إليه فقال قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك فسكت ثم التفت


"""""" صفحة رقم 124 """"""
حسان إلى أبى هريرة فقال أنشدك بالله هل سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول أجب عنى اللهم أيده بروح القدس قال نعم وأخرج ابن سعد من حديث جابر مرفوعا نحوه وأخرج ابن أبى شيبة عن بريدة قال قال رسول الله النبى ( صلى الله عليه وسلم ) إن من الشعر حكما وأخرج ابن أبى شيبة عن ابن مسعود عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) إن من الشعر حكما ومن البيان سحرا وأخرج مسلم عن أبى هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لأن يمتلئ جوف أحدكم فيحايريه خيرا من أن يمتليء شعرا وفى الصحيح من حديث أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا قال فى الصحاح وروى القبح جوفه يريه وريا إذا أكله قال القرطبى روى إسماعيل ابن عباس عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حسن الشعر كحسن الكلام وقبيح الشعر كقبيح الكلام قال القرطبى رواه إسماعيل عن عبد الله بن عون الشامى وحديثه عن أهل الشام صحيح فيما قال يحيى بن معين وغيره قال وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام وأخرج مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال ردفت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال هل معك من شعر أمية بن أبى الصلت قلت نعم قال هيه فأنشدته بيتا فقال هيه ثم أنشدته بيتا فقال هيه حتى أنشدته مائة بيت وأخرج ابن أبى حاتم عن فضالة بن عبيد فى قوله ) وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ( قال هؤلاء الذين يخربون البيت
ع2
تفسير
سورة النمل
هى ثلاث وتسعون آية وقيل أربع وتسعون
حول السورة
قال القرطبى وهى مكية كلها فى قول الجميع وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردوية والبيهقى فى الدلائل عن ابن عباس قال أنزلت سورة النمل بمكة وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله
سورة النمل ( 1 14 )


"""""" صفحة رقم 125 """"""
النمل : ( 1 ) طس تلك آيات . . . . .
قوله طس قد مر الكلام مفصلا فى فواتح السور وهذه الحروف إن كانت اسما للسورة فحملها الرفع على الابتداء وما بعده خبره ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أى هذا اسم هذه السورة وإن لم تكن هذه الحروف إسما للسورة بل مسرودة على نمط التعديد فلا محل لها والإشارة بقوله ) تلك ( إلى نفس السورة لأنها قد ذكرت إجمالا بذكر اسمها واسم الإشارة مبتدأ وخبره ) آيات القرآن ( والجملة خبر المبتدأ الأول على تقدير أنه مرتفع بالابتداء ) وكتاب مبين ( قرأ الجمهور بجر كتاب عطفا علي القرآن أى آيات القرآن وآيات كتاب مبين ويحتمل أن يكون المراد بقوله ) وكتاب ( القرآن نفسه فيكون من عطف بعض الصفات علي بعض مع اتحاد المدلول وأن يكون المراد بالكتاب اللوح المحفوظ أو نفس السورة وقرأ ابن عبلة وكتاب مبين برفعهما عطفا على آيات وقيل هو على هذه القراءة علي تقدير مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أى وآيات كتاب مبين فقد وصف الآيات بالوصفين القرآنية الدالة على كونه مقروءا مع الإشارة إلى كونه قرآنا عربيا معجزا والكتابية الدالة على كونه مكتوبا مع الإشارة إلى كونه متصفا بصفة الكتب المنزلة فلا يكون علي هذا من باب عطف صفة علي صفة مع اتحاد المدلول ثم ضم إلى الوصفين وصفا ثالثا وهى الإبانة لمعانيه لمن يقرؤه أو هو من أبان بمعنى بان معناه واتضح إعجازه بما اشتمل عليه من البلاغة وقدم وصف القرآنية هنا نظرا إلى تقدم حال القرآنية على حال الكتابة وأخره فى سورة الحجر فقال ) الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ( نظرا إلى حالته التى قد صار عليها فإنه مكتوب والكتابة سبب القراءة والله أعلم وأما تعريف القرآن وتنكير الكتاب وتعريف الكتاب فى سورة الحجر وتنكير القرآن فلصلاحية كل واحد منهما للتعريف والتنكير
النمل : ( 2 ) هدى وبشرى للمؤمنين
) هدى وبشرى للمؤمنين ( فى موضع نصب على الحال من الايات أو من الكتاب أى تلك آيات هادية ومبشرة ويجوز أن يكون فى محل على الابتداء أى هو هدى أو هما خبران آخران لتلك أو هما مصدران منصوبان بفعل مقدر أى يهدى هدى ويبشر بشرى
النمل : ( 3 ) الذين يقيمون الصلاة . . . . .
ثم وصف المؤمنين الذين لهم الهدى والبشرى فقال ) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ( والموصول فى محل جر أو يكون بدلا أو بيانا أو منصوبا علي المدح أو مرفوعا على تقدير مبتدأ والمراد بالصلاة الصلوات الخمس والمراد بالزكاة الزكاة المفروضة وجملة ) وهم بالآخرة هم يوقنون ( فى محل نصب على الحال وكرر الضمير للدلالة على الحصر أى لايوقن بالاخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون


"""""" صفحة رقم 126 """"""
بين الإيمان والعمل الصالح وجعل الخبر مضارعا للدلالة على التجدد فى كل وقت وعدم الانقطاع
النمل : ( 4 ) إن الذين لا . . . . .
ثم لما ذكر سبحانه أهل السعادة ذكر بعدهم أهل الشقاوة فقال ) إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ( وهم الكفار أى لايصدقون بالبعث ) زينا لهم أعمالهم ( قيل المراد زين الله لهم أعمالهم السيئة حتى رأوها حسنة وقيل المراد أن الله زين لهم الأعمال الحسنة وذكر لهم مافيها من خيرى الدنيا والآخرة فلم يقبلوا ذلك قال الزجاج معنى الاية انا جعلنا جزاءهم علي كفرهم أن زينا لهم ماهم فيه ) فهم يعمهون ( أى يترددون فيها متحيرين على الاستمرار لايهدتون إلى طريقة ولايقفون علي حقيقة وقيل معنى يعمهون يتمادون وقال قتادة يلعبون وفى معنى التحير قال الشاعر ومهمه أطرافه فى مهمه
أعمى الهدى الحائرين العمه
النمل : ( 5 ) أولئك الذين لهم . . . . .
والإشارة بقوله ) أولئك ( إلى المذكورين قبله وهو مبتدأ خبره ) لهم سوء العذاب ( قيل فى الدنيا كالقتل والأسر ووجه تخصيصه بعذاب الدنيا قوله بعده ) وهم في الآخرة هم الأخسرون ( أى هم أشد الناس خسرانا وأعظمهم خيبة
النمل : ( 6 ) وإنك لتلقى القرآن . . . . .
ثم مهد سبحانه مقدمة نافعة لما سيذكره بعد ذلك من الأخبار العجيبة فقال ) وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ( أى يلقى عليك فتلقاه وتأخذه من لدن كثير الحكمة والعلم قيل إن لدن هاهنا بمعنى عند وفيها لغات كما تقدم فى سورة الكهف
النمل : ( 7 ) إذ قال موسى . . . . .
) إذ قال موسى لأهله ( الظرف منصوب بمضمر وهو اذكر قال الزجاج موضع إذ نصب المعنى اذكر إذ قال موسى أى اذكر قصته إذ قال لأهله والمراد بأهله امرأته فى مسيره من مدين إلى مصر ولم يكن معه إذ ذاك إلا زوجته بنت شعيب فكنى عنها بلفظ الأهل الدال على الكثرة ومثله قوله امكثوا ومعنى ) إني آنست نارا ( أبصرتها ) سآتيكم منها بخبر ( السين تدل علي بعد مسافة النار ) أو آتيكم بشهاب قبس ( قرأ عاصم وحمزة والكسائى بتنوين شهاب وقرأ الباقون بإضافته إلى قبس فعلى القراءة الأولى يكون قبس بدلا من شهاب أو صفة له لأنه بمعنى مقبوس وعلى القراءة الثانية الإضافة للبيان والمعنى على القراءتين آتيكم بشعلة نار مقبوسة أى مأخوذة من أصلها قال الزجاج من نون جعل قبس من صفة شهاب وقال الفراء هذه الإضافة كالإضافة فى قولهم مسجد الجامع وصلاة الأولى أضاف الشىء إلى نفسه لاختلاف أسمائه وقال النحاس هى إضافة النوع إلى الجنس كما تقول ثوب خز وخاتم حديد قال ويجوز فى غير القرآن بشهاب قبسا على أنه مصدر أو بيان أو حال ) لعلكم تصطلون ( أى رجاء أن تستدفئوا بها أو لكي تستدفئوا بها من البرد يقال صلى بالنار واصطلى بها إذا استدفأ بها الزجاج كل أبيض ذى نور فهو شهاب وقال أبو عبيدة الشهاب النار ومنه قول أبي النجم
كأنما كان شهابا واقدا أضاء ضوءا ثم صار خامدا
وقال ثعلب اصل الشهاب عود فى أحد طرفيه جمرة والاخر لا نار فيه والشهاب الشعاع المضئ وقيل للكوكب شهاب ومنه قول الشاعر
فى كفه صعدة مثقفة فيها سنان كشعلة القبس
النمل : ( 8 ) فلما جاءها نودي . . . . .
) فلما جاءها ( أى جاء النار موسى ) نودي أن بورك من في النار ومن حولها ( أن هى المفسرة لما فى النداء من معني القول أو هى المصدرية أى بأن بورك وقيل هى المخففة من الثقيلة قال الزجاج أن فى موضع نصب أى بأن قال ويجوز أن يكون فى موضع رفع اسم مالم يسم فاعله والأولى أن النائب ضمير يعود إلى موسى وقرأ أبي وابن عباس ومجاهد ? أن بوركت النار ومن حولها ? حكى ذلك أبو حاتم وحكى الكسائى عن العرب


"""""" صفحة رقم 127 """"""
باركك الله وبارك فيك وبارك عليك وبارك لك وكذلك حكى هذا الفراء قال ابن جرير قال بورك من فى النار ولم يقل بورك على لغة من يقول باركك الله أى بورك على من فى النار وهو موسى أو على من فى قرب النار لا أنه كان فى وسطها وقال السدى كان فى النار ملائكة والنار هنا هى مجرد نور ولكنه ظن موسى أنها نار فلما وصل إليها وجدها نورا وحكى عن الحسن وسعيد بن جبير أن المراد بمن فى النار هو الله سبحانه أى نوره وقيل بورك ما فى النار من أمر الله سبحانه الذى جعلها علي تلك الصفة قال الواحدى ومذهب المفسرين أن المراد بالنار النور ثم نزه سبحانه نفسه فقال ) وسبحان الله رب العالمين ( وفيه تعجيب لموسى من ذلك
النمل : ( 9 ) يا موسى إنه . . . . .
) يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم ( الضمير للشأن أنا الله العزيز الغالب القاهر الحكيم فى أمره وفعله وقيل إن موسى قال يارب من الذى نادانى فأجابه الله سبحانه بقوله إنه أنا الله ثم أمره سبحانه بأن يلقى عصاه ليعرف ما أجراه الله سبحانه علي يده من المعجزة الخارقة
النمل : ( 10 ) وألق عصاك فلما . . . . .
وجملة ) وألق عصاك ( معطوفة على بورك وفى الكلام حذف والتقدير فألقاها من يده فصارت حية ) فلما رآها تهتز كأنها جان ( قال الزجاج صارت العصا تتحرك كما يتحرك الجان وهى الحية البيضاء وإنما شبهها بالجان فى خفة حركتها وشبهها فى موضع آخر بالثعبان لعظمها وجمع الجان جنان وهى الحية الخفيفة الصغيرة الجسم وقال الكلبى لا صغيرة ولا كبيرة ) ولى مدبرا ( من الخوف ) ولم يعقب ( أى لم يرجع يقال عقب فلان إذا رجع وكل راجع معقب وقيل لم يقف ولم يلتفت والأول أولى لأن التعقيب هو الكر بعد الفر فلما وقع منه ذلك قال الله سبحانه ) يا موسى لا تخف ( أى من الحية وضررها ) إني لا يخاف لدي المرسلون ( أى لايخاف عندى من أرسلته برسالتى فلا تخف أنت قيل ونفى الخوف عن المرسلين ليس فى جميع الأوقات بل فى وقت الخطاب لهم لأنهم إذ ذاك مستغرقون
النمل : ( 11 ) إلا من ظلم . . . . .
ثم استثنى استثناء منقطعا فقال ) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم ( أى لكن من أذنب فى ظلم نفسه بالمعصية ثم بدل حسنا أى توبة وندما بعد سوء أى بعد عمل سوء ) فإني غفور رحيم ( وقيل الاستثناء من مقدر محذوف أى لايخاف لدى المرسلون وإنما يخاف غيرهم ممن ظلم إلا من ظلم ثم بدل الخ كذا قال الفراء قال النحاس الاستثناء من محذوف محال لأنه استثناء من شىء لم يذكر وروى عن الفراء أنه قال إلا بمعنى الواو وقيل إن الاستثناء متصل من المذكور لا من المحذوف والمعنى إلا من ظلم من المرسلين بإتيان الصغائر التى لايسلم منها أحد واختار هذا النحاس وقال علم من عصى منهم فاستثناه فقال إلا من ظلم وإن كنت قد غفرت له كآدم وداود وإخوة يوسف وموسى بقتله القبطى ولا مانع من الخوف بعد المغفرة فإن نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) الذى غفر الله له ماتقدم من ذنبه وما تأخر كان يقول وددت أنى شجرة تعضد
النمل : ( 12 ) وأدخل يدك في . . . . .
) وأدخل يدك في جيبك ( المراد بالجيب هو المعروف وفي القصص ) اسلك يدك في جيبك ( وفي أدخل من المبالغة مالم يكن فى اسلك ) تخرج بيضاء من غير سوء ( أى من غير برص أو نحوه من الآفات فهو احتراس وقوله تخرج جواب أدخل يدك وقيل في الكلام حذف تقديره أدخل يدك تدخل وأخرجها تخرج ولاحاجة لهذا الحذف ولاملجىء إليه قال المفسرون كانت على موسى مدرعة من صوف لا كم لها ولا إزار فأدخل يده فى جيبه وأخرجها فإذا هى تبرق كالبرق وقوله ) في تسع آيات ( قال أبو البقاء هو فى محل نصب على الحال من فاعل تخرج وفيه بعد وقيل متعلق بمحذوف أى اذهب فى تسع آيات وقيل متعلق بقوله ألق عصاك وأدخل يدك فى جملة تسع آيات أو مع تسع آيات وقيل المعنى فهما ايتان من تسع يعنى العصا واليد فتكون الآيات إحدى عشرة هاتان والفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة


"""""" صفحة رقم 128 """"""
والجدب فى بواديهم والنقصان فى مزارعهم قال النحاس أحسن ماقيل فيه أن هذه الاية يعنى اليد داخلة فى تسع آيات وكذا قال المهدوى والقشيرى قال القشيرى تقول خرجت فى عشرة نفر وأنت أحدهم أى خرجت عاشر عشرة ففى بمعنى من لقربها منها كما تقول خذلى عشرا من الإبل فيها فحلان أى منها قال الأصمعى فى قول امرئ القيس وهل ينعمن من كان آخر عهده
ثلاثون شهرا فى ثلاثة أحوال
فى بمعنى من وقيل فى بمعنى مع ) إلى فرعون وقومه ( قال الفراء فى الكلام إضمار أى إنك مبعوث أو مرسل إلي فرعون وقومه وكذا قال الزجاج ) إنهم كانوا قوما فاسقين ( الجملة تعليل لما قبلها
النمل : ( 13 ) فلما جاءتهم آياتنا . . . . .
) فلما جاءتهم آياتنا مبصرة ( أى جاءتهم آياتنا التي علي يد موسى حال كونها مبصرة أى واضحة بينه كأنها لفرط وضوحها تبصر نفسها كقوله ) وآتينا ثمود الناقة مبصرة ( قال الأخفش ويجوز أن تكون بمعنى مبصرة على أن اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول وقد تقدم تحقيق الكلام فى هذا وقرأ علي بن الحسين وقتادة مبصرة بفتح الميم والصاد أى مكانا يكثر فيه التبصر كما يقال الولد مجبنة ومبخلة ) قالوا هذا سحر مبين ( أى لما جاءتهم قالوا هذا القول أى سحر واضح
النمل : ( 14 ) وجحدوا بها واستيقنتها . . . . .
) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ( أى كذبوا بها حال كون أنفسهم مستيقنة لها فالواو للحال وانتصاب ) ظلما وعلوا ( علي الحال أى ظالمين عالين ويجوز أن ينتصبا على العلة أى الحامل لهم على ذلك الظلم والعلو ويجوز أن يكونا نعت مصدر محذوف أى جحدوا بها جحودا ظلما وعلوا قال أبو عبيدة والباء فى وجحدوا بها زائدة أى وجحدوها قال الزجاج التقدير وجحدوا بها ظلما وعلوا أى شركا وتكبرا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى وهم يعلمون أنها من عند الله ) فانظر ( يا محمد ) كيف كان عاقبة المفسدين ( أى تفكر فى ذلك فإن فيه معتبرا للمعتبرين وقد كان عاقبة أمرهم الإغراق لهم فى البحر علي تلك الصفة الهائلة
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وابن مردويه عن ابن عباس فى قوله ) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ( يعنى تبارك وتعالى نفسه كان نور رب العالمين فى الشجرة ) ومن حولها ( يعنى الملائكة وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عنه فى الآية قال كان الله فى النور نودى من النور ) ومن حولها ( قال الملائكة وأخرج ابن أبى شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه عنه أيضا قال ناداه الله وهو فى النور وأخرج الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضا ) أن بورك من في النار ( قال بوركت النار وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال فى مصحف أبى بن كعب بوركت النار ومن حولها أما النار فيزعمون أنها نور رب العالمين وأخرج ابن أبي حاتم وابن عباس ) أن بورك ( قال قدس وأخرج عبد بن حميد وابن ماجه وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبو الشيخ فى العظمة والبيهقى فى الأسماء والصفات من طريق أبى عبيدة عن أبى موسي الأشعرى قال فينا فينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال إن الله لاينام ولاينبغى له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو رفع لأحرقت سبحات وجهه كل شىء أدركه بصره ثم قرأ أبو عبيدة ) أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين ( والحديث أصله مخرج فى صحيح مسلم من حديث عمرو بن مرة وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس قال كانت على موسى جبة من صوف لاتبلغ مرفقيه فقال له أدخل يدك فى جيبك فأدخلها وأخرج ابن المنذر عنه فى قوله ) واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ( قال تكبرا وقد اسيتقنتها أنفسهم وهذا من التقديم والتأخير


"""""" صفحة رقم 129 """"""
سورة النمل ( 15 26 )
النمل : ( 15 ) ولقد آتينا داود . . . . .
لما فرغ سبحانه من قصة موسى شرع فى قصة داود وابنه سليمان وهذه القصص وما قبلها وما بعدها هى كالبيان والتقرير لقوله ) وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ( والتنوين فى ) علما ( إما للنوع أى طائفة من العلم أو للتعظيم أى علما كثيرا والواو فى قوله ) وقالا الحمد لله ( للعطف علي محذوف لأن هذا المقام مقام الفاء فالتقدير ولقد آتيناهما علما فعملا به وقالا الحمد لله ويؤيده أن الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقا بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية ) الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ( أى فضلنا بالعلم والنبوة وتسخير الطير والجن والإنس ولم يفضلوا أنفسهم علي الكل تواضعا منهم وفى الاية دليل على شرف العلم وارتفاع محله وأن نعمة العلم من أجل النعم التى ينعم الله بها علي عباده وأن من أوتيه فقد أوتى فضلا علي كثير من العباد ومنح شرفا جليلا
النمل : ( 16 ) وورث سليمان داود . . . . .
) وورث سليمان داود ( أي ورثة العلم والنبوة قال قتادة والكلبى كان لداود تسعة عشر ولدا ذكرا فورث سليمان من بينهم نبوته ولو كان المراد وراثة المال لم يخص سليمان بالذكر لأن جميع أولاده فى ذلك سواء وكذا قال جمهور المفسرين فهذه الوراثة هى وراثة مجازية كما فى قوله ( صلى الله عليه وسلم ) العلماء ورثة الأنبياء ) وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير ( قال سليمان هذه المقالة مخاطبا


"""""" صفحة رقم 130 """"""
للناس تحدثا بما أنعم الله به عليه وشكر النعمة التي خصه بها وقدم منطق الطير لأنها نعمة خاصة به لايشاركه فيها غيره قال الفراء منطق الطير كلام الطير فجعل كمنطق الرجل وأنشد قول حميد بن ثور عجيب لها أن يكون غناؤها
فصيحا ولم يغفر بمنطقها فما
ومعنى الآية فهمنا ما يقول الطير قال جماعة من المفسرين إنه علم منطق جميع الحيوانات وإنما ذكر الطير لأنه كان جندا من جنده يسير معه لتظليله من الشمس وقال قتادة والشعبى إنما علم منطق الطير خاصة ولا يعترض ذلك بالنملة فإنها من جملة الطير وكثيرا ما تخرج لها أجنحة فتطير وكذلك كانت هذه النملة التى سمع كلامها وفهمه ومعنى ) وأوتينا من كل شيء ( كل شىء تدعو إليه الحاجة كالعلم والنبوة والحكمة والمال وتسخير الجن والإنس والطير والرياح والوحش والدواب وكل مابين السماء والأرض وجاء سليمان بنون العظمة والمراد نفسه بيانا لحاله من كونه مطاعا لايخالف لاتكبرا وتعظيما لنفسه والإشارة بقوله ) إن هذا ( إلى ماتقدم ذكره من التعليم والإيتاء ) لهو الفضل المبين ( أى الظاهر الواضح الذى لايخفى على أحد أو المظهر لفضيلتنا
النمل : ( 17 ) وحشر لسليمان جنوده . . . . .
) وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير ( الحشر الجمع أى جمع له حنوده من هذه الأجناس وقد أطال المفسرون فى ذكر مقدار جنده وبالغ كثير منهم مبالغة تستبعدها العقول ولاتصح من جهة النقل ولو صحت لكان في القدرة الربانية ماهو أعظم من ذلك وأكثر ) فهم يوزعون ( أى لكل طائفة منهم وزعة ترد أولهم على آخرهم فيقفون على مراتبهم يقال وزعه يزعه وزعا كفه والوازع فى الحرب الموكل بالصفوف يزع من تقدم منهم أى يرده ومنه قول النابغة على حين عاتبت المشيب على الصبا
وقلت ألما أصح والشيب وازع
وقل آخر ومن لم يزعه لبه وحياؤه
فليس له من شيب فوديه وازع
وقول آخر ولايزع النفس اللجوج عن الهوى
من الناس إلا وافر العقل كامله
وقيل من التوزيع بمعنى التفريق يقال القوم أوزاع أى طوائف
النمل : ( 18 ) حتى إذا أتوا . . . . .
) حتى إذا أتوا على وادي النمل ( حتى هى التى يبتدأ بعدها الكلام ويكون غاية لما قبلها والمعنى فهم يوزعون إلى حصول هذه الغاية وهو إتيانهم على واد النمل أى فهم يسيرون ممنوعا بعضهم من مفارقة بعض حتى إذا أتوا الخ وعلى واد النمل متعلق بأتوا وعدى بعلى لأنهم كانوا محمولين على الريح فهم مستعلون والمعنى أنهم قطعوا الوادى وبلغوا اخره ووقف القراء جميعهم على واد بدون ياء اتباعا للرسم حيث لم تحذف لالتقاء الساكنين كقوله ) الذين جابوا الصخر بالواد ( إلا الكسائى فإنه وقف بالياء قال لأن الموجب للحذف إنما هو التقاء الساكنين بالوصل قال كعب واد النمل بالطائف وقال قتادة ومقاتل هو بالشام ) قالت نملة ( هذا جواب إذا كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادى فرت ونبهت سائر النمل منادية لها قائلة ) يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ( جعل خطاب النمل كخطاب العقلاء لفهمها لذلك الخطاب والمساكن هى الأمكنة التى يسكن النمل فيها
قيل وهذه النملة التي سمعها معها سليمان هى أنثى بدليل تأينث الفعل المسند إليها ورد هذا أبو حيان فقال لحاق التاء فى قالت لايدل على أن النملة مؤنثة بل يصح أن يقال فى المذكر قالت لأن نملة وإن كانت بالتاء فهى مما لايتميز فيه المذكر من المؤنث بتذكير الفعل ولابتأنيثه بل يتميز بالإخبار عنه بأنه ذكر أو أنثى ولايتعلق بمثل هذا كثير فائدة ولا بالتعرض لاسم النملة ولما ذكر من القصص الموضوعة والأحاديث المكذوبة وقرأ الحسن وطلحة ومعمر بن سليمان نملة والنمل بضم الميم وفتح النون بزنة رجل وسمرة وقرأ سليمان التيمى بضمتين فيهما


"""""" صفحة رقم 131 """"""
) لا يحطمنكم سليمان وجنوده ( الحطم الكسر يقال حطمته حطما أى كسرته كسرا وتحطم تكسر وهذا النهى هو فى الظاهر للنمل وفى الحقيقة لسليمان فهو من باب لا أرينك هاهنا ويجوز أن يكون بدلا من الأمر ويحتمل أن يكون جوابا للأمر قال أبو حيان أما تخريجه على جواب الأمر فلا يكون إلا على قراءة الأعمش فإنه قرأ لايحطمكم بالجزم بدون نون التوكيد وأما مع وجود نون التوكيد فلا يجوز ذلك إلا فى الشعر قال سيبويه وهو قليل فى الشعر شبهوه بالنهى حيث كان مجزوما وقرأ أبى ادخلوا مساكنكن وقرأ شهر بن حوشب مسكنكم وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى الهمذانى لايحطمنكم بضم الياء وفتح الحاء وتشديد الطاء وقرأ ابن أبى إسحاق ويعقوب وأبو عمرو فى رواية بسكون نون التوكيد وجملة ) وهم لا يشعرون ( فى محل نصب علي الحال من فاعل يحطمنكم أى لايشعرون بحطمكم ولايعلمون بمكانكم وقيل إن المعنى والنمل لايشعرون أن سليمان يفهم مقالتها وهو بعيد
النمل : ( 19 ) فتبسم ضاحكا من . . . . .
) فتبسم ضاحكا من قولها ( قرأ ابن السميفع ضحكا وعلى قراءة الجمهور يكون ضاحكا حالا مؤكدة لأنه قد فهم الضحك من التبسم وقيل هي حال مقدرة لأن التبسم أول الضحك وقيل لما كان التبسم قد يكون للغضب كان الضحك مبينا له وقيل إن ضحك الأنبياء هو التبسم لاغير وعلى قراءة ابن السميفع يكون ضحكا مصدرا منصوبا بفعل محذوف أو فى موضع الحال وكان ضحك سليمان تعجبا من قولها وفهمها واهتدائها إلى تحذير النمل ) وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ( قد تقدم بيان معنى أوزعنى قريبا فى قوله فهم يوزعون قال فى الكشاف وحقيقة أوزعنى اجعلنى أزع شكر نعمك عندى وأكفه وأرتبطه لاينفلت عنى حتى لا أنفك شاكرا لك انتهى قال الواحدى أوزعنى أى ألهمنى أن اشكر نعمتك على يقال موزع بكذا أى مولع به انتهى قال القرطبى وأصله من وزع فكأنه قال كفني عما يسخطك انتهى والمفعول الثانى لأوزعنى هو أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وقال الزجاج إن معنى أوزعنى امنعنى أن أكفر نعمتك وهو تفسير باللازم ومعنى وعلى والدي الدعاء منه بأن يوزعه الله شكر نعمته على والديه كما أوزعه شكر نعمته عليه فإن الإنعام عليهما إنعام عليه وذلك يستوجب الشكر منه لله سبحانه ثم طلب أن يضيف الله له لواحق نعمه إلى سوابقها ولا سيما النعم الدينية فقال ) وأن أعمل صالحا ترضاه ( أي عملا صالحا ترضاه منى ثم دعا أن يجعله الله سبحانه في الآخرة داخلا في زمرة الصالحين فإن ذلك هو الغاية التي يتعلق الطلب بها فقال ) وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ( والمعنى أدخلني في جملتهم وأثبت اسمى في أسمائهم واحشرني في زمرتهم إلى دار الصالحين وهي الجنة اللهم وإني أدعوك بما دعاك به هذا النبي الكريم فتقبل ذلك مني وتفضل على به فإني وإن كنت مقصرا في العمل ففضلك هو سبب الفوز بالخير فهذه الآية منادية بأعلى صوت وأوضح بيان بأن دخول الجنة التي هي دار المؤمنين بالتفضل منك لا بالعمل منهم كما قال رسولك الصادق المصدوق فيما ثبت عنه في الصحيح سددوا وقاربوا واعلموا أن لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته فإذا لم يكن إلا تفضلك الواسع فترك طلبه منك عجز والتفريط في التوسل إليك بالإيصال إليه تضييع
النمل : ( 20 ) وتفقد الطير فقال . . . . .
ثم شرع سبحانه في ذكر قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد فقال ) وتفقد الطير ( التفقد تطلب ما غاب عنك وتعرف أحواله والطير اسم جنس لكل ما يطير والمعنى أنه تطلب ما فقد من الطير وتعرف حال ما غاب منها وكانت الطير تصحبه في سفره وتظله بأجنحتها ) فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ( أي


"""""" صفحة رقم 132 """"""
ما للهدهد لا أراه فهذا الكلام من الكلام المقلوب الذي تستعمله العرب كثيرا وقيل لا حاجة إلى ادعاء القلب بل هو استفهام عن المانع له من رؤية الهدهد كأن قال مالى لا أراه هل ذلك لساتر يستره عني أو لشيء آخر ثم ظهر له أنه غائب فقال أم كان من الغائبين وأم هي المنقطعة التي بمعنى الإضراب قرأ ابن كثير وابن محيصن وهشام وأيوب مالى بفتح الياء وكذلك قرءوا في يس ومالى لاأعبد الذي فطرني بفتح الياء وقرأ بإسكانها في الموضعين حمزة والكسائي ويعقوب وقرأ الباقون بفتح التي في يس وإسكان التي هنا قال أبو عمرو لأن هذه التي هنا استفهام والتي في يس نفى واختار أبو حاتم وأبو عبيد الإسكان
النمل : ( 21 ) لأعذبنه عذابا شديدا . . . . .
) لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه (
اختلفوا في هذا العذاب الشديد ما هو فقال مجاهد وابن جريج هو أن ينتف ريشه جميعا وقال يزيد بن رومان هو أن ينتف ريش جناحيه وقيل هو أن يحبسه مع أضداده وقيل أن يمنعه من خدمته وفي هذا دليل على أن العقوبة على قدر الذنب لا على قدر الجسد وقوله عذابا اسم مصدر أو مصدر على حذف الزوائد كقوله ) أنبتكم من الأرض نباتا ( ) أو ليأتيني بسلطان مبين ( قرأ ابن كثير وحده بنون التأكيد المشددة بعدها نون الوقاية وقرأ الباقون بنون مشددة فقط وهي نون التوكيد وقرأ عيسى ابن عمر بنون مشددة مفتوحة غير موصولة بالياء والسلطان المبين هو الحجة البينة في غيبته
النمل : ( 22 ) فمكث غير بعيد . . . . .
) فمكث غير بعيد ( أى الهدهد مكث زمانا غير بعيد قرأ الجمهور مكث بضم الكاف وقرأ عاصم وحده بفتحها ومعناه في القراءتين أقام زمانا غير بعيد قال سيبويه مكث يمكث مكوثا كقعد يقعد قعودا وقيل إن الضمير في مكث لسليمان والمعنى بقى سليمان بعد التفقد والتوعد زمانا غير طويل والأول أولى ) فقال أحطت بما لم تحط به ( أي علمت مالم تعلمه من الأمر والإحاطة العلم بالشيء من جميع جهاته ولعل في الكلام حذفا والتقدير فمكث الهدهد غير بعيد فجاء فعوتب على مغيبه فقال معتذرا عن ذلك ) أحطت بما لم تحط به ( قال الفراء ويجوز إدغام التاء في الطاء فيقال أحط وإدغام الطاء في التاء فيقال أحت ) وجئتك من سبإ بنبإ يقين ( قرأ الجمهور من سبأ بالصرف على أنه اسم رجل نسب إليه قوم ومنه قول الشاعر الواردون وتيم في ذرى سبأ
قد غض أعناقهم جلد الجواميس
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الهمزة وترك الصرف على أنه اسم مدينة وأنكر الزجاج أن يكون اسم الرجل وقال سبأ اسم مدينة تعرف بمأرب اليمن بينهما وبين صنعاء ثلاثة أيام وقيل هو اسم امرأة سميت بها المدينة قال القرطبي والصحيح أنه اسم رجل كما في كتاب الترمذي من حديث فروة بن مسيك المرادي قال ابن عطية وخفى هذا على الزجاج فخبط خبط عشواء وزعم الفراء أن الرؤاسى سأل أبا عمرو بن العلاء عن سبأ فقال ما أدرى ما هو قال النحاس وأبو عمرو أجل من أن يقول هذا قال والقول في سبأ ما جاء التوقيف فيه أنه في الأصل اسم رجل فإن صرفته فلأنه قد صار اسما للحي وإن لم تصرفه جعلته اسما للقبيلة مثل ثمود إلا أن الاختيار عند سيبويه الصرف انتهى
وأقول لا شك أن سبأ اسم لمدينة باليمن كانت فيها بلقيس وهو أيضا اسم رجل من قحطان وهو سبأ بن


"""""" صفحة رقم 133 """"""
يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود ولكن المراد هنا أن الهدهد جاء إلى سليمان بخبر ما عاينه في مدينة سبأ مما وصفه وسيأتي في آخر هذا البحث من المأثور ما يوضح هذا ويؤيده ومعنى الآية أن الهدهد جاء سليمان من هذه المدينة بخبر يقين والنبأ هو الخبر الخطير الشأن فلما قال الهدهد لسليمان ما قال قال له سليمان وما ذاك
النمل : ( 23 ) إني وجدت امرأة . . . . .
فقال ) إني وجدت امرأة تملكهم ( وهي بلقيس بنت شرحبيل وجدها الهدهد تملك أهل سبأ والجملة هذه كالبيان والتفسير للجملة التي قبلها أى ذلك النبأ اليقين هو كون هذه المرأة تملك هؤلاء ) وأوتيت من كل شيء ولها ( مبالغة والمراد أنها أوتيت من كل شيء من الأشياء التي تحتاجها وقيل المعنى أوتيت من كل شيء في زمانها شيئا فحذف شيئا لأن الكلام قد دل عليه ) ولها عرش عظيم ( أي سرير عظيم ووصفه بالعظم لأنه كما قيل كان من ذهب طوله ثمانون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا وارتفاعه في السماء ثلاثون ذراعا مكلل بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر وقيل المراد بالعرش هنا الملك والأول أولى لقوله ) أيكم يأتيني بعرشها ( قال ابن عطية واللازم من الآية أنها امرأة ملكة على مدائن اليمن ذات ملك عظيم وسرير عظيم وكانت كافرة من قوم كفارا
النمل : ( 24 ) وجدتها وقومها يسجدون . . . . .
) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ( أي يعبدونها متجاوزين عبادة الله سبحانه قيل كانوا مجوسا وقيل زنادقة ) وزين لهم الشيطان أعمالهم ( التي يعملونها وهي عبادة الشمس وسائر أعمال الكفر ) فصدهم عن السبيل ( أي صدهم الشيطان بسبب ذلك التزيين عن الطريق الواضح وهو الإيمان بالله وتوحيده ) فهم لا يهتدون ( إلى ذلك
النمل : ( 25 ) ألا يسجدوا لله . . . . .
) ألا يسجدوا ( قرأ الجمهور بتشديد ألا قال ابن الأنباري الوقف على فهم لا يهتدون غير تام عند من شدد ألا لأن المعنى وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا قال النحاس هي أن دخلت عليها لا وهي في موضع نصب قال الأخفش أي زين لهم أن لا يسجدوا لله بمعنى لئلا يسجدوا لله وقال الكسائي هي في موضع نصب بصدهم أي فصدهم ألا يسجدوا بمعنى لئلا يسجدوا فهو على الوجهين مفعول له وقال اليزيدي إنه بدل من أعمالهم في موضع نصب وقال أبو عمرو في موضع خفض على البدل من السبيل وقيل العامل فيها لايهتدون أى فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله وتكون لا على هذا زائدة كقوله ) ما منعك ألا تسجد ( وعلى قراءة الجمهور ليس هذه الآية موضع سجدة لأن ذلك إخبار عنهم بترك السجود إما بالتزيين أو بالصد أو بمنع الاهتداء وقد رجح كونه علة للصد الزجاج ورجح الفراء كونه علة لزين قال زين لهم أعمالهم لئلا يسجدوا ثم حذفت اللام وقرأ الزهرى والكسائى بتخفيف ألا قال الكسائى ما كنت أسمع الأشياخ يقرءونها إلا بالتخفيف على نية الأمر فتكون ألا على هذه القراءة حرف تنبيه واستفتاح وما بعدها حرف نداء واسجدوا فعل أمر وكان حق الخط على هذه القراءة أن يكون هكذا ألا يا اسجدوا ولكن الصحابة رضى الله عنهم أسقطوا الألف من يا وهمزة الوصل من اسجدوا خطأ ووصلوا الياء بسين اسجدوا فصارت صورة الخط ألا يسجدوا والمنادى محذوف وتقديره ألا يا هؤلاء اسجدوا وقد حذفت العرب المنادى كثيرا في كلامها ومنه قول الشاعر ألا يا اسلمى يا دار مي على البلى
ولا زال منهلا بجرعائك القطر
وقل الآخر ألا يا اسلمى ثم اسلمى ثمت اسلمى
ثلاث تحيات وإن لم تكلم
وقول الآخر أيضا ألا يا اسلمى يا هند هند بنى بكر
وهو كثير في أشعارهم قال الزجاج وقراءة التخفيف تقتضي وجوب السجود دون قراءة التشديد واختار أبو حاتم وأبو عبيد قراءة التشديد قال الزجاج ولقراءة التخفيف وجه حسن إلا أن فيها انقطاع الخبر عن أمر سبأ ثم الرجوع بعد ذلك إلى ذكرهم


"""""" صفحة رقم 134 """"""
والقراءة بالتشديد خبر يتبع بعضه بعضا لا انقطاع في وسطه وكذا قال النحاس وعلى هذه القراءة تكون جملة ألا يسجدوا معترضة من كلام الهدهد أو من كلام سليمان أو من كلام الله سبحانه وفي قراءة عبد الله بن مسعود هل لا تسجدوا بالفوقية وفي قراءة أبي ألا تسجدوا بالفوقية أيضا الذي يخرج الخبء في السموات والأرض أي يظهر ما هو مخبوء ومخفي فيهما يقال خبأت الشيء أخبؤه خبأ والخبء ما خبأته قال الزجاج جاء في التفسير أن الخبء ها هنا بمعنى القطر من السماء والنبات من الأرض وقيل خبء الأرض كنوزها ونباتها وقال قتادة الخبء السر قال النحاس أي ما غاب في السموات والأرض وقرأ أبي وعيسى بن عمر الخب بفتح الباء من غير همز تخفيفا وقرأ عبدالله وعكرمة ومالك بن دينار الخبا بالألف قال أبو حاتم وهذا لا يجوز في العربية ورد عليه بأن سيبويه حكى عن العرب أن الألف تبدل من الهمزة إذا كان قبلها ساكن وفي قراءة عبد الله ) يخرج الخبء في السماوات والأرض ( قال الفراء ومن وفي يتعاقبان والموصول يجوز أن يكون في محل جر نعتا لله سبحانه أو بدلا منه أو بيانا له ويجوز أن يكون في محل نصب على المدح ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وجملة ) ويعلم ما تخفون وما تعلنون ( معطوفة على يخرج قرأ الجمهور بالتحتية في الفعلين وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وحفص والكسائي بالفوقية للخطاب أما القراءة الأولى فلكون الضمائر المتقدمة ضمائر غيبة وأما القراءة الثانية فلكون قراءة الزهرى والكسائى فيها الأمر بالسجود والخطاب لهم بذلك فهذا عندهم من تمام ذلك الخطاب والمعنى أن الله سبحانه يخرج ما في هذا العالم الإنساني من الخفاء بعلمه له كما يخرج ما خفى في السموات والأرض
النمل : ( 26 ) الله لا إله . . . . .
ثم بعد ما وصف الرب سبحانه بما تقدم مما يدل على عظيم قدرته وجليل سلطانه ووجوب توحيده وتخصيصه بالعبادة قال ) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ( قرأ الجمهور العظيم بالجر نعتا للعرش وقرأ ابن محيصن بالرفع نعتا للرب وخص العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات كما ثبت ذلك في المرفوع إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إن الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل قال الله عز وجل ) ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ( وأى نعمة أفضل مما أعطى داود وسليمان
أقول ليس في الآية ما يدل على ما فهمه رحمه الله والذي تدل عليه أنهما حمدا الله سبحانه على ما فضلهما به من النعم فمن أين تدل على أن حمده أفضل من نعمته وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عن قتادة في قوله ) وورث سليمان داود ( قال ورثه نبوته وملكه وعلمه وأخرج ابن أبى شيبة وأحمد في الزهد وابن أبى حاتم عن أبى الصديق الناجي قال خرج سليمان بن داود يستسقى بالناس فمر على نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك فإما أن تسقينا وإما أن تهلكنا فقال سليمان للناس ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم وأخرج الحاكم في المستدرك عن جعفر بن محمد قال أعطى سليمان ملك مشارق الأرض ومغاربها فملك سليمان سبعمائة سنة وستة أشهر ملك أهل الدنيا كلهم من الجن والإنس والدواب والطير والسباع وأعطى كل شيء ومنطق كل شيء وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة حتى إذا أراد الله أن يقبضه إليه أوحى إليه أن يستودع علم الله وحكمته أخاه وولد داود كانوا أربعمائة وثمانين رجلا أنبياء بلا رسالة قال الذهبى هذا باطل وقد رويت قصص في عظم ملك سليمان لا تطيب النفس بذكر شيء منها فالإمساك عن ذكرها أولى وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله


"""""" صفحة رقم 135 """"""
) فهم يوزعون ( قال يدفعون وأخرج ابن جرير عنه في قوله ) فهم يوزعون ( قال جعل لكل صنف وزعة ترد أولاها على أخراها لئلا تتقدمه في السير كما تصنع الملوك وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عن قتادة في قوله أوزعنى قال أهلمنى وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس أنه سئل كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير قال إن سليمان نزل منزلا فلم يدر ما بعد الماء وكان الهدهد يدل سليمان على الماء فأراد أن يسأله عنه ففقده قيل كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ يلقى عليه التراب ويضع له الصبى الحبالة فيغيبها فيصيده فقال إذا جاء القضاء ذهب البصر وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ) لأعذبنه عذابا شديدا ( قال أنتف ريشه كله وروى نحو هذا عن جماع من التابعين وروى ابن أبى حاتم عن الحسن قال كان اسم هدهد سليمان غبر
وأقول من أين جاء علم هذا للحسن رحمه الله وهكذا ما رواه عنه ابن عساكر أن اسم النملة حرس وأنها من قبيلة يقال لها بنو الشيصان وأنها كانت عرجاء وكانت بقدر الذئب وهو رحمه الله أورع الناس عن نقل الكذب ونحن نعلم أنه لم يصح عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ذلك شيء ونعلم أنه ليس للحسن إسناد متصل بسليمان أو بأحد من أصحابه فهذا العلم مأخوذ من أهل الكتاب وقد أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم فإن ترحض مترخص بالرواية عنهم لمثل ماروى حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج فليس ذلك فيما يتعلق بتفسير كتاب الله سبحانه بلا شك بل فيما يذكر عنهم من القصص الواقعة لهم وقد كررنا التنبيه على مثل هذا عند عروض ذكر التفاسير الغريبة وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس في قوله ) أو ليأتيني بسلطان مبين ( قال خبر الحق الصدق البين وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال قال ابن عباس كل سلطان في القرآن حجة وذكر هذه الآية ثم قال وأي سلطان كان للهدهد يعنى أن المراد بالسلطان الحجة لا السلطان الذي هو الملك وأخرج ابن أبى حاتم عنه في قوله ) أحطت بما لم تحط به ( قال اطلعت على ما لم تطلع عليه وأخرج ابن المنذر وابن أبى حاتم عنه أيضا ) وجئتك من سبإ ( قال سبأ بأرض اليمن يقال لها مأرب بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال ) بنبإ يقين ( قال بخبر حق وأخرج ابن أبى شيبة وابن المنذر عنه أيضا ) إني وجدت امرأة تملكهم ( قال كان اسمها بلقيس بنت ذى شيرة وكانت صلباء شعراء وروى عن الحسن وقتادة وزهير بن محمد أنها بلقيس بنت شراحيل وعن ابن جريج بنت ذى شرح وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه وابن عساكر عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم إحدى أبوى بلقيس كان جنيا وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ) ولها عرش عظيم ( قال سرير كريم من ذهب وقوائمه من جوهر ولؤلؤ حسن الصنعة غالى الثمن وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عنه في قوله ) يخرج الخبء ( قال يعلم كل خبيئة في السماء والأرض
سورة النمل الآية ( 27 31 )


"""""" صفحة رقم 136 """"""
سورة النمل ( 32 40 )
النمل : ( 27 ) قال سننظر أصدقت . . . . .
جملة ) قال سننظر ( مستأنفة جواب سؤال مقدر أى قال سليمان للهدهد سننظر فيما أخبرتنا به من هذه القصة ) أصدقت ( فيما قلت ) أم كنت من الكاذبين ( هذه الجملة الاستفهامية في محل نصب على أنها مفعول سننظر وأم هي المتصلة وقوله ) أم كنت من الكاذبين ( أبلغ من قوله أم كذبت لأن المعنى من الذين اتصفوا بالكذب وصار خلقا لهم والنظر هو التأمل والتصفح وفيه إرشاد إلى البحث عن الأخبار والكشف عن الحقائق وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم واعتماد عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه
النمل : ( 28 ) اذهب بكتابي هذا . . . . .
ثم بين سليمان هذا النظر الذي وعد به فقال ) اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ( أى إلى أهل سبأ قال الزجاج في ألقه خمسة أوجه إثبات الياء في اللفظ وحذفها وإثبات الكسرة للدلالة عليها وبضم الهاء وإثبات الواو وبحذف الواو وإثبات الضمة للدلالة عليها وبإسكان الهاء وقرأ بهذه اللغة الخامسة أبو عمرو وحمزة وأبو بكر وقرأ قالون بكسر الهاء فقط من غير ياء وروى عن هشام وجهان إثبات الياء لفظا وحذفها مع كسر الهاء وقرأ الباقون بإثبات الياء في اللفظ وقوله ) بكتابي هذا ( يحتمل أن يكون اسم الاشارة صفة للكتاب وأن يكون بدلا منه وأن يكون بيانا له وخص الهدهد بإرساله بالكتاب لأنه المخبر بالقصة ولكونه رأى منه من مخايل الفهم والعلم ما يقتضي كونه أهلا للرسالة ) ثم تول عنهم ( أى تنح عنهم أمره بذلك لكون التنحى بعد دفع الكتاب من أحسن الآداب التي يتأدب بها رسل الملوك والمراد التنحى إلى مكان يسمع فيه حديثهم حتى يخبر سليمان بما سمع وقيل معنى التولى الرجوع إليه والأول أولى لقوله ) فانظر ماذا يرجعون ( أي تأمل وتفكر فيما يرجع بعضهم إلى بعض من القول وما يتراجعونه بينهم من الكلام
النمل : ( 29 ) قالت يا أيها . . . . .
) قالت ( أي بلقيس ) يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ( في الكلام حذف


"""""" صفحة رقم 137 """"""
وتفسير فذهب الهدهد فألقاه إليهم فسمعها تقول يا أيها الملأ الخ ووصفت الكتاب بالكريم لكن عند عظيم في نفسها فعظمته إجلالا لسليمان وقيل وصفته بذلك لاشتماله على كلام حسن وقيل وصفته لكونه وصل إليها مختوما بخاتم سليمان وكرامة الكتاب ختمه كما روى ذلك مرفوعا
النمل : ( 30 ) إنه من سليمان . . . . .
ثم بينت ما تضمنه الكتاب فقالت ) إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ( أي وإن ما اشتمل عليه من الكلام وتضمنه من مفتتح بالتسمية وبعد التسمية
النمل : ( 31 ) ألا تعلوا علي . . . . .
) وأن لا تعلوا على ( أى لا تتكبروا كما يفعله جبابرة الملوك وأن هي المفسرة مصدرية ولا ناهية وقيل نافية ومحل الجملة الرفع على أنها بدل من كتاب أو خبر مبتدأ محذوف أي لا تعلوا قرأ الجمهور ) إنه من سليمان وإنه ( بكسرهما على الاستئناف وقرأ عكرمة وابن أبى عبلة بفتحهم إسقاط حرف الجر وقرأ أبى إن من سليمان وإن بسم الله بحذف الضميرين وإسكان النونين على أنهما مفسرة وقرأ عبد الله بن مسعود وإنه من سليمان بزيادة الواو وروى ذلك أيضا عن أبى وقرأ أشهب العقيلى السميفع أن لا تغلوا بالغين المعجمة من الغلو وهو تجاوز الحد في الكبر وأتوني مسلمين أى منقادين لي مؤمنين بما جئت به
النمل : ( 32 ) قالت يا أيها . . . . .
) قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ( الملأ أشراف القوم والمعنى يا أيها الأشراف أشيروا وبينوا لي الصواب في هذا الأمر وأجيبوني بما يقتضيه الحزم وعبرت عن المشورة بالفتوى لكون في ذلك لما أشكل من الأمر عليها وفي الكلام حذف والتقدير فلما قرأت بلقيس الكتاب جمعت أشراف قومها وقالت لهم يا أيها الملأ إنى ألقى إلى يا أيها الملأ افتونى وكرر قالت لمزيد العناية بما قالته لهم ثم زادت في التأمل واستجلاب خواطرهم ليمحضوها النصح ويشيروا عليها بالصواب فقالت ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون وما كنت مبرمة أمرا من الأمور حتى تحضروا عندى وتشيروا على
النمل : ( 33 ) قالوا نحن أولوا . . . . .
فقالوا مجيبين لها ) نحن أولوا قوة ( في العتاد والعدة ) وأولو بأس شديد ( عند الحرب واللقاء لنا من الشجاعة والنجدة ما نمنع به أنفسنا وبلدنا ومملكتنا فوضوا الأمر إليها لعلمهم بصحة رأيها وقوة عقلها فقالوا ) والأمر إليك ( أي موكول إلى رأيك ونظرك ) فانظري ماذا تأمرين ( أى تأملي ماذا تأمرينا به فنحن سامعون لأمرك مطيعون له
النمل : ( 34 ) قالت إن الملوك . . . . .
فلما سمعت تفويضهم الأمر إليها ) قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ( أى إذا دخلوا قرية من القرى خربوا مبانيها وغيروا مغانيها وأتلفوا أموالها وفرقوا شمل أهلها ) وجعلوا أعزة أهلها أذلة ( أي أهانوا أشرافها وحطوا مراتبهم فصاروا عند ذلك أذلاء وإنما يفعلون ذلك لأجل أن يتم لهم الملك وتستحكم لهم الوطأة وتتقرر لهم في قلوبهم المهابة قال الزجاج أى إذ دخلوها عنوة عن قتال وغلبة والمقصود من قولها هذا تحذير قومها من مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم وقد صدقها الله سبحانه فيما قالت فقال سبحانه ) وكذلك يفعلون ( أي مثل ذلك الفعل يفعلون قال ابن الأنبارى الوقف على قوله ) وجعلوا أعزة أهلها أذلة ( وقف تام فقال الله عز وجل تحقيقا لقولها ) وكذلك يفعلون ( وقيل هذه الجملة من تمام كلامها فتكون من جملة مقول قولها وعلى القول الأول تكون هذه الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب
النمل : ( 35 ) وإني مرسلة إليهم . . . . .
ثم لما قدمت لهم هذه المقدمة وبينت لهم ما في دخول الملوك إلى أرضهم من المفسدة أوضحت لهم وجه الرأى عندها وصرحت لهم بصوابه فقالت ) وإني مرسلة إليهم بهدية ( أى إنى أجرب هذا الرجل بإرسال رسلى إليه بهدية مشتملة على نفائس الأموال فإن كان ملكا أرضيناه بذلك وكفينا أمره وإن كان نبيا لم يرضه ذلك لأن غاية مطلبه ومنتهى أربه هو الدعاء إلى الدين فلا ينجينا منه إلا إجابته ومتابعته والتدين بدينه وسلوك طريقته ولهذا قالت ) فناظرة بم يرجع المرسلون ( الفاء للعطف على مرسلة وبم متعلق بيرجع والمعنى إنى ناظرة فيما يرجع به رسلى المرسلون بالهدية من قبول أو رد فعاملة بما يقتضيه ذلك وقد طول المفسرون في ذكر


"""""" صفحة رقم 138 """"""
هذه الهدية وسيأتي في آخر البحث بيان ما هو أقرب ما قيل إلى الصواب والصحة
النمل : ( 36 ) فلما جاء سليمان . . . . .
) فلما جاء سليمان ( أى فلما جاء رسولها المرسل بالهدية سليمان والمراد بهذا المضمر الجنس فلا ينافى كونهم جماعة كما يدل عليه قولها ) بم يرجع المرسلون ( وقرأ عبد الله ? فلما جاءوا سليمان ? أي الرسل وجملة ) قال أتمدونن بمال ( مستأنفة جواب سؤال مقدر والاستفهام للإستنكار أى قال منكرا لإمدادهم له بالمال مع علو سلطانه وكثرة ماله وقرأ حمزة بإدغام نون الإعراب في نون الوقاية والباقون بنونين من غير إدغام وأما الياء فإن نافعا وأبا عمرو وحمزة يثبتونها وصلا ويحذفونها وقفا وابن كثير يثبتها في الحالين والباقون يحذفونها في الحالين وروى عن نافع أن يقرأ بنون واحدة ) فما آتاني الله خير مما آتاكم ( أى ما آتانى من النبوة والملك العظيم والأموال الكثيرة خير مما آتاكم من المال الذي هذه الهدية من جملته قرأ أبو عمرو ونافع وحفص آتاني الله بياء مفتوحة وقرأ يعقوب بإثباتها في الوقف وحذفها في الوصل وقرأ الباقون بغير ياء في الوصل والوقف ثم إنه أضرب عن الإنكار المتقدم فقال ) بل أنتم بهديتكم تفرحون ( توبيخا لهم بفرحهم بهذه الهدية فرح فخر وخيلاء وأما أنا فلا أفرح بها وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد أعطاني منها ما لم يعطه أحدا من العالمين ومع ذلك أكرمنى بالنبوة والمراد بهذا الإضراب من سليمان بيان السبب الحامل لهم على الهدية مع الإزراء بهم والحط عليهم
النمل : ( 37 ) ارجع إليهم فلنأتينهم . . . . .
) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ( أى قال سليمان للرسول ارجع إليهم أى إلى بلقيس وقومها وخاطب المفرد هاهنا بعد خطابه للجماعة فيما قبل إما لأن الذي سيرجع هو الرسول فقط أو خص أمير الرسل بالخطاب هنا وخاطبهم معه فيما سبق افتنانا في الكلام وقرأ عبدالله بن عباس ارجعوا وقيل إن الضمير يرجع إلى الهدهد واللام في لنأتينهم جواب قسم محذوف قال النحاس وسمعت ابن كيسان يقول هي لام توكيد ولام أمر ولام خفض وهذا قول الحذاق من النحويين لأنهم يردون الشيء إلى أصله وهذا لا يتهيأ إلا لمن درب في العربية ومعنى لا قبل لهم لا طاقة لهم بها والجملة فى محل جر صفة لجنود ) ولنخرجنهم ( معطوف على جواب القسم أى لنخرجنهم من أرضهم التى هم فيها ) أذلة ( أى حال كونهم أذلة بعد ماكانوا أعزة وجملة ) وهم صاغرون ( فى محل نصب علي الحال قيل وهى حال مؤكدة لأن الصغار هو الذلة وقيل إن المراد بالصغار هنا الأسر والاستعباد وقيل إن الصغار الإهانة التى تسبب عنها الذلة
النمل : ( 38 ) قال يا أيها . . . . .
ولما رجع الرسول إلى بلقيس تجهزت للمسير إلى سليمان وأخبر جبريل سليمان بذلك فقال سليمان ) يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ( أى عرش بلقيس الذى تقدم وصفه بالعظم ) قبل أن يأتوني مسلمين ( أى قبل أن تأتينى هى وقومها مسلمين قيل إنما أراد سليمان أخذ عرشها قبل أن يصلوا إليه ويسلموا لأنها إذا أسلمت وأسلم قومها لم يحل أخذ أموالهم بغير رضاهم قال ابن عطية وظاهر الروايات أن هذه المقالة من سليمان هى بعد مجىء هديتها ورده إياها وبعثه الهدهد بالكتاب وعلى هذا جمهور المتأولين وقيل استدعاء العرش قبل وصولها ليريها القدرة التى هى من عند الله ويجعله دليلا على نبوته وقيل أراد أن يختبر عقلها ولهذا ) قال نكروا لها عرشها ( الخ وقيل أراد أن يختبر صدق الهدهد فى وصفه للعرش بالعظم والقول الأول هو الذى عليه الأكثر
النمل : ( 39 ) قال عفريت من . . . . .
) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ( قرأ الجمهور بكسر العين وسكون الفاء وكسر الراء وسكون المثناة التحتية وبالتاء وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفى وابن السميفع وأبو السمال عفريه بفتح التحتية بعدها تاء تأنيث منقلبة هاء رويت هذه القراءة عن أبى بكر الصديق وقرأ أبو حيان بفتح العين والعفريت المارد الغليظ الشديد قال النحاس يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء عفر وعفرية وقال قتادة هو الداهية وقيل هو رئيس الجن قال ابن عطية وقرأ فرقة عفر بكسر العين جمعه على عفار ومما ورد من أشعار العرب مطابقا لقراءة الجمهور ما أنشده الكسائى


"""""" صفحة رقم 139 """"""
فقال شيطان لهم عفريت
مالكم مكث ولا تبييت
ومما ورد على القراءة الثانية قول ذى الرمة كأنه كوكب فى إثر عفرية
مصوب فى سواد الليل منقضب
ومعنى قول العفريت أنه سيأتى بالعرش إلى سليمان قبل أن يقوم من مجلسه الذي يجلس فيه للحكومة بين الناس ) وإني عليه لقوي أمين ( إنى لقوى على حملة أمين على مافيه قيل اسم هذا العفريت كودن ذكره النحاس عن وهب بن منبه وقال السهيلى ذكوان وقيل اسمه دعوان وقيل صخر وقوله ) آتيك ( فعل مضارع وأصله ءأتيك بهمزتين فأبدلت الثانية ألفا وقيل هو اسم فاعل
النمل : ( 40 ) قال الذي عنده . . . . .
) قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ( قال أكثر المفسرين اسم هذا الذى عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا وهو من بنى إسرائيل وكان وزيرا لسليمان وكان يعلم اسم الله الأعظم الذى إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى قال ابن عطية وقالت فرقة هو سليمان نفسه ويكون الخطاب على هذا للعفريت كأن سليمان استبطأ ما قاله العفريت فقال له تحقيرا له ) أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ( وقيل هو جبريل وقيل الخضر والأول أولى وقد قيل غير ذلك بما لا أصل له والمراد بالطرف تحريك الأجفان وفتحها للنظر وارتداده انضمامها وقيل هو بمعنى المطروف أى الشىء الذى ينظره وقيل هو نفس الجفن عبر به عن سرعة الأمر كما تقول لصاحبك افعل ذلك فى لحظة قاله مجاهد وقال سعيد بن جبير إنه قال لسليمان انظر إلى السماء فما طرف حتى جاء به فوضعه بين يديه والمعنى حتى يعود إليك طرفك بعد مده إلى السماء والأول أولى هذه الأقوال ثم الثالث ) فلما رآه مستقرا عنده ( قيل فى الآية حذف والتقدير فأذن له سليمان فدعا الله فأتى به فلما رآه سليمان مستقرا عنده أى رأى العرش حاضرا لديه ) قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ( الإشارة بقوله هذا إلى حضور العرش ليبلونى أى ليختبرنى أشكره بذلك وأعترف أنه من فضله من غير حول منى ولا قوة أم أكفر بترك الشكر وعدم القيام به قال الأخفش المعنى لينظر أأشكر أم أكفر وقال غيره معنى ليبلونى ليتعبدنى وهو مجاز والأصل فى الابتلاء الاختبار ) ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ( لأنه استحق بالشكر تمام النعمة ودوامها والمعنى أنه لايرجع نفع ذلك إلا إلى الشاكر ) ومن كفر ( بترك الشكر ) فإن ربي غني ( عن شكره كريم فى ترك المعالجة بالعقوبة بنزع نعمة عنه وسلبه ما أعطاه منها وأم فى أم أكفر هى المتصلة
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله ) اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم ( يقول كن قريبا منهم ) فانظر ماذا يرجعون ( فانطلق بالكتاب حتى إذا توسط عرشها ألقى الكتاب إليها فقرئ عليها فإذا فيه ) إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ( وأخرج ابن مردويه عنه ) كتاب كريم ( قال مختوم وأخرج ابن أبى حاتم عن ميمون بن مهران أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) كان يكتب باسمك اللهم حتى نزلت ) إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ( وأخرج أبو داود فى مراسيله عن أبي مالك مرفرعا مثله وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله ) أفتوني في أمري ( قال جمعت رءوس مملكتها فشاورتهم في رأيها فأجمع رأيهم ورأيها على أن يغزوه فسارت حتى إذا كانت قريبة قالت أرسل إليه بهدية فإن قبلها فهو ملك أقاتله وإن ردها تابعته فهو نبي فلما دنت رسلها من سليمان علم خبرهم فأمر الشياطين فموهوا ألف قصر من ذهب وفضة فلما رأت رسلها قصور الذهب قالوا مايصنع هذا بهديتنا وقصوره ذهب وفضة فلما دخلوا عليه بهديتها ) قال أتمدونن بمال ( ثم قال سليمان ) أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ( فقال كاتب سليمان ارفع


"""""" صفحة رقم 140 """"""
بصرك فرفع بصره فلما رجع إليه طرفه فإذا هو بسرير ) قال نكروا لها عرشها ( فنزع منه فصوصه ومرافقه وما كان عليه من شىء ) قيل لها ( أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأمر الشياطين فجعلوا لها صرحا ممردا من قوارير وجعل فيها تماثيل السمك ) قيل لها ادخلي الصرح ( فكشفت عن ساقيها فإذا فيها شعر فعند ذلك أمر بصنعة النورة فصنعت فقيل لها ) إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ( وأخرج ابن أبى شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عنه فى قوله ) إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ( قال إذا أخذوها عنوة أخربوها وأخرج ابن أبى حاتم عنه أيضا قال يقول الرب تبارك وتعالى ) وكذلك يفعلون ( وأخرج ابن أبى شيبة فى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم عنه أيضا فى قوله ) وإني مرسلة إليهم بهدية ( قال أرسلت بلبنة من ذهب فلما قدموا إذا حيطان المدينة من ذهب فذلك قوله ) أتمدونن بمال ( الآية وقال ثابت البناني أهدت له صفائح الذهب فى أوعية الديباج وقال مجاهد جوارى لباسهن لباس الغلمان وغلمان لباسهم لباس الجوارى وقال عكرمة أهدت مائتى فرس على كل فرس غلام وجارية وعلى كل فرس لون ليس على الاخر وقال سعيد بن جبير كانت الهدية جواهر وقيل غير ذلك مما لافائدة فى التطويل بذكره وأخرج ابن المنذر من طريق على بن أبى طلحة عن ابن عباس فى قوله ) قبل أن يأتوني مسلمين ( قال طائعين وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عنه قال اسم العفريت صخر وأخرج ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم عنه أيضا ) قبل أن تقوم من مقامك ( قال من مجلسك وأخرج ابن أبى حاتم عنه أيضا ) قال الذي عنده علم من الكتاب ( قال هو آصف بن برخيا وكان صديقا يعلم الاسم الأعظم وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن مجاهد قال فى قراءة ابن مسعود قال الذى عنده علم من الكتاب أنا أنظر فى كتاب ربى ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك قال فتكلم ذلك العالم بكلام دخل العرش فى نفق تحت الأرض حتى خرج إليهم وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس فى قوله ) قبل أن يرتد إليك طرفك ( قال قال لسليمان انظر إلى السماء قال فما أطرف حتى جاءه به فوضعه بين يديه وأخرج ابن شيبة وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس قال لم يجر عرش صاحبة سبأ بين الأرض والسماء ولكن انشقت به الأرض فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدى سليمان
سورة النمل ( 41 44 )
النمل : ( 41 ) قال نكروا لها . . . . .
قوله ) نكروا لها عرشها ( التنكير التعيير يقول غيروا سريرها إلى حال تنكره إذا رأته قيل جعل أعلاه أسلفه وأسفله أعلاه وقيل غير بزيادة ونقصان قال الفراء وغيره إنما أمر بتنكيره لأن الشياطين قالوا له إن فى عقلها


"""""" صفحة رقم 141 """"""
شيئا فأراد أن يمتحنها وقيل خافت الجن أن يتزوج بها سليمان فيولد له منها ولد فيبقون مسخرين لآل سليمان أبدا فقالوا لسليمان إنها ضعيفة العقل ورجلها كرجل الحمار وقوله ننظر بالجزم على أنه جواب الأمر وبالجزم قرأ الجمهور وقرأ أبو حيان بالرفع على الاستئناف أتهتدي إلى معرفته أو إلى الإيمان بالله ) أم تكون من الذين لا يهتدون ( إلى ذلك
النمل : ( 42 ) فلما جاءت قيل . . . . .
(فلما جاءت) أي بلقيس إلى سليمان قيل لها والقائل هو سليمان أو غيره بأمره أهكذا عرشك لم يقل هذا عرشك لئلا يكون ذلك تلقينا لها فلا يتم الاختبار لعقلها قالت كأنه هو قال مجاهد جعلت تعرف وتنكر وتعجب من حضوره عند سليمان فقالت كأنه هو وقال مقاتل عرفته ولكنه شبهت عليهم كما شبهوا عليها ولو قيل لها أهذا عرشك لقالت نعم وقال عكرمة كانت حكيمة قالت إن قلت هو هو خشيت أن أكذب وإن قلت لا خشيت أن أكذب فقالت كأنه هو وقيل أراد سليمان أن يظهر لها أن الجن مسخرون له ) وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين ( قيل هو من كلام بلقيس أي أوتينا العلم بصحة نبوة سليمان من قبل هذه الاية في العرش وكنا مسلمين منقادين لأمره قيل هو من قول سليمان أي أوتينا العلم بقدرة الله من قبل بلقيس وقيل أوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبلها أي من قبل مجيئها وقيل هو من كلام قوم سليمان والقول الثاني أرجح من سائر الأقوال
النمل : ( 43 ) وصدها ما كانت . . . . .
وصدها ما كانت تعبد من دون الله هذا من كلام الله سبحانه بيان لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام ففاعل صد هو ما كانت تعبد أي منعها من إظهار الإيمان ما كانت تعبده وهي الشمس قال النحاس أي صدها عبادتها من دون الله وقيل فاعل صد هو الله أي منعها الله ما كانت تعبد من دونه فتكون ما في محل نصب وقيل الفاعل سليمان أي ومنعها سليمان ما كانت تعبد والأول أولى والجملة مستأنفة للبيان كما ذكرنا وجملة إنها كانت من قوم كافرين تعليل للجملة الأولى أي سبب تأخرها عن عبادة الله ومنع ما كانت تعبده عن ذلك أنها كانت من قوم متصفين بالكفر قرأ الجمهور إنها بالكسر وقرأ أبو حيان بالفتح وفي هذه القراءة وجهان أحدهما أن الجملة بدل مما كانت تعبد والثاني أن التقدير لأنها كانت تعبد فسقط حرف التعليل
النمل : ( 44 ) قيل لها ادخلي . . . . .
) قيل لها ادخلي الصرح ( قال أبو عبيدة الصرح القصر وقال الزجاج الصرح الصحن يقال هذه صرحة الدار وقاعتها قال ابن قتيبة الصرح بلاط اتخذ لها من قوارير وجعل تحته ماء وسمك وحكى أبو عبيد في الغريب أن الصرح كل بناء عال مرتفع وأن الممرد الطويل ) فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها ( أي فلما رأت الصرح بين يديها حسبت أنه لجة واللجة معظم الماء فلذلك كشفت عن ساقيها لتخوض الماء فلما فعلت ذلك قال سليمان ) إنه صرح ممرد من قوارير ( الممرد المحكوك المملس ومنه الأمرد وتمرد الرجل إذا لم تخرج لحيته قاله الفراء ومنه الشجرة المرداء التي لا ورق لها والممرد أيضا المطول ومنه قيل للحصن ما رد ومنه قول الشاعر غدوت صباحا باكرا فوجدتهم
قبيل الضحى في السابري الممرد
أي الدروع الواسعة الطويلة فلما سمعت بلقيس ذلك أذعنت واستسلمت ) قالت رب إني ظلمت نفسي ( أي بما كنت عليه من عبادة غيرك وقيل بالظن الذي توهمته في سليمان لأنها توهمت أنه أراد تغريقها في اللجة والأول أولى ) وأسلمت مع سليمان ( متابعة له داخلة في دينه لله رب العالمين التفتت من الحطاب إلى الغيبة قيل لإظهار معرفتها بالله والأولى أنها التفتت لما في هذا الاسم الشريف من الدلالة على جميع الأسماء ولكونه علما للذات


"""""" صفحة رقم 142 """"""
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله نكروا لها عرشها قال زيد فيه ونقص ل ننظر أتهتدي قال لننظر إلى عقلها فوجدت ثابتة العقل وأخرج الفريابي وأبن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ) وأوتينا العلم من قبلها ( قال من قول سليمان وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد نحوه وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله فلما رأته حسبته لجة قال بحرا وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في أثر طويل أن سليمان تزوجها بعد ذلك قال أبو بكر ابن أبي شيبة ما أحسنه من حديث قال ابن كثير في تفسيره بعد حكايته لقول أبي بكر بن أبي شيبة بل هو منكر جدا ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس والله أعلم
والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب بما يوجد في صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما الله فيما نقلا إلى هذه الأمة من بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان ومما لم يكن ومما حرف وبدل ونسخ انتهى وكلامه هذا هو شعبة مما قد كررناه في هذا التفسير ونبهنا عليه في عدة مواضع وكنت أظن أنه لم ينبه على ذلك غيري فالحمد لله على الموافقة لمثل هذا الحافظ المنصف وأخرج البخاري في تاريخه والعقيلي عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أول من صنعت له الحمامات سليمان وروى عنه مرفوعا من طريق أخرى رواها الطبراني وابن عدي في الكامل والبيهقي في الشعب بلفظ أول من دخل الحمام سليمان فلما وجد حرة قال أوه من عذاب الله
النمل ( 45 53 )
النمل : ( 45 ) ولقد أرسلنا إلى . . . . .
قوله ولقد ارسلنا معطوف على قوله ) ولقد آتينا داود ( واللام هي الموطئة للقسم وهذه القصة من جملة بيان قوله وإنك لتلقى القران من لدن حكيم عليم و صالحا عطف بيان و أن اعبدوا الله تفسير للرسالة وأن هي المفسرة ويجوز أن تكون مصدرية أي بأن اعبدوا الله وإذا في فإذا هم فريقان هي الفجائية أي ففاجئوا التفرق والاختصام والمراد بالفريقان المؤمنون منهم والكافرون ومعنى الاختصام أن كل فريق يخاصم على ما هو فيه ويزعم أن الحق معه وقيل إن الخصومه بينهم في صالح هل هو مرسل أم لا وقيل أحد


"""""" صفحة رقم 143 """"""
الفريقين صالح والفريق الاخر جميع قومه وهو ضعيف
النمل : ( 46 ) قال يا قوم . . . . .
) قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ( أي قال صالح للفريق الكافر منهم منكرا عليهم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة قال مجاهد بالعذاب قبل الرحمة والمعنى لم تؤخرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب وتقدمون الكفر الذي يجلب إليكم العقوبة وقد كانوا لفرط كفرهم يقولون ائتنا يا صالح بالعذاب لولا تستغفرون الله هلا تستغفرون الله وتتوبون إليه من الشرك لعلكم ترحمون رجاء أن ترحموا أوكى ترحموا فلا تعذبوا فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر ووصف العذاب بأنه سيئة مجازا إما لأن العقاب من لوازمه أو لأنه يشبهه في كونه مكروها
النمل : ( 47 ) قالوا اطيرنا بك . . . . .
فكان جوابهم عليه بعد هذا الإرشاد الصحيح والكلام اللين أنهم قالوا اطيرنا بك وبمن معك أصله تطيرنا وقد قرىء بذلك والتطير التشاؤم أي تشاؤمنا بك وبمن معك ممن أجابك ودخل في دينك وذلك لأنه أصابهم قحط فتشاءموا بصالح وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة وأشقاهم بها وكانوا إذا أرادوا سفرا أو أمرا من الأمور نفروا طائرا من وكره فإن طار يمنة ساروا وفعلوا ما عزموا عليه وإن طار يسرة تركوا ذلك فلما قالوا ذلك قال لهم صالح طائركم عند الله أي ليس ذلك بسبب الطير الذي تتشاءمون به بل سبب ذلك عند الله وهو ما يقدره عليكم والمعنى أن الشؤم الذي أصابكم هو من عند الله بسبب كفركم وهذا كقوله تعالى يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ثم أوضح لهم سبب ما هم فيه بأوضح بيان فقال بل أنتم قوم تفتنون أي تمتحنون وتختبرون وقيل تعذبون بذنوبكم وقيل يفتنكم غيركم وقبل يفتنكم الشيطان بما تقعون فيه من الطيرة أو بما لأجله تطيرون فأضرب عن ذكر الطائر إلى ما هو السبب الداعي إليه
النمل : ( 48 ) وكان في المدينة . . . . .
(وكان في المدينة ) التي فيها صالح وهو الحجر تسعة رهط أي تسعة رجال من أبناء الأشراف والرهط اسم للجماعة فكأنهم كانوا رؤساء يتبع كل واحد منهم جماعة والجمع أرهط وأراهط وهؤلاء التسعة هم أصحاب قدار عاقر الناقة ثم وصف هؤلاء بقوله ) يفسدون في الأرض ولا يصلحون ( أي شأنهم وعملهم الفساد في الأرض الذي لا يخالطه صلاح وقد اختلف في أسماء هؤلاء التسعة اختلافا كثيرا لا حاجة إلى التطويل بذكره
النمل : ( 49 ) قالوا تقاسموا بالله . . . . .
(قالوا تقاسموا بالله ) أي قال بعضهم لبعض احلفوا بالله هذا على أن تقاسموا فعل أمر ويجوز أن يكون فعلا ماضيا مفسرا لقالوا كأنه قيل ما قالوا فقال تقاسموا أو يكون حالا على إظمار قد أي قالوا ذلك متقاسمين وقرأ ابن مسعود يفسدون في الأرض ولا يصلحون تقاسموا بالله وليس فيها قالوا واللام في لنبيتنه وأهله جواب القسم أي لنأتينه بغتة في وقت البيات فنقتله وأهله ثم لنقولن لوليه قرأ الجمهور بالنون للمتكلم في لنبيتنه وفي لنقولن واختار هذه القراءة أبو حاتم وقرأ حمزة والكسائي بالفوقية فيهما على خطاب بعضهم لبعضهم واختار هذه القراءة أبو عبيد وقرأ مجاهد وحميد بالتحتية فيهما والمراد بولى صالح رهطه ) ما شهدنا مهلك أهله ( أي ما حضرنا قتلهم ولا ندري من قتله وقتل أهله ونفيهم لشهودهم لمكان الهلاك يدل على نفي شهودهم لنفس القتل بالأولى وقيل إن الملك بمعنى الإهلاك وقرأ حفص والسلمي مهلك بفتح الميم واللام وقرأ أبو بكر والمفضل بفتح الميم وكسر اللام وإنا لصادقون فيما قلناه قال الزجاج وكان هؤلاء النفر تحالفوا أن يبيتوا صالحا وأهله ثم ينكروا عند أوليائه أنهم ما فعلوا ذلك ولا رأوه وكان هذا مكرا منهم
النمل : ( 50 ) ومكروا مكرا ومكرنا . . . . .
ولهذا قال الله سبحانه ) ومكروا مكرا ( أي بهذه المحالفة ) ومكرنا مكرا ( جازيناهم بفعلهم فأهلكناهم ) وهم لا يشعرون ( بمكر الله بهم
النمل : ( 51 ) فانظر كيف كان . . . . .
(فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ) أي انظر ما انتهى إليه أمرهم الذي بنوه على المكر وما أصابهم بسببه ) أنا دمرناهم وقومهم أجمعين ( قرأ الجمهور بكسر همزة أنا وقرأ حمزة


"""""" صفحة رقم 144 """"""
والكسائي والأعمش والحسن وابن أبي إسحاق وعاصم بفتحها فمن كسر جعله استئنافا قال الفراء والزجاج من كسر استأنف وهو يفسر به ما كان قبله كأنه جعله تابعا للعاقبة كأنه قال العاقبة إنا دمرناهم وعلى قراءة الفتح يكون التقدير بأنا دمرناهم أو لأنا دمرناهم وكان تامة وعاقبة فاعل لها أو يكون بدلا من عاقبة أو يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي أنا دمرناهم ويجوز أن تكون كان ناقصة وكيف خبرها ويجوز أن يكون خبرها أنا دمرنا قال أبو حاتم وفي حرف أبي أن دمرناهم والمعنى في الآية أن الله دمر التسعة الرهط المذكورين ودمر قومهم الذين لم يكونوا معهم عند مباشرتهم لذلك ومعنى التأكيد بأجمعين أنه لم يشذ منهم أحد ولا سلم من العقوبة فرد من أفرادهم
النمل : ( 52 ) فتلك بيوتهم خاوية . . . . .
وجملة فتلك بيوتهم خاوية مقررة لما قبلها قرأ الجمهور خاوية بالنصب على الحال قال الزجاج المعنى فانظر إلى بيوتهم حال كونها خاوية وكذا قال الفراء والنحاس أي خالية عن أهلها خرابا ليس بها ساكن وقال الكسائي وأبو عبيدة نصب خاوية على القطع والأصل فتلك بيوتهم الخاوية فلما قطع منها الألف واللام نصبت كقوله وله الدين واصبا وقرأ عاصم بن عمر ونصر بن عاصم والجحدي وعيسى بن عمر برفع خاوية على أنه خبر اسم الإشارة وبيوتهم بدل أو عطف بيان أو خبر لاسم الإشارة وخاوية خبر اخر والباء في بما ظلموا للسببية أي بسبب ظلمهم إن في ذلك التدمير والإهلاك لاية عظيمة لقوم يعلمون أي يتصفون بالعلم بالأشياء
النمل : ( 53 ) وأنجينا الذين آمنوا . . . . .
وأنجينا الذين امنوا وهم صالح ومن امن به وكانوا يتقون الله ويخافون عذابه
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس طائركم قال مصائبكم وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله وكان في المدينة تسعة رهط قال هم الذين عقروا الناقة وقالوا حين عقروها نبيت صالحا وأهله فنقتلهم ثم نقول لأولياء صالح ما شهدنا من هذا شيئا وما لنا به علم فدمرهم الله أجمعين
النمل ( 54 62 )


"""""" صفحة رقم 145 """"""
النمل ( 63 - 66 )
النمل : ( 54 ) ولوطا إذ قال . . . . .
انتصاب لوطا بفعل مضمر معطوف على أرسلنا أي وأرسلنا لوطا و إذ قال ظرف للفعل المقدر ويجوز أن يقدر اذكر والمعنى وأرسلنا لوطا وقت قوله ) لقومه أتأتون الفاحشة ( أي الفعلة المتناهية في القبح والشناعة وهم أهل سدوم وجملة وأنتم تبصرون في محل نصب على الحال متضمنه لتأكيد الإنكار أي وأنتم تعلمون أنها فاحشة وذلك أعظم لذنوبكم على أن تبصرون من بصر القلب وهو العلم أو بمعنى النظر لأنهم كانوا لا يستترون حال فعل الفاحشة عتوا وتمردا وقد تقدم تفسير هذه القصة في الأعراف مستوفى
النمل : ( 55 ) أئنكم لتأتون الرجال . . . . .
أئنكم لتأتون الرجال شهوة فيه تكرير للتوبيخ مع التصريح بأن تلك الفاحشة هي اللواطة وانتصاب شهوة على العلة أي للشهوة أو على أنه صفة لمصدر محذوف أي إتيانا شهوة أو أنه بمعنى الحال أي مشتهين لهم من دون النساء أي متجاوزين النساء اللاتى هن محل لذلك بل أنتم قوم تجهلون التحريم أو العقوبة على هذه المعصية واختار الخليل وسيبويه تخفيف الهمزة من أئنكم
النمل : ( 56 ) فما كان جواب . . . . .
فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ال لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون قرأ الجمهور بنصب جواب على أنه خبر كان واسمها إلا أن قالوا أي إلا قولهم وقرأ ابن أبي إسحاق برفع جواب على أنه اسم كان وخبرها ما بعده ثم عللوا ما أمروا به بعضهم بعضا من الإخراج بقولهم إنهم أناس يتطهرون أي يتنزهون عن أدبار الرجال قالوا ذلك استهزاء منهم بهم
النمل : ( 57 ) فأنجيناه وأهله إلا . . . . .
) فأنجيناه وأهله ( من العذاب ) إلا امرأته قدرناها من الغابرين ( أي قدرنا أنها من الباقين في العذاب ومعنى قدرنا قضينا قرأ الجمهور قدرنا بالتشديد وقرأ عاصم بالتخفيف والمعنى واحد مع دلالة زيادة البناء على زيادة المعنى
النمل : ( 58 ) وأمطرنا عليهم مطرا . . . . .
وأمطرنا عليهم مطرا هذا التأكيد يدل على شدة المطر وأنه غير معهود ) فساء مطر المنذرين ( المخصوص بالذم محذوف أي ساء مطر المنذرين مطرهم والمراد بالمنذرين الذين أنذروا فلم يقبلوا وقد مضى بيان هذا كله في الأعراف والشعراء
النمل : ( 59 ) قل الحمد لله . . . . .
) قل الحمد لله وسلام على عباده ( قال الفراء قال أهل المعاني قيل للوط قل الحمد لله على هلاكهم وخالفه جماعة فقالوا إن هذا خطاب لنبينا صلى الله عليه واله وسلم أي قيل الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية وسلام على عباده الذين اصطفى قال النحاس وهذا أولى لأن القرآن منزل على النبي صلى الله عليه واله وسلم وكل ما فيه فهو مخاطب به إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره قيل والمراد بعباده الذين اصطفى أمة محمد صلى الله عليه واله وسلم والأولى حمله على العموم فيدخل في ذلك الأنباء وأتباعهم الله خير أما


"""""" صفحة رقم 146 """"""
يشركون أي الله الذي ذكرت أفعاله وصفاته الدالة على عظيم قدرته خير أما يشركون به من الأصنام وهذه الخيرية ليست بمعناها الأصلي بل هي كقول الشاعر أتهجوه ولست له بكفء
فشركما لخيركما الفداء
فيكون ما في الاية من باب التهكم بهم إذ لا خير فيهم أصلا وقد حكى سيبويه أن العرب تقول السعادة أحب إليك أم الشقاوة ولا خير في الشقاوة أصلا وقيل المعنى أثواب الله خير أم عقاب ما تشركون به وقيل قال لهم ذلك جريا على اعتقادهم لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام خيرا وقيل المراد من هذا الاستفهام الخبر قرأ الجمهور تشركون بالفوقية على الخطاب وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب يشركون بالتحتية و أم في أما يشركون هي المتصلة
النمل : ( 60 ) أم من خلق . . . . .
وأما في قوله أمن خلق السموات والأرض فهي المنقطعة وقال أبو حاتم تقديره آلهتكم خير أم من خلق السموات والأرض وقدر على خلقهن وقيل المعنى أعبادى ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق السموات والأرض فتكون أم على هذا متصلة وفيها معنى التوبيخ والتهكم كما في الجملة الأولى وقرأ الأعمش أمن بتخفيف الميم ) وأنزل لكم من السماء ( ماء أي نوعا من الماء وهو المطر ) فأنبتنا به حدائق ( جمع حديقة قال الفراء الحديقة البستان الذي عليه حائط فإن لم يكن عليه حائط فهو البستان وليس بحديقة وقال قتادة وعكرمة الحدائق النخل ذات بهجة أي ذات حسن ورونق والبهجة هي الحسن الذي يبتهج به من راه ولم يقل ذوات بهجة على الجمع لأن المعنى جماعة حدائق ) ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ( أي ما صح لكم أن تفعلوا ذلك ومعنى هذا النفي الحظر والمنع من فعل هذا أي ما كان للبشر ولا يتهيأ لهم ذلك ولا يدخل تحت مقدرتهم لعجزهم عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود ثم قال سبحانه موبخا لهم ومقرعا ءاله مع الله أي هل معبود مع الله الذي تقدم ذكر بعض أفعاله حتى يقرن به ويجعل شريكا له في العبادة وقرىء ءالها مع الله بالنصب على تقدير أتدعون إلها ثم أضرب عن تقريعهم وتوبيخهم بما تقدم وانتقل إلى بيان سوء حالهم مع الالتفات من الخطاب إلى الغيبة فقال بل هم قوم يعدلون أي يعدلون بالله غيره أ يعدلون عن الحق إلى الباطل
النمل : ( 61 ) أم من جعل . . . . .
ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها فقال أمن جعل الأرض قرارا القرار المستقر أي دحاها وسواها بحيث يمكن الاستقرار عليها وقيل هذه الجملة وما بعدها من الجمل الثلاث بدل من قوله أمن خلق السموات والأرض ولا ملجىء لذلك بلى هي وما بعدها إضراب وانتقال من التوبيخ والتقريع بما قبلها إلى التوبيخ والتقريع بشيء اخر وجعل خلالها أنهارا الخلال الوسط وقد تقدم تحقيقه في قوله ) وفجرنا خلالهما نهرا ( وجعل لها رواسي أي جبالا ثوابت تمسكها وتمنعها من الحركة وجعل بين البحرين حاجزا الحاجز المانع أي جعل بين البحرين من قدرته حاجزا والبحران هما العذب والمالح فلا يختلط أحدهما بالاخر فلا هذا يغير ذاك ولا ذاك يدخل في هذا وقد مر بيانه في سورة الفرقان ) أإله مع الله ( أي إذا ثبت أنه لا يقدر على ذلك إلا الله فهل إله في الوجود يصنع صنعه ويخلق خلقه فكيف يشركون به مالا يضر ولا ينفع بل أكثرهم لا يعلمون توحيد ربهم وسلطان قدرته
النمل : ( 62 ) أم من يجيب . . . . .
أمن يجيب المضطر إذا دعاه هذا استدلال منه سبحانه بحاجة الإنسان إليه على العموم والمضطر اسم مفعول من الاضطرار وهو المكروب المجهود الذي لا حول له ولا قوة وقيل هو المذنب وقيل هو الذي عراه ضر من فقر أو مرض فألجأه إلى التضرع إلى الله واللام في المضطر للجنس لا للاستغراق فقد لايجاب دعاء بعض بعض المضطرين لمانع يمنع من ذلك بسبب يحدثه العبد يحول بينه وبين إجابة دعائه وإلا فقد ضمن الله سبحانه


"""""" صفحة رقم 147 """"""
إجابة دعاء المضطر إذا دعاه وأخبر بذلك عن نفسه والوجه في إجابة دعاء المضطر أن ذلك الاضطرار الحاصل له يتسبب عنه الاخلاص وقطع النظر عما سوى الله وقد أخبر الله سبحانه بأنه يجيب دعاء المخلصين له الدين وإن كانوا كافرين فقال حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجتنا من هذه لنكونن من الشاكرين وقال ) فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ( فأجابهم عند ضرورتهم وإخلاصهم مع علمه بأنهم سيعودون إلى شركهم ويكشف السوء أي الذي يسوء العبد من غير تعيين وقيل هو الضر وقيل هو الجور ) ويجعلكم خلفاء الأرض ( أي يخلف كل قرن منكم القرن الذي قبله بعد انقراضهم والمعنى يهلك قرنا وينشىء اخرين وقيل يجعل أولادكم خلفا منكم وقيل يجعل المسلمين خلفا من الكفار ينزلون أرضهم وديارهم ءإله مع الله الذي يوليكم هذه النعم الجسام قليلا ما تذكرون أي تذكرا قليلا ما تذكرون قرأ الجمهور بالفوقية على الخطاب وقرأ أبو عمرو وهشام ويعقوب بالتحتية على الخبر ردا على قوله ) بل أكثرهم لا يعلمون ( واختار هذه القراءة أبو حاتم
النمل : ( 63 ) أم من يهديكم . . . . .
أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر أي يرشدكم في الليالي المظلمات إذا سافرتم في البر أو البحر وقيل المراد مفاوز البر التي لا أعلام لها ولجج البحار وشبهها بالظلمات لعدم ما يهتدون به فيها ) الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ( والمراد بالرحمة هنا المطر أي يرسل الرياح بين يدي المطر وقبل نزوله ءإله مع الله يفعل ذلك ويوجده تعالى الله عما يشركون أي تتزه وتقدس عن وجود ما يجعلونه شريكا له
النمل : ( 64 ) أم من يبدأ . . . . .
) أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ( كانوا يقرون بأن الله سبحانه هو الخالق فألزمهم الإعادة أي إذا قدر على الابتداء قدر على الإعادة ) ومن يرزقكم من السماء والأرض ( بالمطر والنبات أي هو خير أم ما تجعلونه شريكا له مما لا يقدر على شيء من ذلك ءإله مع الله حتى تجعلونه شريكا له قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أي حجتكم على أن الله سبحانه شريكا أو هاتوا حجتكم أن ثم صانعا يصنع كصنعه وفي هذا تبكيت لهم وتهكم بهم
النمل : ( 65 ) قل لا يعلم . . . . .
قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله أي لا يعلم أحد من المخلوقات الكائنة في السموات والأرض الغيب الذي استأثر الله بعلمه والاستثناء في قوله إلا الله منقطع أي لكن الله يعلم ذلك ورفع ما بعد إلا مع كون الاستثناء منقطعا هو على اللغة التميمية كما في قولهم إلا اليعافير وإلا العيس
وقيل إن فاعل يعلم هو ما بعد إلا ومن في السموات مفعوله والغيب بدل من من أي لا يعلم غيب من في السموات والأرض إلا الله وقيل هو استثناء متصل من من وقال الزجاج إلا الله بدل من من قال الفراء وإنما رفع ما بعد إلا لأن ما بعدها خبر كقولهم ما ذهب أحد إلا أبوك وهو كقول الزجاج قال الزجاج ومن نصب نصب على الاستثناء ) وما يشعرون أيان يبعثون ( أي لا يشعرون متى ينشرون من القبور وأيان مركبة من أي وإن وقد تقدم تحقيقه والضمير للكفرة وقرأ السلمي إيان بكسر الهمزة وهي لغة بني سليم وهي منصوبة بيبعثون ومعلقة ليشعرون فتكون هي وما بعدها في محل نصب بنزع الخافض أي وما يشعرون بوقت بعثهم ومعنى أيان معنى متى بل ادارك علمهم في الاخرة قرأ الجمهور ادارك وأصل ادارك تدارك أدغمت التاء في الدال وجىء بهمزة الوصل ليمكن الابتداء بالساكن وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمر وحميد
النمل : ( 66 ) بل ادارك علمهم . . . . .
بل أدرك من الإدراك وقرأ عطاء بن يسار وسليمان بن يسار والأعمش بل ادرك بفتح لام بل وتشديد الدال وقرأ ابن محيصن بل أدرك على الاستفهام وقرأ ابن عباس وأبو رجاء وشيبة والأعمش والأعرج بلى أدارك بإثبات الياء في بل وبهمزة قطع


"""""" صفحة رقم 148 """"""
وتشديد الدال وقرأ أبي بل تدارك ومعنى الاية بل تكامل علمهم في الاخرة لأنهم رأوا كل ما وعدوا به وعاينوه وقيل معناه تتابع علمهم في الاخرة والقراءة الثانية معناها كمل علمهم في الاخرة مع المعاينة وذلك حين لا ينفعهم العلم لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين وقال الزجاج إنه على معنى الإنكار واستدل على ذلك بقوله فيما بعد بل هم منها عمون أي لم يدرك علمهم علم الآخرة وقيل المعنى بل ضل وغاب علمهم في الاخرة فليس لهم فيها علم ومعنى القراءة الثالثة كمعنى القراءة الأولى فافتعل وتفاعل وقد يجيئان لمعنى والقراءة الرابعة هي بمعنى الإنكار قال الفراء وهو وجه حسن كأنه وجهه إلى المكذبين على طريق الاستهزاء بهم وفي الاية قراءات أخر لا ينبغي الاشتغال بذكرها وتوجيهها ) بل هم في شك منها ( أي بل هم اليوم في الدنيا في شك من الاخرة ثم أضرب عن ذلك إلى ما هو أشد منه فقال بل هم منها عمون فلا يدركون شيئا من دلائلها لاختلال بصائرهم التي يكون بها الإدراك وعمون جمع عم وهو من كان أعمى القلب والمراد بيان جهلهم بها على وجه لا يهتدون إلى شيء مما يوصل إلى العلم بها فمن قال إن معنى الاية الأولى أعني بل ادارك علمهم في الاخرة أنه كمل علمهم وتم مع المعاينة فلا بد من حمل قوله بل هم في شك الخ على ما كانوا عليه في الدنيا ومن قال إن معنى الاية الأولى الاستهزاء بهم والتبكيت لهم لم يحتج إلى تقييد قوله بل هم في شك الخ بما كانوا عليه في الدنيا وبهذا يتضح معنى هذه الايات ويظهر ظهورا بينا
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) وسلام على عباده الذين اصطفى ( قال هم أصحاب محمد صلى الله عليه واله وسلم اصطفاهم الله لنبيه وروى مثله عن سفيان الثوري والأولى ما قدمناه من التعميم فيدخل في ذلك أصحاب نبينا صلى الله عليه واله وسلم دخولا أوليا وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والطبراني عن رجل من بلجهم قال قلت يا رسول الله إلى ما تدعو قال أدعو الله وحده الذي إن مسك ضر فدعوته كشفه عنك هذا طرف من حديث طويل وقد رواه أحمد من وجه اخر فبين اسم الصحابي فقال حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا يونس حدثنا عبيد بن عبيدة الهجيمي عن أبيه عن أبي تميمة الهجيمي عن جابر بن سليم الهجيمي ولهذا الحديث طرق عند أبي داود والنسائي وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة قالت ثلاث من تكلم بواحدة منهم فقد أعظم على الله الفرية وقالت في اخره ومن زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله تعالى يقول قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس بل ادارك علمهم في الاخرة قال حين لا ينفع العلم وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه أنه قرأ بل أدرك علمهم في الاخرة قال لم يدرك علمهم قال أبو عبيد يعني أنه قرأها بالاستفهام وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا بل ادرك علمهم في الاخرة يقول غاب علمهم
النمل ( 67 - 70 )


"""""" صفحة رقم 149 """"""
النمل ( 71 - 82 )
النمل : ( 67 ) وقال الذين كفروا . . . . .
لما ذكر سبحانه أن المشركين في شك من البعث وأنهم عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين غاية شبههم وهي مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد صيرورتهم ترابا فقال ) وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون ( والعامل في إذا محذوف دل عليه مخرجون تقديره أنبعث أو نخرج إذا كنا وإنما لم يعمل فيه مخرجون لتوسط همزة الاستفهام وإن ولام الابتداء بينهما قرأ أبو عمرو باستفهامين إلا أنه خفف الهمزة وقرأ عاصم وحمزة باستفهامين إلا أنهما حققا الهمزتين وقرأ نافع بهمزة وقرأ ابن عامر وورش ويعقوب أإذا بهمزتين وإننا بنونين على الخبر ورجح أبو عبيد قراءة نافع ورد على من جمع بين استفهامين ومعنى الاية أنهم استنكروا واستبعدوا أن يخرجوا من قبورهم أحياء بعد أن قد صاروا ترابا
النمل : ( 68 ) لقد وعدنا هذا . . . . .
ثم أكدوا ذلك الاستبعاد بما هو تكذيب للبعث فقالوا لقد وعدنا هذا يعنون البعث نحن واباؤنا من قبل أي من قبل وعد محمد لنا والجملة مستأنفة مسوقة لقرير الإنكار مصدرة بالقسم لزيادة التقرير إن هذا الوعد بالبعث إلا أساطير الأولين أحاديثهم وأكاذيبهم الملفقة وقد تقدم تحقيق معنى الأساطير في سورة المؤمنون
النمل : ( 69 ) قل سيروا في . . . . .
ثم أوعدهم سبحانه على عدم قبول ما جاءت به الأنبياء من الإخبار بالبعث فأمرهم بالنظر في أحوال الأمم السابقة المكذبة للأنبياء وما عوقبوا به وكيف كانت عاقبتهم فقال ) قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ( بما جاءت به الأنبياء من الإخبار بالبعث ومعنى النظر هو مشاهدة اثارهم بالبصر فإن في المشاهدة زيادة اعتبار وقيل المعنى فانظروا بقلوبكم وبصائركم كيف كان عاقبة المكذبين لرسلهم والأول أولى لأمرهم بالسير في الأرض
النمل : ( 70 ) ولا تحزن عليهم . . . . .
) ولا تحزن عليهم ( لما وقع منهم من الإصرار على الكفر ) ولا تكن في ضيق ( الضيق الحرج يقال ضاق الشيء ضيقا بالفتح وضيقا بالكسر قرىء بهما وهما لغتان قال ابن السكيت يقال في صدر فلان ضيق وضيق وهو ما تضيق عنه الصدور وقد تقدم تفسير هذه الاية في اخر سورة النحل
النمل : ( 71 ) ويقولون متى هذا . . . . .
) ويقولون متى هذا الوعد ( أي بالعذاب التي تعدنا به إن كنتم


"""""" صفحة رقم 150 """"""
صادقين في ذلك
النمل : ( 72 ) قل عسى أن . . . . .
قل عسى أن يكون ردف لكم يقال ردفت الرجل وأردفته إذا ركبت خلفه وردفه إذا أتبعه وجاء في أثره والمعنى قل يا محمد لهؤلاء الكفار عسى أن يكون هذا العذاب الذي به توعدون تبعكم ولحقكم فتكون اللام زائدة للتأكيد أو بمعنى اقترب لكم ودنا لكم فتكون غير زائدة قال ابن شجرة معنى ردف لكم تبعكم قال ومنه ردف المرأة لأنه تبع لها من خلفها ومنه قول أبي ذؤيب عاد السواد بياضا في مفارقه
لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفا
قال الجوهري وأردفه لغة في ردفه مثل تبعه وأتبعه بمعنى قال خزيمة بن مالك بن نهد إذا الجوزاء أردفت الثريا
ظننت بال فاطمة الظنونا
قال الفراء ردف لكم دنا لكم ولهذا قيل لكم وقرأ الأعرج ردف لكم بفتح الدال وهي لغة والكسر أشهر وقرأ ابن عباس أزف لكم وارتفاع بعض الذي تستعجلون أي على أنه فاعل ردف والمراد بعض الذي تستعجلونه من العذاب أي عسى أن يكون قد قرب ودنا وأزف بعض ذلك قيل هو عذابهم بالقتل يوم بدر وقيل هو عذاب القبر
النمل : ( 73 ) وإن ربك لذو . . . . .
ثم ذكر سبحانه فضله في تأخير العذاب فقال ) وإن ربك لذو فضل على الناس ( في تأخير العقوبة والأولى أن تحمل الاية على العموم ويكون تأخير العقوبة من جملة أفضاله سبحانه وإنعامه ) ولكن أكثرهم لا يشكرون ( فضله وإنعامه لا يعرفون حق إحسانه
النمل : ( 74 ) وإن ربك ليعلم . . . . .
ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم فقال ) وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم ( أي ما تخفيه قرأ الجمهور تكن بضم التاء من أكن وقرأ ابن محيصن وابن السميفع وحميد بفتح التاء وضم الكاف يقال كننته بمعنى سترته وخفيت أثره ) وما يعلنون ( وما يظهرون من أقوالهم وأفعالهم
النمل : ( 75 ) وما من غائبة . . . . .
) وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين ( قال المفسرون ما من شيء غائب وأمر يغيب عن الخلق في السماء والأرض إلا في كتاب مبين إلا هو مبين في اللوح المحفوظ وغائبة هي من الصفات لغالبة والتاء للمبالغة قال الحسن الغائبة هنا هي القيامة وقال مقاتل علم ما يستعجلون من العذاب هو مبين عند الله وإن غاب عن الخلق وقال ابن شجرة الغائبة هنا جميع ما أخفى الله عن خلقه وغيبه عنهم مبين في أم الكتاب فكيف يخفى عليه شيء من ذلك ومن جملة ذلك ما يسعجلونه من العذاب فإنه موقت بوقت ومؤجل بأجل علمه عند الله فكيف يستعجلونه قبل أجله المضروب له
النمل : ( 76 ) إن هذا القرآن . . . . .
) إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ( وذلك لأن أهل الكتاب تفرقوا فرقا وتحزبوا أحزابا يطعن بعضهم على بعض ويتبرأ بعضهم من بعض فنزل القران مبينا لما اختلفوا فيه من الحق فلو أخذوا به لوجدوا فيه ما يرفع اختلافهم ويدفع تفرقهم
النمل : ( 77 ) وإنه لهدى ورحمة . . . . .
) وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين ( أي وإن القران لهدى ورحمة لمن آمن بالله وتابع رسوله وخص المؤمنين لأنهم المنتفعون به ومن جملتهم من آمن من بني إسرائيل
النمل : ( 78 ) إن ربك يقضي . . . . .
) إن ربك يقضي بينهم بحكمه ( أي يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل بما يحكم به من الحق فيجازى المحق ويعاقب المبطل وقيل يقضي بينهم في الدنيا فيظهر ما حرفوه قرأ الجمهور بحكمه بضم الحاء وسكون الكاف وقرأ جناح بكسرها وفتح الكاف جمه حكمة ) وهو العزيز العليم ( العزيز الذي لا يغالب والعليم بما يحكم به أو الكثير العلم
النمل : ( 79 ) فتوكل على الله . . . . .
ثم أمره سبحانه بالتوكل وقلة المبالاة فقال ) فتوكل على الله ( والفاء لترتيب الأمر على ما تقدم ذكره والمعنى فوض إليه أمرك واعتمد عليه فإنه ناصرك ثم علل ذلك بعلتين الأولى قوله ) إنك على الحق المبين ( أي الظاهر وقيل المظهر
النمل : ( 80 ) إنك لا تسمع . . . . .
والعلة الثانية قوله ) إنك لا تسمع الموتى ( لأنه إذا علم أن حالهم كحال الموتى في انتفاء الجدوى بالسماع أو كحال الصم الذين لا يسمعون ولا يفهمو ولا يهتدون


"""""" صفحة رقم 151 """"""
صار ذلك سببا قويا في عدم الاعتداد بهم شبه الكفار بالموتى الذين لا حس لهم ولا عقل وبالصم الذين لا يمسعون المواعظ ولا يجيبون الدعاء إلى الله ثم ذكر جملة لتكميل التشبيه وتأكيده فقال ) إذا ولوا مدبرين ( أي إذا أعرضوا عن الحق إعراضا تاما فإن الأصم لا يسمع الدعاء إذا كان مقبلا فكيف إذا كان معرضا عنه موليا مدبرا وظاهر نفى إسماع الموتى العموم فلا يخص منه إلا ما ورد بدليل كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه واله وسلم خاطب القتلى في قليب بدر فقيل له يا رسول الله إنما تكلم أجسادا أرواح لها وكذلك ما ورد من أن الميت يسمع خفق نعال المشيعين له إذا انصرفوا وقرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وابن أبي إسحاق لا يسمع بالتحتية مفتوحة وفتح الميم وفاعله الصم وقرأ الباقون تسمع بضم الفوقية وكسر الميم من أسمع قال قتادة الأصم إذا ولى مدبرا ثم ناديته لم يسمع كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإيمان
النمل : ( 81 ) وما أنت بهادي . . . . .
ثم ضرب العمى مثلا لهم فقال ) وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ( أي ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الحق إرشادا يوصله إلى المطلوب منه وهو الإيمان وليس في وسعك ذلك ومثله قوله إنك لا تهدى من أحببت قرأ الجمهور بإضافة هادى إلى العمى وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيان بهاد العمى بتنوين هاد وقرأ حمزة تهدى فعلا مضارعا وفي حرف عبد الله وما أن تهدى العمى إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ) ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من ألارض ( فهم مسلمون تعليل للإيمان أي فهم منقادون مخلصون
النمل : ( 82 ) وإذا وقع القول . . . . .
ثم هدد العباد بذكر طرف من أشراط الساعة وأهوالها فقال ) وإذا وقع القول عليهم (
واختلف في معنى وقوع القول عليهم فقال قتادة وجب الغضب عليهم وقال مجاهد حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون وقيل حق العذاب عليهم وقيل وجب السخط والمعاني متقاربة وقيل المراد بالقول ما نطق به القران من مجىء الساعة وما فيها من فنون الأهوال التي كانوا يستعجلونها وقيل وقع القول بموت العلماء وذهاب العلم وقيل إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر والحاصل أن المراد بوقع وجب والمراد بالقول مضمونه أو أطلق المصدر على المفعول أي المقول وجواب الشرط ) أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم (
واختلف في هذه الدابة على أقوال فقيل إنها فصيل ناقة صالح يخرج عند اقتراب القيامة ويكون من أشراط الساعة وقيل هي دابة ذات شعر وقوائم طوال يقال لها الجساسة وقيل هي دابة على خلقة بني ادم وهي في السحاب وقوائمها في الأرض وقيل رأسها رأس ثور وعينها عين حنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن إيل وعنقها عنق نعامة وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ذرعا وقيل هي الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة والمراد أنها هي التي تخرج في اخر الزمان وقيل هي دابة ما لها ذنب ولها لحية وقيل هي إنسان ناطق متكلم يناظر أهل البدع ويراجع الكفار وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره وقد رجح القول الأول القرطبي في تفسيره
واختلف من أي موضع تخرج فقيل من جبل الصفا بمكة وقيل تخرج من جبل أبي قبيس وقيل لها ثلاث خرجات خرجة في بعض البوادي حتى يتقاتل عليها الناس وتكثر الدماء ثم تكمن وتخرج في القرى ثم تخرج من أعظم المساجد وأكرمها وأشرفها وقيل تخرج من بين الركن والمقام وقيل تخرج في تهامة وقيل من مسجد الكوفة من حيث فار التنور وقيل من أرض الطائف وقيل من صخرة من شعب أجياد وقيل من صدع في الكعبة


"""""" صفحة رقم 152 """"""
واختلف في معنى قوله ) تكلمهم ( فقيل تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام وقيل تكلمهم بما يسوؤهم وقيل تكلمهم بقوله تعالى ) أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ( أي بخروجها لأن خروجها من الايات قرأ الجمهور تكلمهم من التكليم ويدل عليه قراءة أبي تنبئهم وقرأ ابن عباس وأبو زرعة وأبو رجاء والحسن تكلمهم بفتح الفوقية وسكون الكاف من الكلم وهو الجرح قال عكرمة أي تسمهم وسما وقيل تجرحهم وقيل إن قراءة الجمهور مأخوذة من الكلم بفتح الكاف وسكون اللام وهو الجرح والتشديد للتكثير قاله أبو حاتم قرأ الجمهور إن الناس كانوا باياتنا لا يوقنون بكسر إن على الاستئناف وقرأ الكوفيون وابن أبي إسحاق بفتح أن قال الأخفش المعنى على قراءة الفتح بأن الناس وكذا قرأ ابن مسعود ? بأن الناس ? بالباء وقال أبو عبيد موضعها نصب بوقوع الفعل عليها أي تخبرهم أن الناس وعلى هذه القراءة فالذي تكلم الناس به هو قوله ) أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ( كما قدمنا الإشارة إلى ذلك وأما على قراءة الكسر فالجملة مستأنفه كما قدمنا ولا تكون من كلام الدابة وقد صرح بذلك جماعة من المفسرين وجزم به الكسائي والفراء وقال الأخفش إن كسر إن هو على تقدير القول أي تقول لهم إن الناس الخ فيرجع معنى القراءة الأولى على هذا إلى معنى القراءة الثانية والمراد بالناس في الاية هم الناس على العموم فيدخل في ذلك كل مكلف وقيل المراد الكفار خاصة وقيل كفار مكة والأول أولى
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) عسى أن يكون ردف لكم ( قال اقترب لكم وأخرج ابن أبي حاتم عنه ) وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ( قال يعلم ما عملوا بالليل والنهار وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا ) وما من غائبة ( الاية يقول ما من شيء في السماء والأرض سرا ولا علانية إلا يعلمه وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة ونعيم بن حماد وعبد ابن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله ) وإذا وقع القول عليهم ( الاية قال إذا لم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعا وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية أنه فسر ) وقع القول عليهم ( بما أوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد امن وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) دابة من الأرض تكلمهم ( قال تحدثهم وأخرج ابن جرير عنه قال كلامها تنبئهم أن الناس كانوا باياتنا لا يوقنون وأخروج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي داود نفيع الأعمى قال سألت ابن عباس عن قوله تكلمهم يعني هل هو من التكليم باللسان أو من الكلم وهو الجرح فقال كل ذلك والله تفعل تكلم المؤمن وتكلم الكافر أي تجرحه وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عمر في الاية قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ليس ذلك حديث ولا كلام ولكنها سمة تسم من أمرها الله به فيكون خروجها من الصفا ليلة مني فيصبحون بين رأسها وذنبها لا يدحض داحض ولا يجرح جارح حتى إذا فرغت مما أمرها الله به فهلك من هلك ونجا من نجا كان أول خطوة تضعها بانطاكية وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال الدابة ذات وبر وريش مؤلفة فيها من كل لون لها أربع قوائم تخرج بعقب من الحاج وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال تخرج الدابة فتسم على خراطيمهم ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل الدابة فيقال له ممن اشتريتها فيقول من الرجل المخطم وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس إن للدابة ثلاث خرجات وذكر نحو ما قدمنا وأخرج ابن مردويه عن حذيفة بن أسيد رفعه قال تخرج الدابة من أعظم المساجد حرمة وأخرج سعيد


"""""" صفحة رقم 153 """"""
ابن منصور ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال تخرج من بعض أودية تهامة وأخرج الطيالسي وأحمد ونعيم بن حماد والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى وخاتم سليمان فتجلو وجه المؤمن بالخاتم وتخطم أنف الكافر بالعصا حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر وأخرج الطيالسي ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال ذكر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الدابة فقال لها ثلاث خرجات من الدهر وذكر نحو ما قدمنا في حديث طويل وفي صفتها ومكان خروجها وما تصنعه ومتى تخرج أحاديث كثيرة بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف وأما كونها تخرج وكونها من علامات الساعة فالأحاديث الواردة في ذلك صحيحة ومنها ما هو ثابت في الصحيح كحديث حذيفة مرفوعا لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات وذكر منها الدابة فإنه في صحيح مسلم وفي السنن الأربعة وكحديث بادروا بالأعمال قبل طلوع الشمس من مغربها والدجال والدابة فإنه في صحيح مسلم أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا وكحديث ابن عمر مرفوعا إن أول الايات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى فإنه في صحيح مسلم أيضا
النمل ( 83 93 )
النمل : ( 83 ) ويوم نحشر من . . . . .
ثم ذكر سبحانه طرفا مجملا من أهوال يوم القيامة فقال ) ويوم نحشر من كل أمة فوجا ( العامل في الظرف


"""""" صفحة رقم 154 """"""
فعل محذوف خوطب به النبي صلى الله عليه واله وسلم والحشر الجمع قيل والمراد بهذا الحشر هو حشر العذاب بعد الحشر الكلى الشامل لجميع الخلق ومن لابتداء الغاية والفوج الجماعة كالزمرة ومن في ) ممن يكذب بآياتنا ( بيانية ) فهم يوزعون ( أي يحبس أولهم على اخرهم و قد تقدم تحقيقه في هذه السورة مستوفى وقيل معناه يدفعون ومنه قول الشماخ وسمه وزعنا من خميس جحفل
ومعنى الاية واذكر يا محمد يوم نجمع من كل أمة من الأمم جماعة مكذبين باياتنا فهم عند ذلك الحشر يرد أولهم على اخرهم أو يدفعون أي اذكر لهم هذا أو بينه تحذيرا لهم وترهيبا
النمل : ( 84 ) حتى إذا جاؤوا . . . . .
) حتى إذا جاؤوا ( إلى موقف الحساب قال الله لهم توبيخا وتقريعا ) أكذبتم بآياتي ( التي انزلتها على رسلي وأمرتهم بإبلاغها إليكم والحال أنكم ) ولم تحيطوا بها علما ( بل كذبتم بها بادىء بدء جاهلين لها غير ناظرين فيها ولا مستدلين على صحتها أو بطلانها تمردا وعنادا وجرءة على الله وعلى رسله وفي هذا مزيد تقريع وتوبيخ لأن من كذب بشيء ولم يحط به علما فقد كذب في تكذيبه ونادى على نفسه بالجهل وعدم الإنصاف وسوء الفهم وقصور الإدراك ومن هذا القبيل من تصدى لذم علم من العلوم الشرعية أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها ويفيد زيادة بصيرة في معرفتها وتعقل معانيها كعلوم اللغة العربية بأسرها وهي اثنا عشر علما وعلم أصول الفقه فإنه يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية مع اشتماله على بيان قواعد اللغة الكلية وهكذا كل علم من العلوم التي لها مزيد نفع في فهم كتاب الله وسنة رسوله فإنه قد نادى على نفسه بأرفع صوت بأنه جاهل مجادل بالباطل طاعن على العلوم الشرعية مستحق لأن تنزل به قارعة من قوارع العقوبة التي تزجره عن جهله وضلاله وطعنه على مالا يعرفه ولا يعلم به ولا يحيط بكنهه حتى يصير عبرة لغيره وموعظة يتعظ بها أمثاله من ضعاف العقول وركاك الأديان ورعاع المتلبسين بالعلم زورا وكذبا وأم في قوله ) أم ماذا كنتم تعملون ( هي المنقطعة والمعنى أم أي شيء كنتم تعملون حتى شغلكم ذلك عن النظر فيها والتفكر في معانيها وهذا الاستفهام على طريق التبكيت لهم
النمل : ( 85 ) ووقع القول عليهم . . . . .
) ووقع القول عليهم ( قد تقدم تفسيره قريبا والباء في ) بما ظلموا ( للسببية أي وجب القول عليهم بسبب الظلم الذي أعظم أنواعه الشرك بالله ) فهم لا ينطقون ( عند وقوع القول عليهم أي ليس لهم عذر ينطقون به أو لا يقدرون على القول لما يرونه من الهول العظيم وقال أكثر المفسرين يختم على أفواههم فلا ينطقون
النمل : ( 86 ) ألم يروا أنا . . . . .
ثم بعد أن خوفهم بأهوال القيامة ذكر سبحانه ما يصلح أن يكون دليلا على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوة مبالغة في الإرشاد وإبلاء للمعذرة فقال ) ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا ( أي جعلنا الليل للسكون والاستقرار والنوم وذلك بسبب ما فيه من الظلمة فإنهم لا يسعون فيه للمعاش والنهار مبصرا ليبصروا فيه ما يسعون له من المعاش الذي لا بد له منهم ووصف النهار بالإبصار وهو وصف للناس مبالغة في إضاءته كأنه يبصر ما فيه قيل في الكلام حذف والتقدير وجعلنا الليل مظلما ليسكنوا وحذف مظلما لدلالة مبصرا عليه وقد تقدم تحقيقه في الإسراء وفي يونس ) إن في ذلك ( المذكور ) الآيات ( أي علامات ودلالات لقوم يؤمنون بالله سبحانه
النمل : ( 87 ) ويوم ينفخ في . . . . .
ثم ذكر سبحانه علامة أخرى للقيامة فقال ) ويوم ينفخ في الصور ( هو معطوف على ويوم نحشر منصوب يناصبه المتقدم قال الفراء إن المعنى وذلكم يوم ينفخ في الصور والأول أولى والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل وقد تقدم في الأنعام استيفاء الكلام عليه والنفخات في الصور ثلاث الأولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة البعث وقيل إنها نفختان وإن نفخة الفزع إما أن تكون راجعة إلى نفخة الصعق أو إلى نفخة البعث واختار هذا القشيري والقرطبي وغيرهما وقال


"""""" صفحة رقم 155 """"""
الماوردي هذه النفخة المذكورة هنا يوم النشور من القبور ) ففزع من في السماوات ومن في الأرض ( أي خافوا وانزعجوا لشدة ما سمعوا وقيل المراد بالفزع هنا الإسراع والإجابة إلى النداء من قولهم فزعت إليك في كذا إذا أسرعت إلى إجابتك والأول أولى بمعنى الاية وإنما عبر بالماضي مع كونه معطوفا على مضارع للدلالة على تحقق الوقوع حسبما ذكره علماء البيان وقال الفراء هو محمول على المعنى لأن المعنى إذا نفخ ) إلا من شاء الله ( أي إلا من شاء الله أن لا يفزع عند تلك النفخة
واختلف في تعيين من وقع الاستثناء له فقيل هم الشهداء والأنبياء وقيل الملائكة وقيل جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وقيل الحور العين وقيل هم المؤمنون كافة بدليل قوله فيما بعد من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ امنون ويمكن أن يكون الاستثناء شاملا لجميع المذكورين فلا مانع من ذلك وكل أتوه داخرين قرأ الجمهور اتوه على صيغة اسم الفاعل مضافا إلى الضمير الراجع إلى الله سبحانه وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة وحفص عن عاصم أتوه فعلا ماضيا وكذا قرأ ابن مسعود وقرأ قتادة وكل أتاه قال الزجاج إن من قرأ على الفعل الماضي فقد وحد على لفظ كل ومن قرأ على اسم الفاعل فقد جمع على معناه وهو غلط ظاهر فإن كلا القراءتين لا توحيد فيها بل التوحيد في قراءة قتادة فقط ومعنى داخرين صاغرين ذليلين وهو منصوب على الحال قرأ الجمهور داخرين وقرأ الأعرج دخرين بغير ألف وقد مضى تفسير هذا في سورة النحل
النمل : ( 88 ) وترى الجبال تحسبها . . . . .
) وترى الجبال تحسبها جامدة ( معطوف على ينفخ والخطاب لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم أو لكل من يصلح للرؤية و ) تحسبها جامدة ( في محل نصب على الحال من ضمير ترى أو من مفعوله لأن الرؤية بصرية وقيل هي بدل من الجملة الأولى وفيه ضعف وهذه هي العلامة الثالثة لقيام الساعة ومعنى تحسبها جامدة أي قائمة ساكنة وجملة وهي تمر مر السحاب في محل نصب على الحال أي وهي تسير سيرا حثيثا كسير السحاب التي تسيرها الرياح قال القتيبي وذلك أن الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير قال القشيري وهذا يوم القيامة ومثله قوله تعالى ) وسيرت الجبال فكانت سرابا ( قرأ أهل الكوفة تحسبها بفتح السين وقرأ الباقون بكسرها ) صنع الله الذي أتقن كل شيء ( انتصاب صنع على المصدرية عند الخليل وسيبويه وغيرهما أي صنع الله ذلك صنعا وقيل هو مصدر مؤكد لقوله ) ويوم ينفخ في الصور ( وقيل منصوب على الإغراء أي انظروا صنع الله ومعنى الذي أتقن كل شيء الذي أحكمه يقال رجل تقن أي حاذق بالأشياء وجملة ) إنه خبير بما تفعلون ( تعليل لما قبلها من كونه سبحانه صنع ما صنع وأتقن كل شيء والخبير المطلع على الظواهر والضمائر قرأ الجمهور بالتاء الفوقية على الخطاب وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالتحتية على الخبر
النمل : ( 89 ) من جاء بالحسنة . . . . .
) من جاء بالحسنة فله خير منها ( الألف واللام للجنس أي من جاء بجنس الحسنة فله من الجزاء والثواب عند الله خير منها أي أفضل منها وأكثر وقيل خير حاصل من جهتها والأول أولى وقيل المراد بالحسنة هنا لا إله إلا الله وقيل هي الإخلاص وقيل أداء الفرائض والتعميم أولى ولا وجه للتخصيص وإن قال به بعض السلف قيل وهذه الجملة بيان لقوله ) إنه خبير بما تفعلون ( وقيل بيان لقوله ) وكل أتوه داخرين ( قرأ عاصم وحمزة والكسائي ) وهم من فزع ( بالتنوين وفتح ميم ) يومئذ ( وقرأ نافع بفتحها من غير تنوين وقرأ الباقون بإضافة فزع إلى يومئذ قال أبو عبيد وهذا أعجب إلا لأنه أعم التأويلين لأن معناه الأمن من فزع جميع ذلك اليوم ومع التنوين يكون الأمن من فزع دون فزع وقيل إنه مصدر يتناول الكثير فلا يتم الترجيح بما ذكر فتكون القراءتان بمعنى واحد وقيل المراد بالفزع هاهنا هو الفزع الأكبر


"""""" صفحة رقم 156 """"""
المذكور في قوله لا يحزنهم الفزع الأكبر ووجه قراءة نافع أنه نصب يوم على الظرفية لكون الإعراب فيه غير متمكن ولما كانت إضافة الفزع إلى ظرف غير متمكن بني وقد تقدم في سورة هود كلام في هذا مستوفى
النمل : ( 90 ) ومن جاء بالسيئة . . . . .
) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ( قال جماعة من الصحابة ومن بعدهم حتى قيل إنه مجمع عليه بين أهل التأويل إن المراد بالسيئة هنا الشرك ووجه التخصيص قوله ) فكبت وجوههم في النار ( فهذا الجزاء لا يكون إلا بمثل سيئة الشرك ومعنى ) فكبت وجوههم في النار ( أنهم كبوا فيها على وجوههم وألقوا فيها وطرحوا عليها يقال كببت الرجل إذا ألقيته لوجهه فانكب وأكب وجملة ) هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ( بتقدير القول أي يقال ذلك والقائل خزنة جهنم أي ما تجزون إلا جزاء عملكم
النمل : ( 91 ) إنما أمرت أن . . . . .
) إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ( لما فرغ سبحانه من بيان أحوال المبدإ والمعاد أمر رسوله صلى الله عليه واله وسلم أن يقول لهم هذه المقالة أي قل يا محمد إنما أمرت أن أخص الله بالعبادة وحده لا شريك له والمراد بالبلدة مكة وإنما خصها من بين سائر البلاد لكون فيها بيت الله الحرام ولكونها أحب البلاد إلى رسوله والموصول صفة للرب وهكذا قرأ الجمهور وقرأ ابن عباس وابن مسعود التي حرمها على أن الموصول صفة للبلدة ومعنى حرمها جعلها حرما امنا لا يسفك فيها دم ولا يظلم فيها أحد ولا يصطاد صيدها ولا يختلى خلاها ) وله كل شيء ( من الأشياء خلقا وملكا وتصرفا أي ولله كل شيء ) وأمرت أن أكون من المسلمين ( أي المنقادين لأمر الله المستسلمين له بالطاعة وامتثال أمره واجتناب نهيه والمراد بقوله ) أن أكون ( أن أثبت على ما أنا عليه
النمل : ( 92 ) وأن أتلو القرآن . . . . .
) وأن أتلو القرآن ( أي أداوم تلاوته وأواظب على ذلك قيل وليس المراد من تلاوة القران هنا إلا تلاوة الدعوة إلى الإيمان والأول أولى ) فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ( لأن نفع ذلك راجع إليه أي فمن اهتدى على العموم أو فمن اهتدى بما أتلوه عليه فعمل بما فيه من الإيمان بالله والعمل بشرائعه قرأ الجمهور وأن أتلو بإثبات الواو بعد اللام على أنه من التلاوة وهي القراءة أو من التلو وهو الاتباع وقرأ عبد الله وأن اتل بحذف الواو أمرا له صلى الله عليه واله وسلم كذا وجهه الفراء قال النحاس ولا نعرف أحدا قرأ هذه القراءة وهي مخالفة لجميع المصاحف ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين وقد فعلت بإبلاغ ذلك إليكم وليس على غير ذلك وقيل الجواب محذوف أي فوبال ضلاله عليه وأقيم إنما أنا من المنذرين مقامه لكونه كالعلة له
النمل : ( 93 ) وقل الحمد لله . . . . .
وقل الحمد لله على نعمه التي أنعم بها على من النبوة والعلم وغير ذلك وقوله سيريكم اياته هو من جملة ما أمر به النبي صلى الله عليه واله وسلم أن يقوله أي سيريكم الله اياته في أنفسكم وفي غيركم فتعرفونها أي تعرفون اياته ودلائل قدرته ووحدانيته وهذه المعرفة لا تنفع الكفار لأنهم عرفوها حين لا يقبل منهم الإيمان وذلك عند حضور الموت ثم ختم السورة بقوله ) وما ربك بغافل عما تعملون ( وهو كلام من جهته سبحانه غير داخل تحت الكلام الذي أمر النبي صلى الله عليه واله وسلم أن يقوله وفيه ترهيب شديد وتهديد عظيم قرأ أهل المدينة والشام وحفص عن عاصم تعملون بالفوقية على الخطاب وقرأ الباقون بالتحتية
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله داخرين قال صاغرين وأخرج هؤلاء عنه في قوله ) وترى الجبال تحسبها جامدة ( قال قائمة ) صنع الله الذي أتقن كل شيء ( قال أحكم وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ) صنع الله الذي أتقن كل شيء ( قال أحسن كل شيء خلقه وأوثقه وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم ) من جاء بالحسنة فله خير منها (


"""""" صفحة رقم 157 """"""
قال هي لا إله إلا الله ) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ( قال هي الشرك وإذا صح هذا عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فالمصير إليه في تفسير كلام الله سبحانه متعين ويحمل على أن المراد قال لا إله إلا الله بحقها وما يجب لها فيدخل تحت ذلك كل طاعة ويشهد له ما أخرجه الحاكم في الكنى عن صفوان بن عسال قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا كان يوم القيامة جاء الإيمان والشرك يجثوان بين يدي الله سبحانه فيقول الله للإيمان انطلق أنت وأهلك إلى الجنة ويقول للشرك انطلق أنت وأهلك إلى النار ثم تلا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ) من جاء بالحسنة فله خير منها ( يعني قول لا إله إلا الله ) ومن جاء بالسيئة ( يعني الشرك ) فكبت وجوههم في النار ( وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة وأنس نحوه مرفوعا وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم من جاء بالحسنة يعني شهادة أن لا إله إلا الله ) فله خير منها ( يعني بالخير الجنة ) ومن جاء بالسيئة ( يعني الشرك فكبت وجوههم في النار وقال هذه تنجى وهذه تردى وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن مسعود من جاء بالحسنة قال لا إله إلا الله ) ومن جاء بالسيئة ( قال بالشرك وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ) فله خير منها ( قال له منها خير يعني من جهتها وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ) فله خير منها ( قال ثواب وأخرج أيضا عنه أيضا قال البلدة مكة
28
S
تفسير
سورة القصص
اياتها ثمان وثمانون آية وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء
حول السورة
وأخرج ابن الضريس وابن النجار وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال نزلت سورة القصص بمكة وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثل ذلك قال القرطبي قال ابن عباس وقتادة إنها نزلت بين مكة والمدينة وقال ابن سلام بالجحفة وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهي قوله عز وجل ) إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ( وقال مقاتل فيها من المدني ) الذين آتيناهم الكتاب ( إلى قوله ) لا نبتغي الجاهلين ( وأخرج أحمد والطبراني وابن مردويه قال السيوطي سنده جيد عن معد يكرب قال أتينا عبد الله بن مسعود فسألناه أن يقرأ علينا طسم المائتين فقال ما هي معي ولكن عليكم بمن أخذها من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حباب بن الأرت فأتيت خبابا فقلت كيف كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقرأ طسم أو طس فقال كل كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقرأه
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة القصص ( 1 13 )


"""""" صفحة رقم 158 """"""
القصص : ( 1 ) طسم
الكلام في فاتحة هذه السورة قد مر في فاتحة الشعراء وغيرها فلا نعيده
القصص : ( 2 ) تلك آيات الكتاب . . . . .
وكذلك مر الكلام على قوله ) تلك آيات الكتاب المبين ( فاسم الإشارة مبتدأ خبره ما بعده أو خبر مبتدأ محذوف وايات بدل من اسم الإشارة ويجوز أن يكون تلك في موضع نصب بنتلوا والمبين المشتمل على بيان الحق من الباطل قال الزجاج مبين الحق من الباطل والحلال من الحرام وهو من أبان بمعنى أظهر
القصص : ( 3 ) نتلوا عليك من . . . . .
) نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ( أي نوحى إليك من خبرهما ملتبسا بالحق وخص المؤمنين لأن التلاوة إنما ينتفع بها المؤمن وقيل إن مفعول نتلوا محذوف والتقدير نتلوا عليك شيئا من نبئهما ويجوز أن تكون من مزيدة على رأى الأخفش أي نتلو عليك نبأ موسى وفرعون والأولى أن تكون للبيان على تقدير المفعول كما ذكر أو للتبعيض ولا ملجىء للحكم بزيادتها والحق الصدق
القصص : ( 4 ) إن فرعون علا . . . . .
وجملة ) إن فرعون علا في الأرض ( وما بعدها مستأنفه مسوقة لبيان ما أجمله من النبأ قال المفسرون معنى علا تكبر وتجبر بسلطانه والمراد بالأرض أرض مصر وقيل معنى علا ادعى الربوبية وقيل علا عن عبادة ربه ) وجعل أهلها شيعا ( أي فرقا وأصنافا في خدمته يشايعونه على ما يريد ويطيعونه وجملة ) يستضعف طائفة منهم ( مستأنفة مسوقة لبيان حال الأهل الذين جعلهم فرقا وأصنافا ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل جعل أي جعلهم شيعا حال كونهم مستضعفا طائفة منهم ويجوز أن تكون صفة لطائفة والطائفة هم بنو إسرائيل وجملة ) يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ( بدل من الجملة الأولى ويجوز أن تكون مستأنفة للبيان أو حالا أو صفة كالتي قبلها على تقدير عدم كونها بدلا منها وإنما كان فرعون يذبح


"""""" صفحة رقم 159 """"""
أبناءهم ويترك النساء لأن المنجمين في ذلك العصر أخبروه أنه يذهب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل قال الزجاج والعجب من حمق فرعون فإن الكاهن الذي أخبره بذلك إن كان صادقا عنده فما ينفع القتل وإن كان كاذبا فلا معنى للقتل ) إنه كان من المفسدين ( في الأرض بالمعاصى والتجبر وفيه بيان أن القتل من فعل أهل الإفساد
القصص : ( 5 ) ونريد أن نمن . . . . .
) ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ( جاء بصيغة المضارع لحكاية الحالة الماضية واستحضار صورتها أي نريد أن نتفضل عليهم بعد استضعافهم والمراد بهؤلاء بنو إسرائيل والواو في ونريد للعطف على جملة ) إن فرعون علا ( وإن كانت الجملة المعطوف عليها اسمية لأن بينهما تناسبا من حيث ان كل واحدة منهما للتفسير والبيان ويجوز أن تكون حالا من فاعل يستضعف بتقدير مبتدأ أي ونحن نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض كما في قول الشاعر نجوت وارهنهم ملكا
والأول أولى ) ونجعلهم أئمة ( أي قاده في الخير ودعاة إليه وولاه على الناس وملوكا فيهم ) ونجعلهم الوارثين ( لملك فرعون ومساكن القبط واملاكهم فيكون ملك فرعون فيهم ويسكنون في مساكنه ومساكن قومه وينتفعون بأملاكه وأملاكهم
القصص : ( 6 ) ونمكن لهم في . . . . .
) ونمكن لهم في الأرض ( أي نجعلهم مقتدرين عليها وعلى أهلها مسلطين على ذلك يتصرفون به كيف شاءوا قرأ الجمهور ) نمكن ( بدون لام وقرأ الأعمش لنمكن بلام العلة ) ونري فرعون وهامان وجنودهما ( قرأ الجمهور نرى بنون مضمومة وكسر الراء على أن الفاعل هو الله سبحانه وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف ويرى بفتح الياء التحتية والراء والفاعل فرعون والقراءة الأولى الصق بالسياق لأن قبلها نريد ونجعل ونمكن بالنون وأجاز الفراء ويرى فرعون بضم الياء التحتية وكسر الراء أي ويرى الله فرعون ومعنى منهم من أولئك المستضعفين ما كانوا يحذرون الموصول هو المفعول الثاني على القراءة الأولى والمفعول الأول على القراءة الثانية والمعنى أن الله يريهم أو يرون هم الذين كانوا يحذرون منه ويجتهدون في دفعه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد المولود من بني إسرائيل المستضعفين
القصص : ( 7 ) وأوحينا إلى أم . . . . .
) وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ( أي ألهمناها وقذفنا في قلبها وليس ذلك هو الوحى الذي يوحى إلى الرسل وقيل كان ذلك رؤيا في منامها وقيل كان ذلك بملك أرسله الله يعلمها بذلك
وقد أجمع العلماء على أنها لم تكن نبية وإنما كان إرسال الملك إليها عند من قال به على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى كما في الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما وقد سلمت على عمران بن حصين الملائكة كما في الحديث الثابت في الصحيح فلم يكن بذلك نبيا وأن في أن ارضعيه هي المفسرة لأن في الوحى معنى القول ويجوز أن تكون مصدرية أي بأن أرضعيه وقرأ عمر بن عبد العزيز بكسر نون أن ووصل همزة أرضعيه فالكسر لالتقاء الساكنين وحذف همزة الوصل على غير القياس ) فإذا خفت عليه ( من فرعون بأن يبلغ خبره إليه ) فألقيه في اليم ( وهو بحر النيل وقد تقدم بيان الكيفية التي ألقته في اليم عليها في سورة طه ) ولا تخافي ولا تحزني ( أي لا تخافي عليه الغرق أو الضيعة ولا تحزني لفراقه ) إنا رادوه إليك ( عن قريب على وجه تكون به نجاته ) وجاعلوه من المرسلين ( الذين نرسلهم إلى العباد
القصص : ( 8 ) فالتقطه آل فرعون . . . . .
والفاء في قوله ) فالتقطه آل فرعون ( هي الفصيحة والالتقاط إصابة الشيء من غير طلب والمراد بال فرعون هم الذين أخذوا التابوت الذي فيه موسى من البحر وفي الكلام حذف والتقدير فألقته في اليم بعد ما جعلته في التابوت فالتقطه من وجده من ال فرعون واللام في ) ليكون لهم عدوا وحزنا ( لام العاقبة ووجه ذلك أنهم إنما أخذوه ليكون لهم ولدا وقرة عين


"""""" صفحة رقم 160 """"""
لا ليكون عدوا فكان عاقبة ذلك إنه كان لهم عدوا وحزنا ولما كانت هذه العداوة نتيجة لفعلهم وثمرة له شبهت بالداعي الذين يفعل الفاعل الفعل لأجله ومن هذا قول الشاعر لدوا للموت وابنو للخراب
وقول الاخر
وللمنايا تربى كل مرضعة ودورنا لخراب الدهر نبنيها
قرأ الجمهور وحزنا بفتح الحاء والزاي وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف وحزنا بضم الحاء وسكون الزاي واختار القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم وهما لغتان كالعدم والعدم والرشد والرشد والسقم والسقم وجملة ) إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ( لتعليل ما قبلها أو للاعتراض لقصد التأكيد ومعنى خاطئين عاصين اثمين في كل أفعالهم وأقوالهم وهو مأخوذ من الخطأ المقابل للصواب وقرىء خاطين بياء من دون همزة فيحتمل أن يكون معنى هذه القراءة معنى قراءة الجمهور ولكنها خففت بحذف الهمزة ويحتمل أن تكون من خطا يخطو أي تجاوز الصواب
القصص : ( 9 ) وقالت امرأة فرعون . . . . .
) وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك ( أي قالت امرأة فرعون لفرعون وارتفاع قرة على أنه خبر مبتدأ محذوف قاله الكسائي وغيره وقيل على أنه مبتدأ وخبره لا تقتلوه قاله الزجاج والأول أولى وكان قولها لهذا القول عند رؤيتها له لما وصل إليها وأخرجته من التابوت وخاطبت بقولها لا تقتلوه فرعون ومن عنده من قومه أو فرعون وحده على طريقة التعظيم له وقرأ عبد الله بن مسعود وقالت امرأة فرعون لا تقتلوه قرة عين لي ولك ويجوز نصب قرة بقوله لا تقتلوه على الاشتغال وقيل إنها قالت لا تقتلوه فإن الله أتى به من أرض بعيدة وليس من بني إسرائيل ثم عللت ما قالته بالترجي منها لحصول النفع منه لهم أو التبني له فقالت ) عسى أن ينفعنا ( فنصيب منه خيرا ) أو نتخذه ولدا ( وكانت لا تلد فاستوهبته من فرعون فوهبه لها وجملة ) وهم لا يشعرون ( في محل نصب على الحال أي وهم لا يشعرون أنهم على خطأ في التقاطه ولا يشعرون أن هلاكهم على يده فتكون حالا من ال فرعون وهي من كلام الله سبحانه وقيل هي من كلام المرأة أي وبنو إسرائيل لا يدرون أنا التقطناه وهم لا يشعرون قاله الكلبي وهو بعيد جدا وقد حكى الفراء عن السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن قوله ) لا تقتلوه ( من كلام فرعون واعترضه بكلام يرجع إلى اللفظ ويكفى في رده ضعف إسناده
القصص : ( 10 ) وأصبح فؤاد أم . . . . .
) وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ( قال المفسرون معنى ذلك أنه فارغ من كل شيء إلا من أمر موسى كأنها لم تهتم بشيء سواه قال أبو عبيدة خاليا من ذكر كل شيء في الدنيا إلا من ذكر موسى وقال الحسن وابن إسحاق وابن زيد فارغا مما أوحى إليها من قوله ) ولا تخافي ولا تحزني ( وذلك لما سول الشيطان لها من غرقه وهلاكه وقال الأخفش فارغا من الخوف والغم لعلمها أنه لم غرق بسبب ما تقدم من الوحي إليها وروى مثله عن أبي عبيدة أيضا وقال الكسائي ناسيا ذاهلا وقال العلاء ابن زياد نافرا وقال سعيد بن جبير والها كادت تقول واابناه من شدة الجزع وقال مقاتل كادت تصيح شفقة عليه من الغرق وقيل المعنى أنها لما سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والدهش قال النحاس وأصح هذه الأقوال الأول والذين قالوه أعلم بكتاب الله فإذا كان فارغا من كل شيء إلا من ذكر موسى فهو فارغ من الوحي وقول من قال فارغا من الغم غلط قبيح لأن بعده ) إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ( وقرأ فضالة بن عبيد الأنصاري ومحمد بن السميفع وأبو العالية وابن محيصن فزغا بالفاء والزاي والعين المهملة من الفزع أي خائفا وجلا وقرأ ابن عباس قرعا بالقاف المفتوحة والراء المهملة المسكورة والعين المهملة من قرع رأسه إذا انحسر شعره ومعنى وأصبح وصار كما قال الشاعر


"""""" صفحة رقم 161 """"""
مضى الخلفاء في أمر رشيد
وأصبحت المدينة للوليد
) إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ( أن هي المخففه من الثقيلة واسمها ضمير شان محذوف أي إنها كادت لتظهر أمر موسى وأنه ابنها من فرط مادهمها من الدهش والخوف والحزن من بدا يبدو إذا ظهر وأبدى يبدى إذا أظهر وقيل الضمير في به عائد إلى الوحي الذي أوحى إليها والأول أولى وقال الفراء إن كانت لتبدى باسمه لضيق صدرها لولا أن ربطنا على قلبها قال الزجاج ومعنى الربط على القلب إلهام الصبر وتقويته وجواب لولا محذوف أي لولا أن ربطنا على قلبها لأبدت واللام في ) لتكون من المؤمنين ( متعلق بربطنا والمعنى ربطنا على قلبها لتكون من المصدقين بوعد الله وهو قوله ) إنا رادوه إليك ( قيل والباء في ) لتبدي به ( زائدة للتأكيد والمعنى لتبديه كما تقول أخذت الحبل وبالحبل وقيل المعنى لتبدي القول به
القصص : ( 11 ) وقالت لأخته قصيه . . . . .
) وقالت لأخته قصيه ( أي قالت أم موسى لأخت موسى وهي مريم قصيه أي تتبعي أثره واعرفي خبره وانظري أين وقع وإلى من صار يقال قصصت الشيء إذا اتبعت أثره متعرفا لحاله ) فبصرت به عن جنب ( أي أبصرته عن بعد وأصله عن مكان جنب ومنه الأجنبي قال الشاعر فلا تحرميني نائلا عن جنابة
فإني امرؤ وسط الديار غريب
وقيل المراد بقوله عن جنب عن جانب والمعنى أنها أبصرت إليه متجانفة مخاتلة ويؤيد ذلك قراءة النعمان بن سالم عن جانب ومحل عن جنب النصب على الحال إما من الفاعل أي بصرت به مستخفية كائنة عن جنب وإما من المجرور أي بعيدا منها قرأ الجمهور بصرت به بفتح الباء وضم الصاد وقرأ قتادة بفتح الصاد وقرأ عيسى بن عمر بكسرها قال المبرد أبصرته وبصرت به بمعنى وقرأ الجمهور ) عن جنب ( بضمتين وقرأ قتادة والحسن والأعرج وزيد بن علي بفتح الجيم وسكون النون وروى عن قتادة أيضا أنه قرأ بفتحهما وروى عن الحسن أيضا أنه قرأ بضم الجيم وسكون النون وقال أبو عمرو بن لعلاء إن معنى عن جنب عن شوق قال وهي لغة جذام يقولون جنبت إليك أي اشتقت إليك وهم لا يشعرون أنها تقصه وتتبع خبره وأنها أخته
القصص : ( 12 ) وحرمنا عليه المراضع . . . . .
) وحرمنا عليه المراضع ( المراضع جمع مرضع أي منعناه أن يرضع من المرضعات وقيل المراضع جمع مرضع بفتح الضاد وهو الرضاع أو موضعه وهو الثدي ومعنى من قبل من قبل أن نرده إلى أمه أو من قبل أن تأتيه أمه أو من قبل قصها لأثره وقد كانت امرأة فرعون طلبت لموسى المرضعات ليرضعنه فلم يرضع من واحدة منهم فعند ذلك قالت أي أخته لما رأت امتناعه من الرضاع ) هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ( أي يضمنون لكم القيام به وإرضاعه ) وهم له ناصحون ( أي مشفقون عليه لا يقصرون في إرضاعه وتربيته وفي الكلام حذف والتقدير فقالوا لها من هم فقالت أمي فقيل لها وهل لأمك لبن قالت نعم لبن أخي هارون فدلتهم على أم موسى فدفعوه إليها فقبل ثديها ورضع منه
القصص : ( 13 ) فرددناه إلى أمه . . . . .
وذلك معنى قوله سبحانه ) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ( بولدها ) ولا تحزن ( على فراقه ) ولتعلم أن وعد الله ( أي جميع وعده ومن جملة ذلك ما وعدها بقوله ) إنا رادوه إليك ( حق لا خلف فيه واقع لا محالة ) ولكن أكثرهم لا يعلمون ( أي أكثر ال فرعون لا يعلمون بذلك بل كانوا في غفلة عن القدر وسر القضاء أو أكثر الناس لا يعلمون بذلك أو لا يعلمون وعدها بأن يرده إليها
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ) وجعل أهلها شيعا ( قال فرق بينهم وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ) وجعل أهلها شيعا (


"""""" صفحة رقم 162 """"""
قال يستعبد طائفة منهم ويدع طائفة ويقتل طائفة ويستحيى طائفة وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله ) ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ( قال يوسف وولده وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ) ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ( قال هم بنو إسرائيل ) ونجعلهم أئمة ( أي ولاة الأمر ) ونجعلهم الوارثين ( أي الذين يرثون الأرض بعد فرعون وقومه ) ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ( قال ما كان القوم حذروه وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) وأوحينا إلى أم موسى ( أي ألهمناها الذي صنعت بموسى وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش قال قال ابن عباس في قوله ) فإذا خفت عليه ( قال أن يسمع جيرانك صوته وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله ) وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ( قال فرغ من ذكر كل شيء من أمر الدنيا إلا من ذكر موسى وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله ) وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ( قال خاليا من كل شيء غير ذكر موسى وفي قوله ) إن كادت لتبدي به ( قال تقول يا ابناه وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عنه في قوله ) وقالت لأخته قصيه ( أي اتبعي أثره ) فبصرت به عن جنب ( قال عن جانب وأخرج الطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لخديجة أما شعرت أن الله زوجني مريم بنت عمران وكلثوم أخت موسى وامرأة فرعون قالت هنيئا لك يا رسول الله وأخرجه ابن عساكر عن ابن أبي رواد مرفوعا بأطول من هذا وفي اخره أنها قالت بالرفاء والبنين وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ) وحرمنا عليه المراضع من قبل ( قال لا يؤتى بمرضع فيقبلها
سورة القصص ( 14 24 )


"""""" صفحة رقم 163 """"""
القصص : ( 14 ) ولما بلغ أشده . . . . .
قوله ) ولما بلغ أشده ( قد تقدم الكلام في بلوغ الأشد في الأنعام وقد قال ربيعة ومالك هو الحلم لقوله تعالى ) حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا ( الاية وأقصاه أربع وثلاثون سنة كما قال مجاهد وسفيان الثوري وغيرهما وقيل الأشد ما بين الثمانية عشر إلى الثلاثين والاستواء من الثلاثين إلى الأربعين وقيل الاستواء هو بلوغ الأربعين وقيل الاستواء إشارة إلى كمال الخلقة وقيل هو بمعنى واحد وهو ضعيف لأن العطف يشعر بالمغايرة ) آتيناه حكما وعلما ( الحكم الحكمة على العموم وقيل النبوة وقيل الفقه في الدين والعلم الفهم قاله السدي وقال مجاهد الفقه وقال إبن إسحاق العلم بدينه ودين ابائه وقيل كان هذا قبل النبوة وقد تقدم بيان معنى ذلك في البقرة ) وكذلك نجزي المحسنين ( أي مثل ذلك الجزاء الذي جزينا أم موسى لما استسلمت لأمر الله وألقت ولدها في البحر وصدقت بوعد الله نجزي المحسنين على إحسانهم والمراد العموم
القصص : ( 15 ) ودخل المدينة على . . . . .
) ودخل المدينة ( أي ودخل موسى مدينة مصر الكبرى وقيل مدينة غيرها من مدائن مصر ومحل قوله ) على حين غفلة من أهلها ( النصب على الحال إما من الفاعل أي مستخفيا وإما من المفعول قيل لما عرف موسى ما هو عليه من الحق في دينه عاب ما عليه قوم فرعون وفشا ذلك منه فأخافوه فخافهم فكان لا يدخل المدينة إلا مستخفيا قبل كان دخوله بين العشاء والعتمة وقيل وقت القائلة قال الضحاك طلب أن يدخل المدينة وقت غفلة أهلها فدخل على حين علم منهم فكان منه ما حكى الله سبحانه بقوله ) فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته ( أي ممن شايعه على دينه وهم بنو إسرائيل ) وهذا من عدوه ( أي من المعادين له على دينه وهم قوم فرعون ) فاستغاثه الذي من شيعته ( أي طلب منه أن ينصره ويعينه على خصمه ) على الذي من عدوه ( فأغاثه لأن نصر المظلوم واجب في جميع الملل قيل أراد القبطي أن يسخر الإسرائيلي ليحمل حطبا لمطبخ فرعون فأبى عليه واستغاث بموسى فوكزه موسى الوكز الضرب بجمع الكف وهكذا اللكز واللهز وقيل اللكز على اللحى والوكز على القلب وقبل ضربه بعصاه وقرأ ابن مسعود فلكزه وحكى الثعلبي أن في مصحف عثمان فنكزه بالنون قال الأصمعي نكزه بالنون ضربه ودفعه قال الجوهري اللكز الضرب على الصدر وقال أبو زيد في جميع الجسد يعني أنه يقال له لكز واللهز الضرب بجميع اليدين في الصدر ومثله عن أبي عبيدة فقضى عليه أي قتله وكل شيء أتيت عليه وفرغت منه فقد قضيت عليه ومنه قول الشاعر قد عضه فقضى عليه الأشجع
قيل لم يقصد موسى قتل القبطي وإنما قصد دفعه فأتى ذلك على نفسه ولهذا قال ) هذا من عمل الشيطان (


"""""" صفحة رقم 164 """"""
وإنما قال بهذا القول مع أن المقتول كافر حقيق بالقتل لأنه لم يكن إذ ذاك مأمورا بقتل الكفار وقيل إن تلك الحالة حالة كف عن القتال لكونه مأمونا عندهم فلم يكن له أن يغتالهم ثم وصف الشيطان بقوله ) إنه عدو مضل مبين ( أي عدو للإنسان يسعى في إضلاله ظاهر العداوة والإضلال وقيل إن الإشارة بقوله هذا إلى عمل المقتول لكونه كافرا مخالفا لما يريده الله وقيل إنه إشارة إلى المقتول نفسه يعني أنه من جند الشيطان وحزبه
القصص : ( 16 ) قال رب إني . . . . .
ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه ) قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر ( الله له ذلك ) إنه هو الغفور الرحيم ( ووجه استغفاره أنه لم يكن لنبي أن يقتل حتى يؤمر وقيل إنه طلب المغفرة من تركه للأولى كما هو سنة المرسلين أو أراد إني ظلمت بقتل هذا الكافر لأن فرعون لو يعرف ذلك لقلتني به ومعنى فاغفر لي فاستر ذلك على لا تطلع عليه فرعون وهذا خلاف الظاهر فإن موسى عليه السلام ما زال نادما على ذلك خائفا من العقوبة بسببه حتى إنه يوم القيامة عند طلب الناس الشفاعة منه يقول إني قتلت نفسا لم أومر بقتلها كما ثبت ذلك في حديث الشفاعة الصحيح وقد قيل إن هذا كان قبل النبوة وقيل كان ذلك قبل بلوغه سن التكليف وإنه كان إذ ذاك في اثنتي عشرة سنة وكل هذه التأويلات البعيدة محافظة على ما تقرر من عصمة الأنبياء ولا شك أنهم معصومون من الكبائر والقتل الواقع منه لم يكن عن عمد فليس بكبيرة لأن الوكزة في الغالب لا تقتل
القصص : ( 17 ) قال رب بما . . . . .
ثم لما أجاب الله سؤاله وغفر له ما طلب منه مغفرته ) قال رب بما أنعمت علي ( هذه الباء يجوز أن تكون باء القسم والجواب مقدر أي أقسم بإنعامك على لأتوبن وتكون جملة ) فلن أكون ظهيرا للمجرمين ( كالتفسير للجواب وكأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرما ويجوز أن تكون هذه الباء هي باء السببية متعلقة بمحذوف أي أعصمني بسبب ما أنعمت به علي ويكون قوله ) فلن أكون ظهيرا ( مترتبا عليه ويكون في ذلك استعطاف لله تعالى وتوصل إلى إنعامه بإنعامه و ما في قوله ) بما أنعمت ( إما موصولة أو مصدرية والمراد بما أنعم به عليه هو ما اتاه من الحكم والعلم أو بالمغفرة أو بالجميع وأراد بمظاهرة المجرمين إما صحبة فرعون والانتظام في جملته في ظاهر الأمر أو مظاهرته على مافيه إثم قال الكسائي والفراء ليس قوله ) فلن أكون ظهيرا للمجرمين ( خبرا بل هو دعاء أي فلا تجعلني يا رب ظهيرا لهم قال الكسائي وفي قراءة عبد الله فلا تجعلني يا رب ظهيرا للمجرمين وقال الفراء المعنى اللهم فلن أكون ظهيرا للمجرمين وقال النحاس إن جعله من باب الخبر أو في وأشبه بنسق الكلام
القصص : ( 18 ) فأصبح في المدينة . . . . .
) فأصبح في المدينة خائفا يترقب ( أي دخل في وقت الصباح في المدينة التي قتل فيها القبطي وخائفا خبر أصبح ويجوز أن يكون حالا والخبر في المدينة ويترقب يجوز أن يكون خبرا ثانيا وأن يكون حالا ثانية وأن يكون بدلا من خائفا ومفعول يترقب محذوف والمعنى يترقب المكروه أو يترقب الفرح ) فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ( إذا هي الفجائية والموصول مبتدأ وخبره يستصرخه أي فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي استغاثه بالأمس يقاتل قبطيا اخر أراد أن يسخره ويظلمه كما أراد القبطي الذي الذي قد قتله موسى بالأمس والاستصراخ الاستغاثة وهو من الصراخ وذلك أن المستغيث يصوت ويصرخ في طلب الغوث ومنه قول الشاعر كنا إذا ما أتانا صارخ فزع
كان الجواب له قرع الظنابيب
) قال له موسى إنك لغوي مبين ( أي بين الغواية وذلك أنك تقاتل من لا تقدر على مقاتلته ولا تطيقه وقيل إنما قال له هذه المقالة لأنه تسبب بالأمس لقتل رجل يريد اليوم أن يتسبب لقتل اخر
القصص : ( 19 ) فلما أن أراد . . . . .
) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما ( أي يبطش بالقبطي الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي حيث لم يكن على دينهما وقد تقدم


"""""" صفحة رقم 165 """"""
معنى يبطش واختلاف القراء فيه ) قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ( القائل هو الإسرائيلي لما سمع موسى يقول له ) إنك لغوي مبين ( وراه يريد أن يبطش بالقبطي ظن أنه يريد أن يبطش به فقال لموسى ) أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ( فلما سمع القبطي ذلك أفشاه ولم يكن قد علم أحد من أصحاب فرعون أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس حتى أفشى عليه الإسرائيلي هكذا قال جمهور المفسرين وقيل إن القائل ) أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ( هو القبطي وكان قد بلغه الخبر من جهة الإسرائيلي وهذا هو الظاهر وقد سبق ذكر القبطي قبل هذا بلا فصل لأنه هو المراد بقوله عدو لهما ولا موجب لمخالفة الظاهر حتى يلزم عنه أن المؤمن بموسى المستغيث به المرة الأولى والمرة الأخرى هو الذي أفشى عليه وأيضا إن قوله ) إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض ( لا يليق صدور مثله إلا من كافر وإن في قوله ) إن تريد ( هي النافية أي ما تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض قال الزجاج الجبار في اللغة الذي لا يتواضع لأمر الله والقاتل بغير حق جبار وقيل الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل ولا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن ) وما تريد أن تكون من المصلحين ( أي الذين يصلحون بين الناس
القصص : ( 20 ) وجاء رجل من . . . . .
) وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ( قيل المراد بهذا الرجل حزقيل وهو مؤمن ال فرعون وكان ابن عم موسى وقيل اسمه شمعون وقيل طالوت وقيل شمعان والمراد بأقصى المدينة اخرها وأبعدها ويسعى يجوز أن يكون في محل رفع صفة لرجل ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال لأن لفظ رجل وإن كان نكرة فقد تخصص بقوله من أقصى المدينة ) قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ( أي يتشاورون في قتلك ويتامرون بسببك قال الزجاج يأمر بعضهم بعضا بقتلك وقال أبو عبيد يتشاورون فيك ليقتلوك يعني أشراف قوم فرعون قال الأزهري ائتمر القوم وتامروا أي أمر بعضهم بعضا نظيره قوله ) وأتمروا بينكم بمعروف ( قال النمر بن تولب أرى الناس قد أحدثوا شيمة
وفي كل حادثة يؤتمر
) فاخرج إني لك من الناصحين ( في الأمر بالخروج واللام للبيان لأن معمول المجرور لا يتقدم عليه
القصص : ( 21 ) فخرج منها خائفا . . . . .
) فخرج منها خائفا يترقب ( فخرج موسى من المدينة حال كونه خائفا من الظالمين مترقبا لحوقهم به وإدراكهم له ثم دعا ربه بأن ينجيه مما خافه قائلا ) رب نجني من القوم الظالمين ( أي خلصني من القوم الكافرين وادفعهم عني وحل بيني وبينهم
القصص : ( 22 ) ولما توجه تلقاء . . . . .
) ولما توجه تلقاء مدين ( أي نحو مدين قاصدا لها قال الزجاج أي سلك في الطريق الذي تلقاء مدين فيها انتهى يقال داره تلقاء دار فلان وأصله من اللقاء ولم تكن هذه القرية داخلة تحت سلطان فرعون ولهذا خرج إليها ) قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ( أي يرشدني نحو الطريق المستوية إلى مدين
القصص : ( 23 ) ولما ورد ماء . . . . .
ولما ورد ماء مدين أي وصل إليه وهو الماء الذي يستقون منه وجد عليه أمة من الناس يسقون أي وجد على الماء جماعة كثيرة من الناس يسقون مواشيهم ولفظ الورود قد يطلق على الدخول في المورد وقد يطلق على البلوغ إليه وإن لم يدخل فيه وهو المراد هنا ومنه قول زهير فلما وردنا الماء زرقا حمامه
وقد تقدم تحقيق معنى الورود في قوله وإن منكم إلا واردها وقيل مدين اسم للقبيلة لا للقرية وهي غير منصرفة على كلا التقديرين ) ووجد من دونهم ( أي من دون الناس الذين يسقون ما بينهم وبين الجهة التي جاء بها وقيل معناه في موضع أسفل منهم امرأتين تذودان أي تحبسان أغنامهما من الماء حتى يفرغ الناس ويخلو بينهما وبين الماء ومعنى الذود الدفع والحبس ومنه قول الشاعر
أبيت على باب القوافى كأنما أذود بها سربا من الوحش نزعا


"""""" صفحة رقم 166 """"""
أي أحبس وأمنع وورد الذود بمعنى الطرد ومنه قول الشاعر لقد سلبت عصاك بنو تميم
فما تدري بأي عصى تذود
أي تطرد قال ما خطبكما أي قال موسى للمرأتين ما شأنكما لا تسقيان غنمكما مع الناس والخطب الشأن قيل وإنما يقال ما خطبك لمصاب أو مضطهد أو لمن يأتي بمنكر قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء أي إن عادتنا التأني حتى يصدر الناس عن الماء وينصرفوا منه حذرا من مخالطتهم أو عجزا عن السقي معهم قرأ الجمهور يصدر بضم الياء وكسر الدال مضارع أصدر المعتدى بالهمزة وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وابو جعفر بفتح الياء وضم الدال من صدر يصدر لازما فالمفعول على القراءة الأولى محذوف أي يرجعون مواشيهم والرعاء جمع راع قرأ الجمهور الرعاء بكسر الراء وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بفتحها قال أبو الفضل هو مصدر أقيم مقام الصفة فلذلك استوى فيه الواحد والجمع وقرىء الرعاء بالضم اسم جمع وقرأ طلحة بن مصرف نسقى بضم النون من أسقى ) وأبونا شيخ كبير ( عالى السن وهذا من تمام كلامهما أي لا يقدر أن يسقى ماشيته من الكبر فلذلك احتجنا ونحن امرأتان ضعيفتان أن نسقى الغنم لعدم وجود رجل يقوم لنا بذلك
القصص : ( 24 ) فسقى لهما ثم . . . . .
فما سمع موسى كلامهما سقى لهما رحمة لهما أي سقى أغنامهما لأجلهما ثم لما فرغ من السقي لهما تولى إلى الظل أي انصرف إليه فجلس فيه قيل كان هذا الظل ظل سمرة هنالك ثم قال لما أصابه من الجهد والتعب مناديا لربه ) إني لما أنزلت إلي من خير ( أي خير كان فقير أي محتاج إلى ذلك قيل أراد بذلك الطعام واللام في لما أنزلت معناها إلى قال الأخفش يقال هو فقير له وإليه
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والمحاملي في أمالية من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله ولما بلغ أشده قال ثلاثا وثلاثين سنة واستوى قال أربعين سنة وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المعمرين من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه قال الأشد ما بين الثماني عشرة إلى الثلاثين والاستواء ما بين الثلاثين إلى الأربعين فإذا زاد على الأربعين أخذ في النقصان وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عنه أيضا في قوله ) ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها ( قال نصف النهار وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني عنه أيضا في الاية قال ما بين المغرب والعشاء وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا هذا من شيعته قال إسرائيل وهذا من عدوه قال قبطي فاستغاثه الذي من شيعته الإسرائيلي على الذى من عدوة القبطي فوكزه موسى فقضى عليه قال فمات قال فكبر ذلك على موسى وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ) فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ( قال هو صاحب موسى الذي استنصره بالأمس وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال الذي استنصره هو الذي استصرخه وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال من قتل رجلين فهو جبار ثم تلا هذه الاية إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال لا يكون الرجل جبارا حتى يقتل نفسين وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال خرج موسى خائفا يترقب جائعا ليس معه زاد حتى انتهى إلى ماء مدين و عليه أمة من الناس يسقون وامرأتان جالستان بشياهههما فسألهما ) ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ( قال فهل قربكما ماء قالتا لا إلا بئر عليها صخرة قد غطيت بها لا يطيقها نفر قال فانطلقتا فأريانيها فانطلقتا معه فقال بالصخرة بيده فنحاهما


"""""" صفحة رقم 167 """"""
ثم استقى لهم سجلا واحدا فسقى الغنم ثم أعاد الصخرة إلى مكانها ) ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ( فسمعتا قال فرجعتا إلى أبيهما فاستنكر سرعة مجيئهما فسألهما فأخبرتاه فقال لإحداهما انطلقى فادعيه فأتت فقالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فمشت بين يديه فقال لها امشي خلفي فإني امروء من عنصر إبراهيم لا يحل لي أن أرى منك ما حرم الله علي وأرشديني الطريق فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال لها أبوها ما رأيت من قوته وأمانته فأخبرته بالأمر الذي كان قالت أما قوته فإنه قلب الحجر وحده وكان لا يقلبه إلا النفر وأما أمانته فقال امشى خلفى وأرشديني الطريق لأني امرؤ من عنصر إبراهيم لا يحل لي منك ما حرمه الله قيل لابن عباس أي الأجلين قضى موسى قال إبرهما وأوفاهما وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب قال إن موسى لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون فلما فرغوا أعاداوا الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال فإذا هو بامرأتين قال ما خطبكما فحدثناه فأتى الحجر فرفعه وحده ثم استقى فلم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم فرجعت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه وتولى موسى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير قال ) فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ( واضعة ثوبها على وجهها ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فقام معها موسى فقال لها امشي خلفي وانعتي لي الطريق فإني أكره أن يصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك فلما انتهى إلى أبيها قص عليه فقالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال يا بنية ما علمك بأمانته وقوته قالت أما قوته فرفعه الحجر ولا يطيقه إلا عشرة رجال وأما أمانته فقال امشي خلفي وانعتي لي الطريق فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك فزاده ذلك رغبة فيه فقال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين إلى قوله ) ستجدني إن شاء الله من الصالحين ( أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت قال موسى ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي قال نعم قال والله على ما نقول وكيل فزوجه وأقام معه يكفيه ويعمل في رعاية غنمه وما يحتاج إليه وزوجه صفورا وأختها شرفا وهما اللتان كانتا تذودان قال ابن كثير بعد إخراجه لطرق من هذا الحديث إن إسناده صحيح والسلفع من النساء الجريئة السليطة وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ولما ورد ماء مدين قال ورد الماء حيث ورد وإنه لتتراءى خضرة البقل في بطنه من الهزال وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال خرج موسى من مصر إلى مدين وبينه وبينها ثمان ليال ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر وخرج حافيا فما وصل إليها حتى وقع خف قدمه وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا قال تذودان تحسبان غنمهما حتى ينزع الناس ويخلو لهما البئر وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عنه أيضا قال لقد قال موسى رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير وهو أكرم خلقه عليه ولقد افتقر إلى شق تمرة ولقد لصق بطنه بظهره من شدة الجوع وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال ما سأل إلا طعام وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عنه أيضا قال سأل فلقا من الخبر يشد بها صلبه من الجوع
سورة القصص ( 25 32 )


"""""" صفحة رقم 168 """"""
القصص : ( 25 ) فجاءته إحداهما تمشي . . . . .
قوله ) فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ( في الكلام حذف يدل عليه السياق قال الزجاج تقديره فذهبتا إلى أبيهما سريعتين وكانت عادتهما الإبطاء في السقي فحدثتاه بما كان من الرجل الذي سقى لهما فأمر الكبرى من بنتيه وقيل الصغرى أن تدعوه له فجاءته وذهب أكثر المفسرين إلى أنهما ابنتا شعيب وقيل هما ابنتا أخي شعيب وأن شعيبا كان قد مات والأول أرجح وهو ظاهر القران ومحل تمشي النصب على الحال من فاعل جاءت ) على استحياء ( حال أخرى أي كائنة على استحياء حالتي المشي والمجىء فقط وجملة قالت إن أبي يدعوك مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ماذا قالت له لما جاءته ) ليجزيك أجر ما سقيت لنا ( أي جزاء سقيك لنا فلما جاءه وقص عليه القصص القصص مصدر سمي به المفعول أي المقصوص يعني أخبره بجميع ما اتفق له من عند قتله القبطي إلى عند وصوله إلى ماء مدين قال شعيب لا تخف نجوت من القوم الظالمين أي فرعون وأصحابه لأن فرعون لا سلطان له على مدين وللرازي في هذا الموضع إشكالات باردة جدا لا تستحق أن تذكر في تفسير كلام الله عز وجل والجواب عليها يظهر للمقصر فضلا عن الكامل وأشف ما جاء به أن موسى كيف أجاب الدعوة المعللة بالجزاء لما فعله من السقي ويجاب عنه بأنه اتبع سنة الله في إجابة دعوة نبي من أنبياء الله ولم تكن تلك الإجابة لأجل أخذ الأجر على هذا العمل ولهذا ورد أنه لما قدم إليه الطعام قال إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا
القصص : ( 26 ) قالت إحداهما يا . . . . .
قالت إحداهما يا أبت استأجره القائلة هي التي جاءته


"""""" صفحة رقم 169 """"""
أي استأجره ليرعى لنا الغنم وفيه دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة وقد اتفق على جوازها ومشروعيتها جميع علماء الإسلام إلا الأصم فإنه عن سماع أدلتها أصم وجملة ) إن خير من استأجرت القوي الأمين ( تعليل لما وقع منها من الإرشاد لأبيها إلى استئجار موسى أي إنه حقيق باستئجارك له لكونه جامعا بين خصلتي القوة والامانة وقد تقدم في المروى عن ابن عباس وعمر أن أباها سألها عن وصفها له بالقوة والأمانة فأجابته بما تقدم قريبا
القصص : ( 27 ) قال إني أريد . . . . .
قال إني أريد أن أنكحك ابنتي هاتين فيه مشروعية عرض ولى المرأة لها على الرجل وهذه سنة ثابته في الإسلام كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصه على أبي بكر وعثمان والقصة معروفة وغير ذلك مما وقع في أيام الصحابة أيام النبوة وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على أن تأجرني ثماني حجج أي على أن تكون أجيرا لي ثماني سنين قال الفراء يقول على أن تجعل ثوابي أن ترعى غنمي ثماني سنين ومحل على أن تأجرني النصب على الحال وهو مضارع أجرته ومفعوله الثاني محذوف أي نفسك و ثماني حجج ظرف قال المبرد يقال أجرت داري ومملوكي غير ممدود وممدودا والأول أكثر فإن أتممت عشرا فمن عندك أي إن أتممت ما استأجرتك عليه من الرعي عشر سنين فمن عندك أي تفضلا منك لا إلزاما مني لك جعل ما زاد على الثمانية الأعوام إلى تمام عشرة أعوام موكولا إلى المروءة ومحل فمن عندك الرفع على تقدير مبتدأ أي فهي من عندك وما أريد أن أشق عليك بإلزامك إتمام العشرة الأعوام واشتقاق المشقة من الشق أي شق ظنه نصفين فتارة يقول أطيق وتارة يقول لا أطيق ثم رغبه في قبول الإجارة فقال ستجدني إن شاء الله من الصالحين في حسن الصحبة والوفاء وقيل أراد الصلاح على العموم فيدخل صلاح المعاملة في تلك الإجارة تحت الاية دخولا أوليا وقيد ذلك بالمشيئة تعويضا للأمر إلى توفيق الله ومعونته
القصص : ( 28 ) قال ذلك بيني . . . . .
ثم لما فرغ شعيب من كلامه قرره موسى فقال ذلك بيني وبينك واسم الإشارة مبتدأ وخبره ما بعده والإشارة إلى ما تعاقدا عليه وجملة أيما الأجلين قضيت شرطية وجوابها فلا عدوان علي والمراد بالأجلين الثمانية الأعوام والعشرة الأعوام ومعي قضيت وفيت به وأتممته والأجلين مخفوض بإضافة اي إليه وما زائدة وقال ابن كيسان ما في موضع خفض بإضافة أي إليها و الأجلين بدل منها وقرأ الحسن ) أيما ( بسكون الياء وقرأ ابن مسعود أي الأجلين ما قضيت ومعنى فلا عدوان علي فلا ظلم على بطلب الزيادة على ما قضيته من الأجلين أي كما لا أطالب بالزيادة على الثمانية الأعوام لا أطالب بالنقصان على العشرة وقيل المعنى كما لا أطالب بالزيادة على العشرة الأعوام لا أطالب بالزيادة على الثمانية الأعوام وهذا أظهر وأصل العدوان تجاوز الحد في غير ما يجب قال المبرد وقد علم موسى أنه لا عدوان عليه إذا أتمهما ولكنه جمعهما ليجعل الأول كالأتم في الوفاء قرأ الجمهور عدوان بضم العين وقرأ أبو حيوة بكسرها والله على ما نقول وكيل أي على ما نقول من هذه الشروط الجارية بيننا شاهد وحفيظ فلا سبيل لأحدنا إلى الخروج عن شيء من ذلك قيل هو من قول موسى وقيل من قول شعيب والأول أولى لوقوعه في جملة كلام موسى
القصص : ( 29 ) فلما قضى موسى . . . . .
(فلما قضى موسى الأجل) هو أكملهما وأوفاهما وهو العشرة الأعوام كما سيأتي اخر البحث والفاء صريحه وسار بأهله إلى مصر وفيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء انس من جانب الطور نارا أي أبصر من الجهة التي تلي الطور نارا وقد تقدم تفسير هذا في سورة طه مستوفى ) قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر ( وهذا تقدم تفسيره أيضا في سورة طه وفي سورة النمل أو جذوه قرأ الجمهور بكسر الجيم وقرأ حمزة ويحيى بن وثاب بضمها وقرأ عاصم والسلمي وذر بن حبيش بفتحها قال الجوهري الجذوة


"""""" صفحة رقم 170 """"""
والجذوة والجذوة الجمرة والجمع جذى وجذى وجذى قال مجاهد في الاية أن الجذوة قطعة من الجمر في لغة جميع العرب وقال أبو عبيدة هي القطعة الغليظة من الخشب كأن في طرفها نارا ولم يكن ومما يؤيد أن الجذوة الجمرة قول السلمي وبدلت بعد المسك والبان شقوة
دخان الجذا في رأس أشمط شاحب
) لعلكم تصطلون ( أي تستدفئون بالنار
القصص : ( 30 ) فلما أتاها نودي . . . . .
فلما أتاها أي أتى النار التي أبصرها وقيل أتى الشجرة والأول أولى لعدم تقدم الذكر للشجرة نودى من شاطىء الواد الأيمن من لابتداء الغاية والأيمن صفة للشاطىء وهو من اليمن وهو البركة أو من جهة اليمين المقابل لليسار بالنسبة إلى موسى أي الذي يلى يمينه دون يساره وشاطىء الوادي طرفه وكذا شطه قال الراغب وجمع الشاطىء أشطاء وقوله في البقعة المباركة متعلق بنودى أو بمحذوف على أنه حل من الشاطىء و من الشجرة بدل اشتمال من شاطىء الواد لأن الشجرة كانت نابته على الشاطىء وقال الجوهري يقول شاطىء الأودية ولا يجمع قرأ الجمهور في البقعة بضم الباء وقرأ أبو سلمة والأشهب العقيلي بفتحها وهي لغة حكاها أبو زيد أن يا موسى إني أنا الله أن هي المفسرة ويجوز أن تكون هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وجملة النداء مفسرة له والأول أولى قرأ الجمهور بكسر همزة إنى على إضمار القول أو على تضمين النداء معناه وقرىء بالفتح وهي قراءة ضعيفة
القصص : ( 31 ) وأن ألق عصاك . . . . .
وقوله ) وأن ألق عصاك ( معطوف على أن يا موسى وقد تقدم تفسير هذا وما بعده في طه والنمل وفي الكلام حذف والتقدير فألقاها فصارت ثعبانا فاعتزت فلما راها تهتز كأنها جان في سرعة حركتها مع عظم جسمها ولى مدبرا أي منهزما وانتصاب مدبرا على الحال وقوله ولم يعقب في محل نصب أيضا على الحال أي لم يرجع يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الامنين قد تقدم تفسير جميع ما ذكر هنا مستوفى فلا نعيده
القصص : ( 32 ) اسلك يدك في . . . . .
وكذلك قوله اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك جناح الإنسان عضده ويقال لليد كلها جناح أي اضمم إليك يديك المبسوطتين لتتقى بهما الحية كالخائف الفزع وقد عبر عن هذا المعنى بثلاث عبارات الأولى اسلك يدك في جيبك والثانية واضمم إليك جناحك والثالثة وأدخل يدك في جيبك ويجوز أن يراد بالضم التجلد والثبات عند انقلاب العصا ثعبانا ومعنى من الرهب من أجل الرهب وهو الخوف قرأ الجمهور الرهب بفتح الراء والهاء واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم وقرأ حفص والسلمي وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق بفتح الراء وإسكان الهاء وقرأ ابن عامر والكوفيون إلا حفصا بضم الراء وإسكان الهاء وقال الفراء أراد بالجناح عصاه وقال بعض أهل المعاني الرهب الكم بلغة حمير وبني حنيفة قال الأصمعي سمعت أعرابيا يقول لاخر أعطني ما في رهبك فسألته عن الرهب فقال الكم فعلى هذا يكون معناه اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم ) فذانك ( إشارة إلى العصا واليد برهانان من ربك إلى فرعون وملائه أي حجتان نيرتان ودليلان واضحان قرأ الجمهور فذانك بتخفيف النون وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديدها قيل والتشديد لغة قريش وقرأ ابن مسعود وعيسى بن عمر وشبل وأبو نوفل بياء تحتية بعد نون مكسورة والياء بدل من من إحدى النونين وهي لغة هذيل وقيل لغة تميم وقوله من ربك متعلق بمحذوف أي كائنان منه وكذلك قوله إلى فرعون وملائه متعلق بمحذوف أي مرسلان أو واصلان إليهم إنهم كانوا قوما فاسقين متجاوزين الحد في الظلم خارجين عن الطاعة أبلغ خروج والجملة تعليل لما قبلها


"""""" صفحة رقم 171 """"""
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن أبي الهذيل عن عمر بن الخطاب في قوله تمشى على استحياء قال جاءت مستترة بكم درعها على وجهها وأخرجه ابن المنذر عن أبي الهذيل موقوفا عليه وأخرج ابن عساكر عن أبي حازم قال لما دخل موسى على شعيب إذا هو بالعشاء فقال له شعيب كل قال موسى أعوذ بالله قال ولم ألست بجائع قال بلى ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا عما سقيت لهما وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل الاخرة بملء الأرض ذهبا قال لا والله ولكنها عادتي وعادة ابائي نقرى الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى فأكل وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس أنه بلغه أن شعيبا هو الذي قص عليه القصص وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال كان صاحب موسى أثرون بن أخي شعيب النبي وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال الذي استأجر موسى يثرب صاحب مدين وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عنه قال كان اسم ختن موسى يثربى وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال يقول أناس إنه شعيب وليس بشعيب ولكنه سيد الماء يومئذ وأخرج ابن ماجه والبزاز وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عتبة ابن المنذر السلمي قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقرأ سورة طسم حتى إذا بلغ قصة موسى قال إن موسى أجر نفسه ثماني سنين أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه فلما وفي الأجل قيل يا رسول الله أي الأجلين قضى موسى قال أبرهما وأوفاهما فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به فأعطاها ما ولدت غنمه الحديث بطوله وفي إسناده مسلمة بن علي الحسني الدمشقي البلاطي ضعفه الأئمة وقد روى من وجه اخر وفيه تظر وإسناده عند ابن أبي حاتم هكذا حدثنا أبو زرعة عن يحيى بن عبد الله بن بكير حدثني ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي قال سمعت عتبة بن المنذر السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فذكره وابن لهيعة ضعيف وينظر في بقية رجال السند وأخرج ابن جرير عن أنس طرفا منه موقوفا عليه وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه سئل أي الأجلين قضى موسى فقال قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله إذا قال فعل وأخرج البزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عنه نحوه وقوله إن رسول الله إذا قال فعل فيه نظر فإن موسى لم يقل إنه سيقضي أكثر الأجلين بل قال أيما الأجلين قضيت فلا عدوان على وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن موسى قضى أتم الأجلين من طرق وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي ذر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى فقل خيرهما وأبرهما وإن سئلت أي المرأتين تزوج فقل الصغرى منهما وهي التي جاءت فقالت ) يا أبت استأجره ( وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لي جبريل يا محمد إن سألك اليهود أي الأجلين قضى موسى فقل أوفاهما وإن سألوك أيهما تزوج فقل الصغرى منهما وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه واله وسلم سئل أي الأجلين قضى موسى قال أبرهما وأوفاهما قال وإن سئلت أي المرأتين تزوج فقل الصغرى منهما قال البزار لا نعلم يروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث عويد بن أبي عمران وهو ضعيف وأما روايات أنه قضى أتم الأجلين فلها طرق يقوى بعضها بعضا وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدى قال قال ابن عباس لما


"""""" صفحة رقم 172 """"""
قضى موسى الأجل سار بأهله فضل الطريق وكان في الشتاء فرفعت له نار فلما راها ظن أنها نار وكانت من نور الله فقال لأهله امكثوا إني انست نارا لعلي اتيكم منها بخبر فإن لم أجد خبرا اتيكم بشهاب قبس ) لعلكم تصطلون ( من البرد وأخرج ابن أبي حاتم عنه لعلى اتيكم منها بخبر لعلى أجد من يدلني على الطريق وكانوا قد ضلوا الطريق وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله أو جذوة قال شهاب وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله نودى من شاطىء الواد قال كان النداء من السماء الدنيا وظاهر القران يخالف ما قاله رضي الله عنه وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود قال ذكرت لي الشجرة التي أوى إليها موسى فسرت إليها يومى وليلتي حتى صبحتها فإذا هي سمرة خضراء ترف فصليت على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) واله وسلم وسلمت فأهوى إليها بعيري وهو جائع فأخذ منها ملان فيه فلاكه فلم يستطع أن يسيغه فلفظه فصليت على النبي وسلمت ثم انصرفت وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ) واضمم إليك جناحك ( قال يدك
سورة القصص ( 33 43 )
القصص : ( 33 ) قال رب إني . . . . .
لما سمع موسى قول الله سبحانه فذانك برهانان إلى فرعون طلب منه سبحانه أن يقوى قلبه ) قال رب إني قتلت منهم نفسا ( يعني القبطي الذي وكزه فقضى عليه فأخاف أن يقتلون بها
القصص : ( 34 ) وأخي هارون هو . . . . .
(وأخي هارون هو أفصح مني لسانا) لأنه كان في لسان موسى حبسة كما تقدم بيانه والفصاحة لغة الخلوص يقال فصح اللبن وأفصح فهو


"""""" صفحة رقم 173 """"""
فصيح أي خلص من الرغوة ومنه فصح الرجل جادت لغته وأفصح تكلم بالعربية وقيل الفصيح الذي ينطق والأعجم الذي لا ينطق وأما في اصطلاح أهل البيان فالفصاحة خلوص الكلمة عن تنافر الحروف والغرابة ومخالفة القياس وفصاحة الكلام خلوصه من ضعف التأليف والتعقيد وانتصاب ردءا على الحال والردء المعين من أردأته أي أعنته يقال فلان ردء فلان إذا كان ينصره ويشد ظهره ومنه قول الشاعر ألم تر أن أصرم كان ردئي
وخير الناس في قل ومال
وحذفت الهمزة تخفيفا في قراءة نافع وأبي جعفر ويجوز أن يكون ترك الهمز من قولهم أردى على المائة إذا زاد عليها فكان المعنى أرسله معي زيادة في تصديقي ومنه قول الشاعر وأسمر خطيا كأن كعوبه
نوى العتب قد أردى ذراعا على العشر
وروى البيت في الصحاح بلفظ قد أربى والقسب الصلب وهو الثمر اليابس الذي يتفتت في الفم وهو صلب النواة يصدقني قرأ عاصم وحمزة يصدقني بالرفع على الاستئناف أو الصفة لردءا أو الحال من مفعول أرسله وقرأ البقاون بالجزم على جواب الأمر وقرأ أبي وزيد بن علي يصدقون أي فرعون وملؤه إني أخاف أن يكذبون إذا لم يكن معي هارون لعدم انطلاق لساني بالمحاجة
القصص : ( 35 ) قال سنشد عضدك . . . . .
(قال سنشد عضدك بأخيك) أي نقويك به فشد العضد كناية عن التقوية ويقال في دعاء الخير شد الله عضدك وفي ضده فت الله في عضدك قرأ الجمهور ) عضدك ( بفتح العين وقرأ الحسين وزيد بن علي بضمها وروى عن الحسن أيضا أنه قرأ بضمة وسكون وقرأ عيسى بن عمر بفتحهما ونجعل لكم سلطانا أي حجة وبرهانا أوب تسلطا عليه وعلى قومه فلا يصلون إليكما بالأذى ولا يقدرون على غلبتكما بالحجة و باياتنا متعلق بمحذوف أي تمتنعان منهم باياتنا أو اذهبا باياتنا وقيل الباء للقسم وجوابه يصلون وما أضعف هذا القول وقال الأخفش وابن جرير في الكلام تقديم وتأخير والتقدير ) أنتما ومن اتبعكما الغالبون ( باياتنا وأول هذه الوجوه أولاها وفي أنتما ومن اتبعكما الغالبون تبشير لهما وتقوية لقلوبهما
القصص : ( 36 ) فلما جاءهم موسى . . . . .
فلما جاءهم موسى باياتنا بينات البينات الواضحات الدلالة وقد تقدم وجه إطلاق الايات وهي جمع على العصا واليد في سورة طه قالوا ما هذا إلا سحر مفترى أي مختلق مكذوب اختلقته من قبل نفسك وما سمعنا بهذا الذي جئت به من دعوى النبوة أو ما سمعنا بهذا السحر في ابائنا الأولين أي كائنا أو واقعا في ابائنا الأولين
القصص : ( 37 ) وقال موسى ربي . . . . .
وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده يريد نفسه وإنما جاء بهذه العبارة لئلا يصرح لهم بما يريده قبل أن يوضح لهم الحجة والله أعلم قرأ الجمهور وقال موسى بالواو وقرأ مجاهد وابن كثير وابن محيصن قال موسى بلا واو وكذلك هو في مصاحف أهل مكة وقرأ الكوفيون إلا عاصما ومن يكون عاقبة الدار بالتحتية على أن اسم يكون عاقبة الدار والتذكير لوقوع الفصل ولأنه تأنيث مجازى وقرأ الباقون تكون بالفوقية وهي أوضح من القراءة الأولى والمراد بالدار هنا الدنيا وعاقبتها هي الدار الاخرة والمعنى لمن تكون له العاقبة المحمودة والضمير في ) إنه لا يفلح الظالمون ( للشأن أي إن الشأن أنه لا يفلح الظالمون أي لا يفوزون بمطلب خير ويجوز أن يكون المراد بعاقبة الدار خاتمة الخير
القصص : ( 38 ) وقال فرعون يا . . . . .
وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري تمسك اللعين بمجرد الدعوى الباطلة مغالطة لقومه منه وقد كان يعلم أنه ربه الله عز وجل ثم رجع إلى تكبره وتجبره وإيهام قومه بكمال اقتداره فقال فأوقد لي يا هامان على الطين أي اطبخ لي الطين حتى يصير اجرا فاجعل لي صرحا أي اجعل لي من هذا الطين الذي توقد عليه حتى يصير اجرا صرحا أي قصرا عاليا ) لعلي أطلع إلى إله موسى ( أي أصعد إليه وإني لأظنه من الكاذبين


"""""" صفحة رقم 174 """"""
والطلوع والاطلاع واحد يقال طلع الجبل واطلع
القصص : ( 39 ) واستكبر هو وجنوده . . . . .
واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق المراد بالأرض أرض مصر والاستكبار التعظيم بغير استحقاق بل بالعدوان لأنه لم يكن له حجة يدفع بها ما جاء به موسى ولا شبهة ينصبها في مقابلة ما أظهره من المعجزات وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون أي فرعون وجنوده والمراد بالرجوع البعث والمعاد قرأ نافع وشيبة وابن محيصن وحميد ويعقوب وحمزة والكسائي لا يرجعون بفتح الياء وكسر الجيم مبنيا للفاعل وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الجيم مبنيا للمفعول واختار القراءة الأولى أبو حاتم واختار القراءة الثانية أبو عبيد
القصص : ( 40 ) فأخذناه وجنوده فنبذناهم . . . . .
فأخذناه وجنوده بعد أن عتوا في الكفر وجاوزوا الحد فيه فنبذناهم في اليم أي طرحناهم في البحر وقد تقدم بيان الكلام في هذا فانظر كيف كان عاقبة الظالمين الخطاب لنبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم أي انظر يا محمد كيف كان اخر أمر الكافرين حين صاروا إلى الهلاك
القصص : ( 41 ) وجعلناهم أئمة يدعون . . . . .
وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار أي صيرناهم رؤساء متبوعين مطاعين في الكافرين فكأنهم بإصرارهم على الكفر والتمادى فيه يدعون أتباعهم إلى النار لأنهم اقتدوا وسلكوا طريقتهم تقليدا لهم وقيل المعنى إنه يأتم بهم أي يعتبر بهم من جاء بعدهم ويتعظ بما أصيبوا به والأول أولى ويوم القيامة لا ينصرون أي لا ينصرهم أحد ولا يمنعهم مانع من عذاب الله
القصص : ( 42 ) وأتبعناهم في هذه . . . . .
وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة أي طردا وإبعادا أو أمرنا العباد بلعنهم فكل من ذكرهم لعنهم والأول أولى ويوم القيامه هم من المقبوحين المقبوح المطرود المبعد وقال أبو عبيدة وابن كيسان معناه من المهلكين الممقوتين وقال أبو زيد قبح الله فلانا قبحا وقبوحا أبعده من كل خير قال أبو عمرو قبحت وجهه بالتخفيف بمعنى قبحت بالتشديد ومثله قول الشاعر 0 ألا قبح الله البراجم كلها
وقبح يربوعا وقبح دارما
وقيل المقبوح المشوة الخلقة والعامل في يوم محذوف يفسره من المقبوحين والتقدير وقبحوا يوم القيامة أو هو معطوف على موضع في هذه الدنيا أي وأتبعناهم لعنة يوم القيامة أو معطوف على لعنة على حذف مضاف أي ولعنه يوم القيامة
القصص : ( 43 ) ولقد آتينا موسى . . . . .
ولقد اتينا موسى الكتاب يعني التوراة من بعد ما أهلكنا القرون الأولى أي قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم وقيل من بعد ما أهلكنا فرعون وقومه وخسفنا بقارون وانتصاب بصائر للناس على أنه مفعول له أو حال أي اتيناه الكتاب لأجل يتبصر به الناس أو حال كونه بصائر الناس يبصرون به الحق ويهتدون إليه وينقذون أنفسهم به من الضلالة بالاهتداء به ورحمة لهم من الله بها لعلهم يتذكرون هذه النعم فيشكرون الله ويؤمنون به ويجيبون داعيه إلى مافيه خير لهم
وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عباس ردءا يصدقني كي يصدقني وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال لما قال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري قال جبريل يا رب طغى عبدك فائذن لي في هلكه فقال يا جبريل هو عبدي ولن يسبقني له أجل يجيء ذلك الأجل فلما قال أنا ربكم الأعلى قال الله يا جبريل سبقت دعوتك في عبدي وقد جاء أوان هلاكه وأخرج ابن مردويه عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كلمتان قالهما فرعون ما علمت لكم من إله غيري وقوله أنا ربكم الأعلى قال كان بينهما أربعون عاما فأخذه الله نكال الآخرة والأولى وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال بلغني أن فرعون أول من طبخ الاجر وأخرجه ابن المنذر عن ابن جريج وأخرج البزار وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما أهلك الله قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ


"""""" صفحة رقم 175 """"""
أنزل التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخت قردة ألم تر إلى قوله ) ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ( وأخرجه البزار وابن جرير وابن أبي حاتم ومن وجه اخر عن أبي عيد موقوفا
سورة القصص ( 44 57 )
القصص : ( 44 ) وما كنت بجانب . . . . .
قوله ) وما كنت بجانب الغربي ( هذا شروع في بيان إنزال القران أي وما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي من حذف الموصوف وأقامة الصفة مقامه واختاره الزجاج وقال الكلبي بجانب الوادي الغربي أي ناجي موسى ربه ) إذ قضينا إلى موسى الأمر ( أي عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه


"""""" صفحة رقم 176 """"""
) وما كنت من الشاهدين ( لذلك حتى تقف على حقيقته وتحكيه من جهة نفسك وإذا تقرر أن الوقوف على تفاصيل تلك الأحوال لا يمكن أن يكون بالحضور عندها من نبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم والمشاهدة لها منه وانتفى بالأدلة الصحيحة أنه لم يتلق ذلك من غيره من البشر ولا علمه معلم منهم كما قدمنا تقريره تبين أنه من عند الله سبحانه بوحى منه إلى رسوله بواسطة الملك النازل بذلك فهذا الكلام هو على طريقة ) وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ( وقيل معنى ) إذ قضينا إلى موسى الأمر ( إذ كلفناه والزمناه وقيل أخبرناه أن أمة محمد خير الأمم ولا يستلزم نفى كونه بجانب الغربي نفى كونه من الشاهدين لأنه يجوز أن يحضر ولا يشهد قيل المراد بالشاهدين السبعون الذين اختارهم موسى للميقات
القصص : ( 45 ) ولكنا أنشأنا قرونا . . . . .
ولكنا أنشأنا قرونا أي خلقنا أمما بين زمانك يا محمد وزمان موسى فتطاول عليهم العمر طالت عليهم المهلة وتمادى عليهم الأمد فتغيرت الشرائع والأحكام وتنوسيت الأديان فتركوا أمر الله ونسوا عهده ومثله قوله سبحانه فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وقد استدل بهذا الكلام على أن الله سبحانه قد عهد إلى موسى عهدوا في محمد صلى الله عليه واله وسلم وفي الإيمان به فلما طال عليهم العمر ومضت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها ) وما كنت ثاويا في أهل مدين ( أي مقيما بينهم كما أقام موسى حتى تقرأ على أهل مكة خبرهم وتقص عليهم من جهة نفسك يقال ثوى يثوي ثواء وثويا فهو ثاو قال ذو الرمة لقد كان في حول ثواء ثويته
نقضى لبانات ويسأم سائم
وقال العجاج فبات حيث يدخل الثوى
يعني الضيف المقيم وقال اخر
طال الثواء على رسول المنزل
تتلوا عليهم اياتنا اي تقرأ على أهل مدين اياتنا وتتعلم منهم وقيل نذكرهم بالوعد والوعيد والجملة في محل نصب على الحال أو خبر ثان ويجوز أن تكون هذه الجملة هي الخبر وثاويا حال وجعلها الفراء مستأنفة كأنه قيل وها أنت تتلو على أمتك ولكنا كنا مرسلين أي أرسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار ولولا ذلك لما علمتها قال الزجاج المعنى أنك لم تشاهد قصص الأنبياء ولا تليت عليك ولكنا أوحيناها إليك وقصصناها عليك
القصص : ( 46 ) وما كنت بجانب . . . . .
) وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ( أي وما كنت يا محمد بجانب الجبل المسمى بالطور إذ نادينا موسى لما أتى إلى الميقات مع السبعين وقيل المنادى هو أمة محمد صلى الله عليه واله وسلم قال وهب وذلك أن موسى لما ذكر الله له فضل محمد وأمته قال يا رب أرنيهم فقال الله إنك لن تدركهم وإن شئت ناديتهم فأسمعتك صوتهم قال بلى يا رب فقال الله يا أمة محمد فأجابوا من أصلاب ابائهم فيكون معنى الاية على هذا ما كنت يا محمد بجانب الطور إذ كلمنا موسى فنادينا أمتك وسيأتي ما يدل على هذا ويقويه ويرجحه في اخر البحث إن شاء الله ولكن رحمة من ربك أي ولكن فعلنا ذلك رحمة منا بكم وقيل ولكن أرسلنا بالقران رحمة لكم وقيل علمناك وقيل عرفناك قال الأخفش هو منصوب يعني رحمة على المصدر أي ولكن رحمناك رحمة وقال الزجاج هو مفعول من أجله أي فعلنا ذلك بك لأجل الرحمة قال النحاس أي لم تشهد قصص الأنبياء ولا تليت عليك ولكن بعثناك وأوحيناها إليك للرحمة وقال الكسائي هو خبر لكان مقدرة أي ولكن كان ذلك رحمة وقرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة رحمة بالرفع على تقدير ولكن أنت رحمة وقال الكسائي الرفع على أنها اسم كان المقدرة وهو بعيد إلا على تقدير أنها تامة واللام في ) لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ( متعلق بالفعل المقدر على الاختلاف في تقديره والقوم هم أهل مكة فإنه لم يأتهم نذير ينذرهم قبله صلى الله عليه واله وسلم وجملة ما أتاهم الخ صفة لقوما ) لعلهم يتذكرون (


"""""" صفحة رقم 177 """"""
أي يتعظون بإنذارك
القصص : ( 47 ) ولولا أن تصيبهم . . . . .
ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم لولا هذه هي الامتناعية وأن وما في حيزها في موضع رفع بالابتداء وجوابها محذوف قال الزجاج وتقديره ما أرسلنا إليهم رسلا يعني أن الحامل على إرسال الرسل هو إزاحة عللهم فهو كقوله سبحانه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقدره ابن عطيه لعاجلناهم بالعقوبة ووافقه على هذا التقدير الواحدي فقال والمعنى لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة بكفرهم وقوله ) فيقولوا ( عطف على تصيبهم ومن جملة ما هو في حيز لولا أي فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ولولا هذه الثانية هي التحضيضية أي هلا أرسلت إلينا رسولا من عندك وجوابها هو فنتبع اياتك وهو منصوب بإضمار أن لكونه جوابا للتحضيض والمراد بالايات الايات التنزيلية الظاهرة الواضحة وإنما عطف القول على تصيبهم لكونه هو السبب للإرسال ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها هي السبب لارسال الرسل بواسطة القول ونكون من المؤمنين بهذه الايات ومعنى الاية أنا لو عذبناهم لقالوا طال العهد بالرسل ولم يرسل الله إلينا رسولا ويظنون أن ذلك عذر لهم ولا عذر لهم بعد أن بلغتهم أخبار الرسل ولكنا أكملنا الحجة وأزحنا العلة وأتممنا البيان بإرسالك يا محمد إليهم
القصص : ( 48 ) فلما جاءهم الحق . . . . .
) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ( أي فلما جاء أهل مكة الحق من عند الله وهو محمد صلى الله عليه واله وسلم وما أنزل عليه من القران قالوا تعنتا منهم وجدالا بالباطل هلا أوتى هذا الرسول مثل ما أوتى موسى من الايات التي من جملتها التوراة المنزلة عليه جملة واحدة فأجاب الله عليهم بقوله ) أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ( أي من قبل هذا القول أو من قبل ظهور محمد والمعنى أنهم قد كفروا بايات موسى كما كفروا بايات محمد وجملة ) قالوا سحران تظاهرا ( مستأنفة مسوقة لتقرير كفرهم وعنادهم والمراد بقولهم ) سحران ( موسى ومحمد والتظاهر التعاون أي تعاونا على السحر والضمير في قوله أو لم يكفروا لكفار قريش وقيل هو لليهود والأول أولى فإن اليهود لا يصفون موسى بالسحر إنما يصفه بذلك كفار قريش وأمثالهم إلا أن يراد من أنكر نبوة موسى كفرعون وقومه فإنهم وصفوا موسى وهارون بالسحر ولكنهم ليسوا من اليهود ويمكن أن يكون الضمير لمن كفر بموسى ومن كفر بمحمد فإن الذين كفروا بموسى وصفوه بالسحر والذين كفروا بمحمد وصفوه أيضا بالسحر وقيل المعنى أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتى موسى من قبله بالبشارة بعيسى ومحمد قرأ الجمهور ساحران وقرأ الكوفيون سحران يعنون التوراة والقران وقيل الإنجيل والقران قال بالأول الفراء وقال بالثاني أبو زيد وقيل إن الضمير في أو لم يكفروا لليهود وأنهم عنوا بقولهم ساحران عيسى ومحمدا وقالوا إنا بكل كافرون أي بكل من موسى ومحمد أو من موسى وهارون أو من موسى وعيسى على اختلاف الأقوال وهذا على قراءة الجمهور وأما على القراءة الثانية فالمراد التوارة والقران أو الإنجيل والقران وفي هذه الجملة تقرير لما تقدمها من وصف النبيين بالسحر أو من وصف الكتابين به وتأكيد لذلك
القصص : ( 49 ) قل فأتوا بكتاب . . . . .
ثم أمر الله سبحانه نبيه أن يقول لهم قولا يظهر به عجزهم فقال قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه أي قل لهم يا محمد فأتوا بكتاب هو أهدى من التوراة والقران وأتبعه جواب الأمر وقد جزمه جمهور القراء لذلك وقرأ زيد بن علي برفع أتبعه على الاستئناف أي فأنا أتبعه قال الفراء إنه على هذه القراءة صفة للكتاب وفي هذا الكلام تهكم به وفيه أيضا دليل على أن قراءة الكوفيين أقوى من قراءة الجمهور لأنه رجع الكلام إلى الكتابين لا إلى الرسولين ومعنى ) إن كنتم صادقين ( إن كنتم فيما وصفتم به الرسولين أو الكتابين صادقين
القصص : ( 50 ) فإن لم يستجيبوا . . . . .
فإن لم يستجيبوا لك أي لم يفعلوا ما كلفتم به من الإتيان بكتاب هو


"""""" صفحة رقم 178 """"""
أهدى من الكتابين وجواب الشرط ) فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ( أي اراءهم الزائغة واستحساناتهم الزائفة بلا حجة ولا برهان وقيل المعنى فإن لم يستجيبوا لك بالإيمان بما جئت به وتعدية يستجيبوا باللام هو أحد الجائزين ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله أي لا أحد أضل منه بل هو الفرد الكامل في الضلال ) إن الله لا يهدي القوم الظالمين ( لأنفسهم بالكفر وتكذيب الأنبياء والإعراض عن آيات الله
القصص : ( 51 ) ولقد وصلنا لهم . . . . .
ولقد وصلنا لهم القول قرأ الجمهور وصلنا بتشديد الصاد وقرأ الحسن بتخفيفها ومعنى الاية أتبعنا بعضه بعضا وبعثنا رسولا بعد رسول وقال أبو عبيدة والأخفش معناه أتممنا وقال ابن عيينة والسدى بينا وقال ابن زيد وصلنا لهم خير الدنيا بخير الاخرة حتى كأنهم عاينوا الاخرة في الدنيا والأولى أولى وهو مأخوذ من وصل الحبال بعضها ببعض ومنه قول الشاعر فقل لبنى مروان ما بال ذمتي
بحبل ضعيف لا تزال توصل
وقال امرؤ القيس يقلب كفيه بخيط موصل
والضمير في لهم عائد إلى قريش وقيل إلى اليهود وقيل للجميع لعلهم يتذكرون فيكون التذكر سببا لإيمانهم مخافة أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم
القصص : ( 52 ) الذين آتيناهم الكتاب . . . . .
الذين اتيناهم الكتاب من قبله أي من قبل القران والموصول مبتدأ وخبره هم به مؤمنون أخبر سبحانه أن طائفة من بني إسرائيل امنوا بالقران كعبد الله بن سلام وسائر من أسلم من أهل الكتاب وقيل الضمير في من قبله يرجع إلى محمد صلى الله عليه واله وسلم والأول أولى والضمير في به راجع إلى القران على القول الأول وإلى محمد على القول الثاني
القصص : ( 53 ) وإذا يتلى عليهم . . . . .
وإذا يتلى عليهم قالوا امنا به أي وإذا يتلى القران عليهم قالوا صدقنا به ) إنه الحق من ربنا ( أي الحق الذي نعرفه المنزل من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أي مخلصين لله بالتوحيد أو مؤمنين بمحمد وبما جاء به لما نعلمه من ذكره في التوراة والإنجيل من التبشير به وأنه سيبعث اخر الزمان وينزل عليه القران
القصص : ( 54 ) أولئك يؤتون أجرهم . . . . .
والإشارة بقوله أولئك يؤتون أجرهم مرتين إلى الموصوفين بتلك الصفات والباء في بما صبروا للسببية أي بسبب صبرهم وثباتهم على الإيمان بالكتاب الأول والكتاب الاخر وبالنبي الأول والنبي الاخر ويدرءون بالحسنة السيئة الدرء الدفع أي يدفعون بالاحتمال والكلام الحسن ما يلاقونه من الأذى وقيل يدفعون بالطاعة المعصية وقيل بالتوبة والإستغفار من الذنوب وقيل بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك ) ومما رزقناهم ينفقون ( أي ينفقون أموالهم في الطاعات وفيما أمر به الشرع
القصص : ( 55 ) وإذا سمعوا اللغو . . . . .
ثم مدحهم سبحانه بإعراضهم عن اللغو فقال وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه تكرما وتنزها وتأدبا باداب الشرع ومثله قوله سبحانه وإذا مروا باللغو مروا كراما واللغو هنا هو ما يسمعونه من المشركين من الشتم لهم ولدينهم والاستهزاء بهم وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا يلحقنا من ضرر كفركم شيء ولا يلحقكم من نفع إيماننا شيء سلام عليكم ليس المراد بهذا السلام سلام التحية ولكن المراد به سلام المتاركة ومعناه أمنة لكم منا وسلامة لانجاريكم ولا نجاوبكم فيما أنتم فيه قال الزجاج وهذا قبل الأمر بالقتال ) لا نبتغي الجاهلين ( أي لا نطلب صحبتهم وقال مقاتل لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه وقال الكلبي لا نحب دينكم الذي أنتم عليه
القصص : ( 56 ) إنك لا تهدي . . . . .
إنك لا تهتدي من أحببت من الناس وليس ذلك إليك ولكن الله يهدي من يشاء هدايته وهو أعلم بالمهتدين أي القابلين للهداية المستعدين لها وهذه الاية نزلت في أبي طالب كما ثبت في الصحيحين وغيرهما وقد تقدم ذلك في براءة قال الزجاج أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب وقد تقرر في الأصول أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيدخل في ذلك أبو طالب دخولا أوليا
القصص : ( 57 ) وقالوا إن نتبع . . . . .
) وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ( أي قال مشركو قريش ومن تابعهم إن ندخل في دينك يا محمد نتخطف


"""""" صفحة رقم 179 """"""
من أرضنا أي يتخطفنا العرب من أرضنا يعنون مكة ولا طاقة لنا بهم وهذا من جملة أعذارهم الباطلة وتعللاتهم العاطلة والتخطف في الأصل هو الانتزاع بسرعة قرأ الجمهور نتخطف بالجزم جوابا للشرط وقرأ المنقري بالرفع على الاستئناف ثم رد الله ذلك عليهم ردا مصدرا باستفهام التوبيخ والتقريع فقال أو لم نمكن لهم حرما امنا أي ألم نجعل لهم حرما ذا أمن قال أبو البقاء عداه بنفسه لأنه بمعنى جعل كما صرح بذلك في قوله أو لم يروا أنا جعلنا حرما ثم وصف هذا الحرم بقوله يجبى إليه ثمرات كل شيء أي تجمع إليه الثمرات على اختلاف أنواعها من الأراضي المختلفة وتحمل إليه قرأ الجمهور يجبي بالتحتية اعتبار بتذكير كل شيء ووجود الحائل بين الفعل وبين ثمرات وأيضا ليس تأنيث ثمرات بحقيقي واختار قراءة الجمهور أبو عبيد لما ذكرنا وقرأ نافع بالفوقية اعتبار بثمرات وقرأ الجمهور أيضا ثمرات بفتحتين وقرأ أبان بضمتين وقريء بفتح الثاء وسكون الميم رزقا من لدنا منتصب على المصدرية لأن معنى يجبي نرزقهم ويجوز أن ينتصب على أنه مفعول له لفعل محذوف أي نسوقه إليهم زرقا من لدنا ويجوز أن ينتصب على الحال أي رازقين ) ولكن أكثرهم لا يعلمون ( لفرط جهلهم ومزيد غفلتهم وعدم تفكرهم في أمر معادهم ورشادهم لكونهم من طبع الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج الفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو